يعتمد الإذن في التربية الصوفية على السند ، فمن لا سند له لا إذن له. إلا أن السند نوعان:

- سند أفقي وهو المعتمد عند عموم الصوفية والذي يعتمد التسلسل التاريخي والزمني في الأخذ عند مشايخ التربية الصوفية حيث يمر عبر سلسلة من المشايخ تلقى بعضهم عن بعض الإذن في التربية الروحية


- السند العمودي وهو الذي يعتمد تسلسل التجليات الصادرة عن الحق سبحانه وتعالى، والتي ينعدم فيها الوجود زمانا و مكانا.

ويعتبر السند العمودي أقوى من السند الأفقي بالنظر إلى أقربيته واختصاره و قوة التدفقات النورانية الصادرة منه . وهذا السند العمودي هو سند الطريقة التجانية التي يعتبر شيخها سيدي أحمد التجاني رضي الله عنه ونفعنا ببركاته الحلقة الأخيرة في هذه السلسلة النورانية العمودية ، لأنه يعتبر ختما للولاية المحمدية كما أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) ختم للنبوة. وهذه الختمية العمودية لا يمكن فهمها إلا من خلال مبدأ التماثل الذي تعرفه التجليات الإلهية . فكما أن الله سبحانه وتعالى تجلى بكماله في مرآة الصورة المحمدية سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم ، فإن الصورة المحمدية انعكست بدورها من حيث نبوتها في مرآة الأنبياء ، ثم من حيث ولايتها في مرآة ختم الولاية المحمدي .
وهذا التماثل أشار إليه الشيخ رضي الله عنه بقوله : " روحي وروحه صلى الله عليه وسلم هكذا " مشيرا بأصبعيه السبابة والوسطى.وهذا المبدأ نفسه (مبدأ التماثل) هو الذي جعل روح الختم المحمدي تنعكس بدورها على روح سيدي علي حرازم فكان خليفة للشيخ في حياته وبعد مماته .

فمشكاة الختم المحمدي تستقبل من حيث أحمديتها أنوار الحقيقة الأحمدية المفاضة على الأنبياء قبل أن تفيضها من حيث محمديتها (ظاهر الختمية) على ذوات الموجودات . ولذلك يستمد مريدو الختم من مشكاة أنوار ختميته بحكم نسبتهم إليه واشتراكهم معه في المرتبة التي يوجد فيها ، من حي مأذون إلى حي مأذون إلى الختم (وهو السند الأفقي داخل الطريقة التجانية)، قبل أن تفاض هذه الأنوار على بقية الأولياء ممن يخضعون للسند الأفقي للولاية.
وبتعبير أوضح فإن جداول الأولياء تصب كلها في نهر الولاية الختمية الذي يصب بدوره في بحر الحقيقة الأحمدية المحمدية .

فالوارث المحمدي بالأصالة هو الختم والورثة المحمديون من العارفين هم ورثة له بالتبعية . وأحيانا قد تتقاطع الولاية ذات السند الأفقي(الولاية العامة ) بالولاية ذات السند العمودي (التجانية) عندما يكون خليفة الختم المحمدي هو الفرد الجامع في نفس الوقت ، فيجمع بين القطبانية الكبرى والخلافة عن الشيخ سيدي أحمد التجاني (ض ) .وهو أمر قد حصل لبعض أصحاب الشيخ من بعده .
فالشيخ سيدي أحمد التجاني (ض ) في بداية أمره كان يأخذ عمن التقى بهم من المشايخ ظاهرا ويمدهم باطنا من غير شعور منه و منهم إلى أن حصل له الإذن المحمدي يقظة فأصبح يمد الأولياء ظاهرا وباطنا بشعور منه لا منهم ..
إلا أن السؤال الذي يتردد كثيرا على الألسنة ويشكل نقطة استفهام كبيرة عند مريدي الطريقة التجانية (قصة الشيخ البعقيلي (ض) مع فقراء طنجة) وغيرهم ، بل أحيانا يكون مصدر تشويش على الطريقة هو : كيف نوفق بين قول الشيخ سيدي أحمد التجاني (ض) بضرورة الأخذ عن الشيخ الحي صاحب الإذن الخاص للوصول إلى الله ، والأخذ عن الطريقة التجانية على اعتبار أن شيخها ليس حيا ؟
إن تعدد الوسائط في الطريقة التجانية -إذا كان سندها صحيحا -لا يحول بين الشيخ سيدي أحمد التجاني(ض) و المريد ، لأنه بصحة الاتصال تنتفي المسافة الزمنية بينهما ، وكأن المريد يأخذ الطريقة مباشرة عن شيخها حيا.وهذا الأمر أكده الرسول عليه الصلاة والسلام للشيخ (ض) بقوله : كل من أذنته وأعطى لغيره فكأنما أخذ عنك مشافهة وأنا ضامن لهم .
ومعنى هذا أن إذن الشيخ سيدي أحمد التجاني (ض ) هو كالتيار الكهربائي يسري منه إلى آخر مصباح (المريد) فيضيئه مهما تعددت الأسلاك (الخلفاء والمقدمون) وتشعبت إذا كانت متصلة بعضها ببعض ، شرط أن يكون آخر الأسلاك ( خليفة الشيخ في الطريقة أو المقدم) المتصل بالمصباح ( المريد) سليما (حيا ومأذونا) ليصل النور إليه فيضيئه، وبتلف السلك لا يصل النور إلى المصباح .
إلا أنه كما سبق أن ذكرنا هناك أسلاك أفقية ( الولاية العامة التي تعتمد السند الأفقي ) وأخرى عمودية (الولاية الختمية التي تعتمد السند العمودي) ، وكلاهما يوصل النور إلى المصباح لكن بدرجات متفاوتة : الأولى بتوتر منخفض والثانية بتوتر عالي . وكلاهما يتطلب سلامة الأسلاك من أي عطب ،وخصوصا آخر الأسلاك المتصل مباشرة بمصباح المريد ، والذي يمثله الشيخ الحي المأذون بالنسبة للسند الأفقي للولاية العامة ، وخليفة الشيخ سيدي أحمد التجاني(ض ) الحي أو مقدمه المأذونين بالنسبة للطريقة التجانية. وهذا ما كان يعنيه الشيخ (ض ) بقوله " إن الفتح و الوصول إلى حضرة الاختصاص لا يبعثه الله إلا على أيدي أصحاب الإذن الخاص الأحياء لا الأموات".فهو حكم عام يسري على كل الطرق الصوفية بدون استثناء بما فيها الطريقة التجانية. لأن كمال التجلي الإلهي والمتمثل في الحقيقة المحمدية لا يتم إلا باجتماع البطون والظهور و الذي لا يكون إلا للأحياء.
ويبقى للمريد بحسب ما اقتضته المشيئة الإلهية حرية الأخذ عن الشيخ الحي في السلسلة الأفقية للسند (الطرق الصوفية ) أو عن خليفة الشيخ سيدي أحمد التجاني (ض) الحي (أو من ينوب عنه ) في السلسلة العمودية (التجانية ).