تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

الحمد لله القدوس المتعال، المنـزه عن النظير والمثال، وتعالت عظمته عن الإحاطة والشمول، لا تحده الحدود والجهات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحـده لا شريـك لـه خلق الخلـقَ بقدرته وهدى لتوحيده من شاء من خلقه، لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه. والصلاة والسلام على صفيه من خيرة خلقه وخليله بلّغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في سبيله حق جهاده وبعد:
لقد وصلنا إلى زمن تطلع فيه الجهل برأسه وتطاول بعنقه وتكثر بخيله ورجله فاشتغل بعض الجماعات بنشره ونصرته وتـزيـينه وأيدت باطلها بالشبه الملبسات والفرى المختلَقات حتى انطلى تزييفها على بعض ضـعفاء العقول لأخذهم بالظاهر المتبادر الى الذهن من أيات وأحاديث الصفات فسموها بالصفات تسمية مبتدعة لا دليل لهم في ذلك من النقل ولا من العقل ولم يلتفتوا إلى النـصوص الصارفة عن الظواهر إلى المعاني الواجبة لله تعالى ولا إلى إلغاء ما يوجبه الظاهر من سمات الحدوث ومن ذلك أخذهم بظاهر حديث الجارية لإثباتهم الجهة والحيز لله تعالى الله المتعال عما يقوله الظالمون علوا كبيرا. فرأيـت أن أجمعَ رسالة أبين فيها ما قاله أهل السنة والجماعة المشهود لهم بالحفظ والعلم في معنى حديث الجارية أسميتها: القوافل الجارية بشرح حديث الجارية

 وأما تمسك المشبهة والحشوية القائلين بالجهة لله تعالى وهي جهة العلو كما في كتب بعضهم لإثباتهم جهة العلو لله تعالى بحديث الجارية فهو تمسك باطل لا وجه له , لأن الحديث إذا حكم بصحته فهو مؤول على أنه سؤال عن المكانة والرفعة والمنزلة لا عن المكان والجهة , والحديث ليس على ظاهره , وهو الموافق للآية المحكمة {ليس كمثله شئ}.

ثم إن حديث الجارية روي بعدة ألفاظ مختلفة منها ما رواه الإمام ابن حبان في صـحيحـه عن الشريد بن سويد الثقفي قال قلت يا رسول الله إن أمي أوصت أن نعتق عنها رقبة وعندي جارية سوداء قال: ادع بها فجاءت فقال: من ربك؟ قالت: الله، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة.
ورواه أيضا بهذا اللفظ النسائي في الصغرى وفي الكـبرى والإمام أحمد في مسنده والطبراني والبيهقي ورواه أيضا بهذا اللفظ ابـن خزيمة في كتابه الذي سماه كتاب التوحيد من طريق زياد بن الربيع عن ابن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن الشريد.
ومنها ما رواه الإمام مسلم في صحيحه باب تحريم الكلام في الصلاة دون كتاب الإيمان من طريق هلال بن أبي ميمونة عن عطاء بـن يسار عن معاوية بن الحكم السُّلَمي قال: وكانت لي جارية ترعى غنمًا لي قِبَلَ أُحد والجوَّانية فاطَّلَعتُ ذات يوم فإذا الذيب قد ذهب بشاة من غنمها وأنا رجل من بني ءادمَ ءاسـفُ كما يأسفون لكني صككتـها صكَّـةً فأتيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فعظَّمَ ذلك علي قُلتُ يا رسول الله أفلا أُعتقُها؟ قال: إئتني بها، فأتيته بها، فقال لها: أين الله؟ قالت في السماء، قال: من أنا؟قالت أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنةٌ.
وجاء من وجه ءاخر عند الإمام مالك في الموطأ: باب ما يجوز من العتق في الرقاب الواجبة بلفظ: أين الله وبلفظ: أتشهدين أن لا إله إلا الله بزيادة: أتوقنين بالبعث بعد الموت دون لفظ: فإنها مؤمنة من طريق ابن شهاب في الثانية.
وفي رواية لابن الجارود بلفظ: أتشهدين أن لا إله إلا الله؟ قالت: نعم، قال: أتشهدين أني رسول الله؟ قالت: نعم، قال: أتوقنين بالبعث بعد الموت؟ قالت نعم، قال: اعتقها فإنها مؤمنة. وهي رواية صحيحة.:
وفي رواية لأبى داود في سننه: باب: تشميت العاطس في الصلاة، وباب: في الرقبة المؤمنة ، من طريق يزيد بن هارون قال أخبرني المسعودي عن عون بن عبد الله عن عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم بجارية سوداء فقال: يا رسول الله إن عليَّ رقبة مؤمنة، فقال لها: أين الله؟ فأشارت إلى السماء بإصبعها، فقال لها: من أنا؟ فأشارت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإلى السماء، يعني أنت رسول الله.
وفي لفظ من طريق الحجاج بن الصواف قالت في السماء.. وفي رواية لأحمد أنها أشارت إلى السماء بإصبعها السبابة، وفي رواية لعبد الرزاق في مصنفه باب ما يجوز من الرقاب بلفظ: أين ربك؟ فأشارت إلى السماء.
وبلفظ: أتشهدين أن لا إله إلا لله؟ قالت نعم. كذا روى الدارمي في السنن بلفظ: أتشهدين من حديث الشريد قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت إن على أمي رقبة وإن عندي جارية سوداء...الحديث.
وقد جاءت رواية: أيـن الله التي رواها عطاء بن يسار بلفظ ءاخر من طريق سعيد بن زيد عن توبة العنبري عن عطاء بن يسار قال حدثني صاحب الجارية وهي بلفظ: فمد النبي يده إليها مستفهما من في السمـاء؟ قالت الله... الحديث.
أي دون أن يقول لها لفظ أين الله الذي يتشبث به القائلون بالجهة لإثباتهم الحيز والجهة لله. وأوردها الذهبي أي رواية سعيد بن زيد في كتاب العلو وذكر سندها المزي في تحفة الأشراف , أي دون أن يقول لها أين الله وهذا اللفظ غير مذكور في هذه الرواية الثانية
وقد سعى الالباني سعيا مكشوفا أن يضعف هذه الرواية رواية سعيد بن زيد الذي هو من رجال مسلم , وذلك لينفي الاضطراب عن رواية أين الله , فقد قال متناقض العصر ومقلب الصحف والاوراق ومحدث الكتب الذي لا يحفظ ولا صحيح مسلم فضلا عن صحيح البخاري , قال في معرض رده على المحدث العلامة محمد زاهد الكوثري صديق شيخنا الحافظ عبد الله بن محمد بن الصديق الغماري , قال: وأنت إذا تذكرت ما بيناه لك من صحة الحديث , وإذا علمت أن حديث عطاء عن صاحب الجارية نفسه لا يصح من قبل إسناده لأنه من رواية سعيد بن زيد , فهو وإن كان في نفسه صدوقا فليس قوي الحفظ , ولذلك ضعفه جمع , بل كان يحيى بن سعيد يضعفه جدا وقد أشار الحافظ في التقريب إلى هذا فقال : صدوق له أوهام , زد على هذا أن ما جاء في روايته من ذكر اليد والاستفهام هو مما تفرد به دون كل من روى هذا الحديث من الرواة الحفاظ ومن دونهم فتفرده بذلك يعده أهل العلم بالحديث منكرا بلا ريب انتهى من مختصر العلو .
والجواب في رده هو أن سعيد بن زيد من رجال مسلم وهو ثقة وما قيل فيه لا يخرجه عن كونه ثقة محتج به هذا من جهة , ومن جهة أخرى فقد حسن هذا المتناقض حديثا فيه سعيد بن زيد , كما في إرواء الغليل له , 5-338 قال " قلت وهذا إسناد حسن , رجاله كلهم ثقات , وفي سعيد بن زيد -وهو أخو حماد – كلام لا ينزل به حديثه عن رتبة الحسن إن شاء الله تعالى , وقال ابن القيم في الفروسية 20 وهو حديث جيد الإسناد " انتهى .
وبهذا الكلام يعلم مبلغ تناقض هذا المحدث المزعوم وتلاعبه تماشيا مع أهوائه , وسعيد بن زيد بن درهم الازدي هذا قال عباس الدوري عن يحيى بن معين ثقة وابن سعد والعجلي ثقة , ووثقه سليمان بن حرب كما قال أبو زرعة عنه , وقال عنه البخاري والدارمي صدوق حافظ وهو ثقة عند مسلم أيضا , وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه ليس به بأس , وقال ابن عدي هو عندي من جملة من ينسب إلى الصدق وقال النسائي ليس بالقوي , قلت فهو عند التحقيق حسن الحديث.

ثم اعلم أن من روى حديث الجارية وهو عطاء وهو الذي روي عنه حديث معاوية بن الحكم السلمي بلفظ " أين الله " فقد روي عنه بلفظ آخر أصح منه وبسند صحيح لو قلنا بصحة حديث الجارية فقد روي بلفظ أتشهدين أن لا إله إلا الله , كما في مصنف عبد الرزاق 9-175 , وتقدم عنه بلفظ أين الله , وبلفظ الاستفهام , وقد ورد عنه بثلاثة ألفاظ , وهذا ما يقرر أن الاضطراب واقع فيه أي المتن , وأنه من تصرف الرواة وقد فعلت الرواية بالمعنى وقد نبه على ذلك العلامة الكوثري أيضا في تعليقه على الاسماء والصفات للبيهقي رحمه الله تبعا للبيهقي وغيره وهذا التنبيه في محله على ما هو مقرر في قواعد المصطلح .
وقد قدمنا أن الامام مالك رواه بسند عال عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن رجلا من الأنصار جاء إلى رسول الله بجارية له سوداء الحديث بلفظ أتشهدين أن لا إله إلا الله ؟ قالت نعم قال أتشهدين أن محمدا رسول الله ؟ قالت نعم . قال أتوقنين بالبعث بعد الموت ؟ قالت نعم فقال رسول الله صلى الله : " أعتقها " . ورواه عبد الزاق في المصنف قال أخبرنا معمر عن الزهري عن عبيد الله عن رجل من الأنصار به ومن طريق رواه الإمام أحمد في المسند كما رواه غيرهم كذلك . قال الحافظ ابن حجر في التقريب عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود " ثقة فقيه ثبت " ولا يعرف بتدليس , وعنعنته محمولة على السماع وقد قال : " عن رجل من الانصار "
قال الحافظ ابن كثير في تفسيره 1-547 إسناد صحيح وجهالة الصحابي لا تضره " وقال الحافظ ابن عبد البر في التمهيد " ظاهره الارسال لكنه محمول على الاتصال للقاء عبيد الله جماعة من الصحابة , وقال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد 1-23 رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح . انتهى ونزيد في البيان والإيضاح فنقول بأن للفظ أتشهدين شواهد كثيرة , منها ما رواه الدارمي في السنن قال أخبرنا أبو الوليد الطيالسي ثنا حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة ( وهذا الاسناد بعينه حكم عليه الالباني في صحيح أبي داود بالصحة , وقال " حسن صحيح " فتنبه ) عن الشريد قال الحديث وفيه أتشهدين أن لا إله إلا الله ؟ فقالت نعم قال " أعتقها فإنها مؤمنة " .
وعند البزار كما في كشف الاستار وعند الطبراني من طريق سيدنا ابن عباس بلفظ أتشهدين أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ؟ قالت نعم قال : فأعتقها . وقد مر .
كما أن الحديث ورد بلفظ من ربك وهي رواية صحيحة الإسناد أيضًا من طريق الشريد بن سويد وهي عند ابن حبان وعند النسائي في الكبرى والصغرى من السنن وعند أحمد والطبراني والبيهقي كلهم من طريق حماد عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن الشريد, ورواه من طريق زياد بن الربيع عن ابن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن الشريد, رواه ابن خزيمة في كتابه التوحيد وعند الطبراني في الأوسط من حديث أبي هريرة بلفظ من ربك, قال الحافظ الهيثمي في مجمع البحرين في زوائد المعجمين 1-24 ورجاله موثقون .

فصل في بيان ما يصح به الإسلام وما يقبل به:

اعلم أن الكافر الذي يريد الدخول في الإسلام لا بد له من الإتيان بلفظ الشهادتين, بلفظ أشهد أو ما يعطي معناهما, كقوله لا إله إلا الله محمد رسول الله, أو أبو القاسم نبي الله أو رسول الله.
أما مجرد أن يقول الكافر المريد الدخول في الإسلام "الله في السماء" فلا يكفي ولا يكون مسلمًا.
فقد روى البخاري في صحيحه: في باب كيف يعرض الإسلام على الصبي من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لابن صياد " أتشهد أني رسول الله " ؟ .
وروى البخاري عن أن أنس بن مالك عن أبي هريرة وكذلك الامام مسلم في الصحيح عن أبي هريرة وجابر وعبد الله بن عمر وعبادة بن الصامت رضي الله عنهم أجمعين, قالوا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله" الحديث قال الحافظ السيوطي في الجامع الصغير بعد ذكره للحديث "وهو متواتر" . وزاد المناوي في شرح الجامع فقال "وهو متواتر لأنه رواه خمسة عشر صحابيًا" وفي كتاب نظم المتناثر للعلامة الكتاني ما نصه: "وفي شرح الإحياء – للمحدث الحافظ الزبيدي – رواه ستة عشر من الصحابة كما قاله العراقي. انتهى المراد منه.
وفي صحيح الامام مسلم من حديث ابن عباس أن معاذا قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله الحديث, وفي صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى أبا هريرة نعليه وقال "اذهب بنعلي هاتين فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنـًا بها قلبه فبشره بالجنة الحديث
وفي الباب أحاديث كثيرة تقرر هذا الذي بيناه, ولله الحمد.
قال الشيخ محمد زاهد الكوثري في تعليقه على السيف الصقيل في الرد على ابن زفيل عند ذكر حديث الجارية ما نصه: وراوي هذا الحديث عن ابن الحكم هو عطاء بن يسار وقـد اختلفت ألفاظه فيه ففي لفظ له: فمد النبي صلى الله عليه وسلم يده إليها وأشار إليها مستفهمًا مَن في السماء ... الحديث، فتكون المحادثة بالإشارة على أن اللفظ يكون ضائعًا مع الخرساء الصماء فيكون اللفظ الذي أشار إليه الناظم والمؤلف لفظ أحد الرواة على حسب فهمه لا لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم ومثل هذا الحديث يصح الأخذ به فيما يتعلق بالعمل دون الاعتقاد حيث اشتمل على تشميت العاطس في الصلاة ومنع النـبي صـلى الله عليه وسلم عن ذلك ولم يخرجه البخاري في صحيحه وأخرج في جزء خلق الأفعال ما يتعلق بتشميت العاطس من هذا الحديث مقتصرًا عليه دون ما يتعلق بكون الله في السماء وبدون أي إشارة إلى أنه اختصر الحديث.اهـ
وقال الإمام النووي في شرحه على مسلم ما نصه: قوله صلى الله عليه وسلم: أين الله؟ قالـت في السماء، قال: من أنا قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة هذا الحديث من أحاديث الصفات وفيها مذهبان:ـ
أحدهما: الإيمان به من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شئ وتنـزيهه عن سمات المخلوقات.
والثاني: تأويله بما يليق به، فمن قال بهذا قال: كان المراد امتحانها هل هي موحدة تـقر بأن الخالق المدبر الفعال هو الله وحده وهو الذي إذا دعاه الداعي استقبل السماء كما إذا صلى المصلي استقبل الكعبة، وليس ذلك لأنه منحصر في السماء كما أنه ليس منحصرا في جهة الكعبة بل ذلك لأن السماء قبلة الداعين كما أن الكعبة قبلة المصلين.اهـ
وقال العلامة أبو العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم القرطبي في كتابه المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ما نصه: وقوله صلى الله عليه وسلم للجارية أين الله هذا السؤال من النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يُظهر منها ما يدلُ على أنها ليست ممن يعبُدُ الأصنام ولا الحجارة التي في الأرض، فأجابت بذلك وكأنها قالت إن الله ليس من جنس ما يكون في الأرض. وأين ظرف يسأل به عن المكان كما أن متى ظرف يُسأل به عن الزمان وهو مبنيٌ لما تضمنه من حرف الاستفهام وحُرّك لالتقاء الساكنين وخُصَّ بالفتح تخفيفا وهو خبرُ المبتدأ الواقع بعده وهو لا يصحُّ إطلاقه على الله تعالى بالحقيقة إذ الله تعالى منـزه عن المكان كما هو منـزه عن الزمان بل هو خالق الزمان والمكان ولم يـزل موجودا ولا زمان ولا مكان وهو الآن على ما عليه كان.
ولو كان قابلا للمكان لكان مُختصا به ويحتاج إلى مخصص ولكان فيه إما متحركا وإما ساكنا وهما أمران حادثان وما يتصف بالحوادث حادث على ما يُبسط القول فيه في علم الكلام ولَمَا صَدَقَ قوله تعالى: {ليس كمثله شئ} إذ كانت تماثله الكائنات في أحكامها والممكنات في إمكانها وإذا ثبت ذلك ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أطلقه على الله بالتوسُّع والمجاز.
وقال أيضا: وقيل في تأويل هذا الحديث: إن النبي صلى الله عليه وسلم سألها بأين عن الرتبة المعنوية التي هي راجعة إلى جلاله تعالى وعظمته التي بها باين كلَّ مَن نُسبت إليه الإلهية وهذا كما يقال: أين الثريا من الثرا ؟! والبصر من العمى؟! أي بعُدَ ما بينهما واختصت الثريا والبصر بالشرف والرفعة على هذا يكون قولها في السماء أي في غاية العلو والرفعة وهذا كما يقال: فلان في السماء ومناط الثريا. وهذا كما قال:
وإن بني عَوفٍ كما قد علمتم ~~ مناطُ الثُريّا قد تعالت نُجومها
أقول هذا والله ورسوله أعلم؛ والتسليم أسلم.اهـ
وقال الرازي أيضا في كتابه أساس التقديس: إن لفظ أين كما يجعل سؤالا عن المكان فقد يجعل سؤالا عن المنـزلة والدرجة يقال أين فلان من فلان فلعل السؤال كان عن المنـزلة وأشار بها إلى السماء أي هو رفيع القدر جدا.اهـ
وصفوة القول أن المتشابهات لا تؤخذ بظواهرها، وللعلماء فيها مسلكان فالسلف منهم يؤولونها تأويلا إجماليا بالإيمان بها واعتقاد أن لها معنى يليق بجلال الله وعظمته ولم يعينوا ذلك المعنى بل فوضوه إلى الله تعالى وتبارك. والخلف يؤولونها تفصيلا بتعيين معانيها بما تفهمه لغة العرب ويصرفونها عن ظاهرها أيضا كالسلف
ثم إن حديث الجارية قد حكم غير واحد بضعفه قال الحافظ البيهقي في كتابه الأسماء والصفات بعد أن ذكر الحديث بلفظ: أين الله؟ وهـذا صحيح قد أخرجه مسلم مقطعا من حديث الأوزاعي وحجاج الصواف عن يحيى ابن أبي كثير دون قصة الجارية وأظنه إنما تركها من الحديث لاختلاف الرواة في لفظه وقد ذكرت في كتاب الظهار مـن السنن مخالفة من خالف معاوية بن الحكم في لفظ الحديث.اهـ
وكلام البيهقي هذا فيه الرد الشافي على ما ادعاه ناصر الدين الألباني حيث بتر كلام البيهقي وقلبه رأسا على عقب في تعليقه على كتاب مختصر العلو للذهبي حيث قال: والبيهقي في الأسماء والصفات قال عقبه وهذا صحيح قد أخرجه مسلم. ليوهم القارئ أن البيهقي صحح حديث الجارية بلفظ أين الله
والبيهقي كما ترون من كلامه يُصرح بأن قصة الجارية اختلف الرواة في ألفاظها وهذا إشارة منه إلى اضطراب الحديث بقولـه: وأظنه إنما تركها من الحديث لاختلاف الرواة في لفظه وقد ذكرت في كتاب الظهار مـن السنن مخالفة من خالف معاوية بن الحكم في لفظ الحديث. وقال الشيخ محمـد زاهـد الكوثري في تعليقه على الأسماء والصفات: وقصة الجارية مذكورة فيما بأيدينا من نسخ مسلم لعلها زيدت فيما بعد إتماما للحديث أو كانت نسخة المصنف ناقصة وقد أشار المصنف ـ أي البيهقي ـ إلى اضطراب الحديث بقوله: وقد ذكرت في كتاب الظهار مخالفة من خالف معاوية بن الحكم في لفظ الحديث.اهـ
وقد أشار الحافظ ابن حجر أيضا في كتابه التلخيص الحبير بعد أن ذكر روايات الـحديـث إلى اضطرابه بقوله: وفي اللفظ مخالفة كثيرة. وكذلك أشار الإمام البزار إلى اضطراب الـحديث أيضا في مسنده فقال بعد أن روى الحديث: وهذا قد روي نحوه بألفاظ مختلفة.
وقد قال شيخنا المحدث عبد الله بن محمد بن الصديق الغماري في تعليقه على كتاب التمهيد لابن عبد البر عن لفظ: أين الله ما نصه: رواه مسلم وأبو داود والنسائي وقد تصرف الرواة في ألفاظه فروي بهذا اللفظ كما هنا وبلفظ: من ربك؟ قالت: الله ربي، وبلفظ: أتشهدين أن لا إله إلا الله؟ قالت نعم، وقد استوعب تلك الألفاظ بأسانيدها الحافظ البيهقي في السنن الكبرى بـحيـث يجزم الواقف عليها أن اللفظ المذكور هنا مروي بالمعنى حسب فهم الراوي.اهـ
وأما الحديـث المضطرب هو ما روي من وجوه مختلفة فقد قال الحافظ النووي في التقريب معرفا للحديث المضطرب ما نصه: المضطرب هو الذي يُروى على أوجه مختلفة متقاربة فإن رجحت إحدى الروايتين بحفظ راويها أو كثرة صحبته للمروي عنه أو غير ذلك فالحكم للراجحة ولا يكون مضطربا والاضطراب يوجب ضعف الحديث لإشعاره بعدم الضبط ويقع في الإسناد تارة وفي المتن أخرى وفيهما من راو أو جماعة. اهـ وقال الحافظ ابن دقيق العيد في الاقتراح: المضطرب هو ما روي من وجوه مختلفة وهو أحد أسباب التعليل عندهم وموجبات الضعف للحديث.اهـ
وقال ابن الصلاح في علوم الحديث: المضطرب من الحديث هو الذي تختلف الرواية فيه فيرويه بعضهم على وجه وبعضهم على وجه ءاخر مخالف له وإنما نسميه مضطربا إذا تساوت الروايتان أما إذا ترجحت إحداهما بحيث لا تقاومها الأخرى بأن يكون راويها أحفظ أو أكثر صحبة للمروي عنه أو غير ذلك من وجوه الترجيحات المعتمدة فالحكم للراجحة ولا يطلق عليه حينئذ وصف المضطرب ولا له حكمه، ثم قد يقع الاضطراب في متن الحديث وقد يقع في الاسناد وقد يقع من راو واحد وقد يقع بين رواة له جماعة. والاضطراب موجب ضعف الحديث لإشعاره بأنه لم يضبط.اهـ
فقد ثبت بحسب قواعد مصطلح الحديث وتصريحات بعض أهل الحديث اضطراب متن حديث الجارية الذي في مسلم وغيره بلفظ: أين الله وهي رواية ضعيفة وأن الرواية الصحيحة رواية ابن الجارود التي جاء فيها: أتشهدين أن لا إله إلا الله قالت: نعم، قال: أتشـهدين أني رسول الله قالت: نعم، قال: أتؤمنين بالبعث بعد الموت قالت: نعم، قال: أعتقها.
وهذا معناه أنها كانت تشهد وتعترف بالشهادتين بدليل الاقرار وكانت بين قوم مسلمين ويدل على ما تقدم الإجماع على أنه لا يحكم لمن قال الله في السماء بالدخول في الإسلام والحديث المتواتر: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله.
وأما من قال بصحة حديث الجارية فإنهم حملوا لفظة: أين الله على أنه سؤال عن المكانة والمنـزلة أي أين مكانة الله عندك فأشارت إلى السماء أو قالت في السماء أي رفيع القدر والمنـزلة. فحديث الجارية عند المؤولين من المتشابه ففيه التشابه من وجهين أحدهما قولها في السماء وهذا تأويله كما في قوله تعالى: {ءأمنتم من في السماء} فمعنى قولها في السماء العلو والارتفاع وأنه تعالى منـزه عن صفات الحوادث،و الوجه الثاني: قولـه صلى الله عليه وسلم لها: أين الله؟ فإن الله سبحانه وتعالى لا يُسأل عنه بأين فقد قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في الفتح: فإن إدراك العقول لأسرار الربوبية قاصر فلا يتوجه على حكمه لِمَ ولا كيف كما لا يتوجه عليه في وجوده أين وحيث.
قال الحافظ أبو سليمان الخطابي في شرحه على أبي داود ما نصه: وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم: أعتقها فإنها مؤمنة ولم يكن ظهر لـه من إيمانها أكثر من قولـه حين سألها أيـن الله فقالت: في السماء وسألها من أنا فقالت رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن هذا السؤال عن أمارة الإيمان وسمة أهله وليس بسؤال عن أصل الإيمان وصفة حقيقته ولو أن كافرا يريد الانتقال من الكفر إلى دين الإسلام فوصف من الإيمان هذا القدر الذي تكلمت به الجارية لم يصر به مسلما حتى يشهد أن لا إلـه إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم ويـتـبرى من دينه الذي كان يعتقده، وإنما هذا كرجل وامرأة يوجدان في بيت فيقال للرجل من هذه منك فيقول زوجتي وتصدقه المرأة فإنا نصدقهما في قولهما ولا نكشف عن أمرهما ولا نطالبهما بشرائط عقد الزوجية حتى إذا جاءانا وهما أجنبيان يريدان ابتداء عقد النكاح بينهما فإنا نطالبهما حينئذ بشرائط عقد الزوجية من إحضار الولي والشهود وتسمية المهر كذلك الكافر إذا عرض عليه الإسلام لم يقتصر منه على أن يقول إني مسلم حتى يصف الإيمان بكماله وشرائطه وإذا جاءنا من نجهل حاله بالكفر والإيمان فقال إني مسلم قبلناه وكذلك إذا رأينا عليه أمارة المسلمين من هيئة وشارة ونحوهما حكمنا بإسلامه إلى أن يظهر لنا منه خلاف ذلك.اهـ
ولأبي القاسم السهيلي على هذا الحديث كلام نفيس ومن كلامه فيما نقله الشيخ محمد الشنقيطي في كتابه استحالة المعية بالذات ما نصه: السؤال بأين ينقسم إلى ثلاثة أقسام اثنان جائزان وواحد لا يجوز:ـ
الأول: على جهة الاختبار للمسؤول ليعرف مكانه من العلم والإيمان كسؤاله عليه الصلاة والسلام للأمة.
والثاني: السؤال عن مستقر ملكوت الله تعالى وموضع سلطانه كعرشه وكرسيه وملائكته.
والثالث: السؤال بأين عن ذات الرب سبحانه وتعالى وهذا سؤال فاسد لا يجوز ولا يجاب عنه سائله، وإنما سبيل المسؤول عنه أن يبين له فساد سؤاله كما قال سيدنا علي كرم الله تعالى وجهه ورضي عنه حين سئل: أين الله؟ فقال: الذي أين الأين لا يقال فيه أيـن. كما ذكره عنه في التبصير فبين للسائل فساد سؤاله بأن الأينية مخلوقة والذي خلقها لا محالة قد كان قبل أن يخلقها ولا أينية له وصفات نفسه لا تتغير فهو بعد أن خلق الأينية على ما كان قبل أن يخلقها، وإنما مثل هذا السائل كمن سأل عن لون العلم أو طعم الظن أو الشك فيقال له من عرف حقيقة العلم أو الظن ثم سأل هذا السؤال فهو متناقض لأن اللون والطعم من صفات الأجسام وقد سألت عن غير جسم فسؤالك فاسد محال لتناقضه.اهـ وقال الرازي في أساس التقديس : وأما الخبر الثالث : فجوابه أن لفظ أين كما يجعل سؤالا عن المكان فقد يجعل سؤالا عن المنزلة والدرجة .
وفي كتاب إشارات المرام للإمام البياضي الحنفي ممزوجا بالمتن: ولا يتطرق إليه سمات الـحدوث والفناء كما أشار إليه بقوله فيه [وعليه] أي يُخرّج على أنه يدعى من أعلى ويوصف بنعوت الجلال وصفات الكبرياء [ما روي في الحديث أن رجلا] وهو عمرو بن الشريد كما رواه أبو هريرة وعبد الله بن رواحة كما بيّنه الإمام في مسنده بتخريج الحارثي وطلحة والبلخي والخوارزمي [أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأمة سوداء فقال: وجب علي عتق رقبة مؤمنة] قال: إن أمي هلكت وأمرت أن أعتق عنها رقبة مؤمنة ولا أملك إلا هذه وهي جارية سوداء أعجمية لا تدري ما الصلاة أفتجزيني هذه؟ عما لزم بالوصية كما في مصنف الحافظ عبد الرزاق وليس في الروايات الصحيحة أنها كانت خرساء كما قيل [فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: أمؤمنة أنت؟ قالت نعم، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أين الله؟] سائلا عن المنزلة والعلو على العباد علوّ القهر والغلبة، ومشيرا أنه إذا دعاه العباد استقبلوا السماء دون ظاهره من الجهة، لكن لما كان التنـزيه عن الجهة مما يقصر عنه عقول العامة فضلا عن النساء حتى يكاد يجزم بنفي ما ليس في الجهة، كان الأقرب إلى إصلاحهم والأليق بدعوتهم إلى الحق ما يكون ظاهرا في الجهة كما في شرح المقاصد، [فأشارت إلى السماء] إشارة إلى أعلى المنازل كما يقال فلان في السماء أي رفيع القدر جدا كما في التقديس للرازي [فقال: أعتقها فإنها مؤمنة]. ثم قال: [فأشار إلى الجواب بأن السؤال والتقرير لا يدلان على المكان بالجهة لمنع البراهين اليقينية عن حقيقة الأينية]. ثم قال البياضي:ـ
الرابعة: أنه عليه الصلاة والسلام أراد امتحانها هل تُقرُّ بأن الخالق الفعال المتعالي هو الله الذي إذا دعاه الداعي استقبل السماء كما دل السؤال والتقرير كما في شرح مسلم للنووي، وإليه أشار بترتيب التخريج أنه يدعى من أعلى لا من أسفل.
الخامسة: أنها كانت أعجمية لا تقدر أن تفصح عما في ضميرها من اعتقاد التوحيد بالعبارة فتعرف بالإشارة أن معبودها إله السماء فإنهم كانوا يسمون الله إله السماء كما دل السؤال، والاكتفاء بتلك الإشارة كما في الكفاية لنور الدين البخاري.اهـ
وفي كتاب إكمال المعلم شرح صحيح مسلم للإمام محمد بن خليفة الأُبي ما نصه: وقيل إنما سألها بأين عما تعتقده من عظمة الله تعالى، وإشارتها إلى السماء إخبار عن جلاله في نفسها، فقد قال القاضي عياض لم يختلف المسلمون في تأويل ما يوهم أنه تعالى في السماء كقوله تعالى: {ءأمنتم من في السماء}.اهـ
ومثله في كتاب مكمل إكمال الإكمال شرح صحيح مسلم للإمام محمد السنوسي الحسني المالكي
وفي كتاب استحالة المعية بالذات وما يضاهيها من متشابه الصفات للشيخ المحدث محمد الشنقيطي ما نصه: وقال الامام المازري المالكي: وقيل وقع السؤال لها بأين لأجل أنه صلى الله عليه وسلم أراد السؤال عما تعتقده من جلالة البارئ وعظمته جل وعلا، فأشارت إلى السمـاء إخباراً عن جلالته سبحانه وتعالى في نفسها، لأنها قبلة الداعين كما أن الكعبة قبلة المصلين.اهـ
وقال الإمام أبو بكر بن فورك في مشكل الحديث وبيانه : إن معنى قوله صلى الله عليه وسلم: أين الله؟ استعلام لمنـزلته وقدره عندها وفي قلبها وأشارت إلى السماء فدلت بإشارتها على أنه في السماء عندها على قول القائل إذا أراد أن يخبر عن رفعة وعلو منـزلة فلان في السماء أي هو رفيع الشأن عظيم القدر كذلك قولها في السماء على طريق الإشارة إليها تنبيها عـن مكانته في قلبها ومعرفتها به وإنما أشارت إلى السماء لأنها كانت خرساء فدلت بإشارتها على مثل دلالة العبارة على نحو هذا المعنى وإذا كان كذلك لم يجز أن يحمل على غيره مما يقتضي الحد والتشبيه والتمكين في المكان والتكييف.اهـ
وقال القاضي أبو بكر بن العربي المالكي في شرح جامع الترمذي: أين الله؟ والمراد بالسؤال بها عنه تعالى المكانة فإن المكان يستحيل عليه.اهـ
وقال الحافظ ابن الجوزي الحنبلي في دفع شبه التشبيه بعد رواية حديث معاوية بن الحكم: قلت قد ثبت عند العلماء أن الله تعالى لا يحويه السماء والأرض ولا تضمه الأقطار وإنما عرف بإشارتها تعظيم الخالق عندها.اهـ
وقال القاضي الحافظ الباجي المالكي: لعلها تريد وصفه بالعلو وبذلك يوصف كل من شأنه العلو فيقال فلان في السماء بمعنى علو حاله ورفعته وشرفه.اهـ
وقال البيضاوي: لم يرد به السؤال عن مكانه فإنه منزه عنه والرسول أعلى من أن يسأل ذلك.اهـ
وقال الإمام تقي الدين السبكي الشافعي في رده على نونية ابن قيم الجوزية الحنبلي المسمى بالسيف الصقيل: أما القول فقوله صلى الله عليه وسلم للجارية: أين الله؟ قالت في السماء وقد تكلم الناس عليه قديما وحديثا والكلام عليه معروف ولا يقبله ذهن هذا الرجل لأنه مشَّاء على بدعة لا يقبل غيرها.اهـ
قال الفخر الرازي الشافعي: وأما عدم صحة الاحتجاج بحديث الجارية في إثبات المكان له تعالى فللبراهين القائمة في تنـزه الله سبحانه عن المكان والمكانيات والزمان والزمانيات، قال الله تعالى: {قل لمن ما في السموات والأرض قل لله} [الأنعام:12] وهذا مشعر بأن المكان وكل ما فيه ملك لله تعالى، وقال تعالى: {وله ما سكن في الليل والنهار} [الأنعام:13] وذلك يدل على أن الزمان وكل ما فيه ملك لله تعالى فهاتان الآيتان تدلان على أن المكان والمكانيات والزمان والزمانيات كلها ملك لله تعالى وذلك يدل على تنـزيه الله سبحانه عن المكان والزمان.اهـ
وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر الأنصاري الخزرجي الأندلسي القرطبي المالكي المفسر في كتاب التذكار في أفضل الأذكار: لأن كل من في السموات والأرض وما فيهما خلق الله تعالى وملك له وإذا كان كذلك يستحيل على الله أن يكون في السماء أو في الأرض إذ لو كان في شىء لكان محصورا أو محدودا ولو كان كذلك لكان محدثا وهذا مذهب أهل الحق والتحقيق وعلى هذه القاعدة قوله تعالى: {ءأمنتم من في السماء} وقوله عليه السلام للجارية: أين الله؟ قالت في السماء، ولم يُنكر عليها وما كان مثله ليس على ظاهره بل هو مؤول تأويلات صحيحة قد أبداها كثير من أهل العلم في كتبهم. ا هـ
وقال العلامة ملا علي القاري الحنفي في كتابه مرقاة المفاتيح : ( فقال لها ) أي : للجارية ( رسول الله ) ( أين الله *؟ وفي رواية أين ربك ؟ أي : أين مكان حكمه وأمره وظهور ملكه وقدرته ( فقالت : في السماء ) . قال القاضي : هو على معنى الذي جاء أمره ونهيه من قبل السماء لم يرد به السؤال عن المكان , فانه منزه عنه كما هو منزه عن الزمان . وقال أيضا : فقال لها أين الله * أي أين المعبود المستحق الموصوف بصفات الكمال .
ونحوه ذكر الطيبي في شرح مشكاة المصابيح .
وقد قال الحافظ محمد بن علي بن طولون في "الاربعون في فضل الرحمة والراحمين "وبسنده إلى النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: "الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا أهل الأرض يرحمكم أهل السماء وفي رواية ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء "، ورواه بلفظ يرحمكم أهل السماء , الإمام عبد الله بن المبارك في مسنده والحافظ والحميدي في مسنده و الحافظ العراقي في اماليِّهِ بلفظ "يرحمكم أهل السماء .واعلم أنه لا يجوز ان يقال عن الله أهل السماء فتحمل رواية الترمذي في جامعه "يرحمكم من في السماء "على معنى الملائكة بدليل ما رواه أبو داود عن عبد الله بن مسعود مرفوعاً: "إذا تكلّم الله بالوحي سمع أهل السماء للسماء صلصلة كجرّ السلسلة على الصفا". وعند الطبراني من حديث النواس بن سمعان مرفوعا: "إذا تكلم الله بالوحي أخذت السماء رجفة شديدة من خوف الله فإذا سمع بذلك أهل السماء....الحديث وعند ابن مردويه من حديث ابن مسعود: "إذا تكلم الله بالوحي يسمع أهل السموات صلصلة كصلصلة السلسلة على الصفوان....الحديث. وهو في الاسماء والصفات للبيهقي وخلق أفعال العباد للبخاري .
ومما هو معروف في النحو افراد ضمير الجمع قال الله تعالى ومنهم من يستمع اليك "سورة الانعام وقوله تعالى ومنهم من يستمعون اليك "سورة يونس وقوله تعالى ومنهم من ينظر اليك "سورة يونس 43. وكذلك يحمل قوله تعالى " أأمنتم من في السماء ان يخسف بكم الأرض "على الملائكة أو جبريل كما قال ابن عطية في تفسيره والرازي في تفسيره وابو حيان في تفسيره البحر والقرطبي في تفسيره الجامع والنسفي في تفسيره وغيرهم .
وفي قوله تعالى: ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا ما شاء الله "وقوله تعالى: {يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب} رد على مزاعمهم باثبات ان الله متحيز في السماء أو انه مستقر فيها . قلت وفي سند رواية " أين الله " هلال بن أبي ميمونة , قال الحافظ المزي في تهذيب الكمال " قال أبو حاتم : شيخ يكتب حديثه . وقال النسائي : ليس به بأس .قلت وهذا اللفظ ليس به بأس من أدنى مراتب التعديل , وقول أبي حاتم شيخ يكتب حديثه في اصطلاحه لمن كان فيه ضعف كما قال الذهبي ذلك , وعليه يكون حديث هلال هذا حسنا وليس صحيحا على حسب القواعد المقررة
فرواية هلال ابن أبي ميمونة عن عطاء بن يسار عن معاوية بن الحكم السلمي إسنادها حسن إلا أن المتن مضطرب من هذا الطريق أيضا . وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يدل دلالة واضحة في نفي المكان والجهة عن الله تعالى وذلك فيما رواه البخاري في صحيحه وابن الجارود في المنتقى والبيهقي من حديث عمران بن الحصين رضي الله عنه قال: اتى اناس من أهل اليمن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله جئناك لنتفقه في الدين فانبئنا عن بدء هذا الأمر ما كان قال: كان الله ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء ".
وفي رواية ابن الجارود واخرى للبخاري "عن أول هذا الأمر ما كان "انظر فتح الباري ج 13/ ص 420، فقوله صلى الله عليه وسلم "كان الله "اي لم يزل موجودا في الازل ليس معه غيره وقوله عليه الصلاة والسلام "وكان عرشه على الماء "اي حدث عرشه على الماء وفي الحديث ان الماء والعرش أول خلق الله وأولهما وجودا الماء، فالماء اصل لكل شيء والماء خلق من غير اصل، قال الطيبي: لفظة "كان "في الموضعين بحسب حال مدخولها، فالمراد بالاولى الازلية والقدم وبالثاني الحدوث بعد العدم وقاله الحافظ ايضا وقال الراغب: "كان "عبارة عما مضى من الزمان لكنها في كثير من وصف الله تعالى تنبىء عن معنى الازلية كقوله تعالى: (وكان الله بكل شيء عليما). قال الحافظ السيوطي في معترك الأقران وتأتي "أي كان"بمعنى الدوام والاستمرار نحو {وكان الله غفورا رحيما}.
{وكنا بكل شيء عالمين} أي لم نزل كذلك. وعلى هذا المعنى تتخرج جميع الصفات الذاتية المقترنة بكان.
قال أبو بكر الرازي: كان في القرآن على خمسة أوجه: بمعنى الأزل والأبد، كقوله:{وكان الله عليما حكيما}.اهـ2/245.
قال الحافظ ابن حجر في الفتح 13/421، واستدل به على ان العالم حادث لان قوله "ولم يكن شيء غيره "ظاهر في ذلك فان كل شيء سوى الله وجد بعد ان لم يكن موجودا. وقال الحافظ ابن حجر 13/416 قوله "باب وكان عرشه على الماء وهو رب العرش العظيم " كذا ذكر قطعتين من آيتين، وتلطف في ذكر الثانية عقب الاولى برد من توهم من قوله في الحديث "كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء "ان العرش لم يزل مع الله تعالى وهو مذهب باطل "اهـ
وقد روى ابن حبان وابن ماجه من حديث أبي هريرة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: " كل شيء خلق من الماء " وعند ابن حبان قال: ان الله تعالى خلق كل شيء من الماء وفي هذه الاحاديث ابين البيان واوضح برهان بأن الماء اصل كل شيء ولم يكن للعرش العظيم وجود قبل الماء لا بالجنس ولا بالنوع كما زعم في الثاني أحمد ابن تيمية الحراني وهو قول باطل .
قال الزجاج المتوفى 311 هجري والعلامة اللغوي أبو القاسم الزجاجي في كتابه اشتقاق أسماء الله قال والعلي والعالي ايضا القاهر الغالب للاشياء فقول العرب علا فلان فلانا أي غلبه وقهره كما قال الشاعر فلما علونا واستوينا عليهم تركناهم صرعى لنسر وكاسر يعني غلبناهم وقهرناهم واستولينا عليهم انتهى وقال الإمام أبو اسحق الزجاج المتوفى 311 هـ في كتابه تفسير اسماء الله الحسنى ص 60 في تفسير اسم الله الظاهر "وان اخذته من قول العرب ظهر فلان فوق السطح إذا علا، ومن قول الشاعر، وتلك شكاة ظاهر عنك عارها "
فهو من العلو والله تعالى عال على كل شيء وليس المراد بالعلو ارتفاع المحل لأن الله تعالى يجل عن المحل والمكان وانما العلو علو الشأن وارتفاع السلطان أهـ. وفي كتاب عمدة الحفاظ في تفسير اشرف الالفاظ للشيخ أحمد بن يوسف المعروف بالسمين الحلبي المتوفى 756 هـ 3/304 وقوله: (وهو القاهر فوق عباده) فالفوقية هنا ليست حقيقتها مراده تعالى الله عن الجهة وانما المراد ان قهره وسلطانه وقدرته استعلت على عباده فهم تحت قهره وسلطانه وقال ايضا قال بعضهم فوق تستعمل في المكان والزمان والجسم والعدد والمنزلةوذلك أضرب إلى ان قال السادس بإعتبار القهر والغلبة كقوله تعالى: (وهو القاهر فوق عباده) أهـ
قال المفسر العلامة أبو حيان في البحر المحيط : " وفي قوله " فأينما تولوا فثم وجه الله " رد على من يقول إنه في حيز وجهة , لأنه لما خير في استقبال جميع الجهات , دل على أنه ليس في جهة ولا حيز , ولو كان في حيز لكان استقباله والتوجه إليه أحق من جميع الاماكن , فحيث لم يخصص مكانا علم أنه لا في جهة ولا حيز بل جميع الجهات في ملكه وتحت ملكه .
فأي جهة توجهنا إليه فيها على وجه الخضوع كنا معظمين له ممتثلين لأمره . انتهى . قال محمد صالح عثيمين في شرح العقيدة الواسطية ص 286 : ولكن الصحيح أن المراد بالوجه هنا وجه الله الحقيقي أي إلى أي جهة تتوجهون فثم وجه الله سبحانه وتعالى لأن الله محيط بكل شيء . ولانه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن المصلي إذا قام يصلي فإن الله قبل وجهه , ولهذا نهى أن يبصق أمام وجهه , لان الله قبل وجهه .
وقال قبل ذلك وهو وجه قائم به تبارك وتعالى موصوف بالجلال والاكرام , وهو من الصفات الذاتية الخبرية , ونقل عن ابن تيمية ان معيه الله حقيقية تليق به انتهى . وقال أبو حيان في كلامه عن الاتيان والمجيء , فروى أبو صالح عن ابن عباس : أن هذا من المكتوم الذي لا يفسر , ولم يزل السلف في هذا وأمثاله يؤمنون ويكلون فهم معناه الى علم المتكلم به وهو الله تعالى .
وقال عند ذكر اليد : وقال قوم منهم الشعبي وابن المسيب والثوري نؤمن بها ونقر كما نصت ولا نعين تفسيرها , ولا سبق النظر فيها .

منقول كتبه أبو علي محمود منصور المعروف بالداني.

 

المتواجدون الآن لأول مرة

210 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

إحصائيات

عدد الزيارات
286125