الأمور التي تكون سببا لطرد المريد عن شيخه منها: الأغراض، ومنها الاعتراض بالقلب واللسان، ومنها كزازة المريد من ظهور بشريّة الشيخ بأمر لا يطابق المعرفة، ومنها سقوط حُرْمَتِهِ من القلب.

1- فأمَّا الأغراض سواء كانت دنيوية أو أخروية وذلك أن الشيخ لا يُصْحَبُ ولا يُعْرَفُ إلاّ لله عزّ وجلّ لا لشيء،  وهي في أمرين

يعني الصحبة: فإمَّا أنْ يواليه لله تعالى بأنْ يقول: هذا وليّ لله وأنا أُوَالِيهِ لله، وسِرُّ ذلك في قوله صلّى الله عليه وسلّم مخبرا عن الله: « من عادى لي وليّا فقد آذنته بالحرب » وفي طَيِّهِ « مَن والى لي وليّا لأجل أنّهُ وليّ اصطفيته واتّخذته وليا »، وهذا هو السرّ الأكبر الجاذب للمريد إلى حضرة الله تعالى. والأمر الثاني: يعلمُ أنّ الشيخ مِن عبيد الحضرة ويعلم ما يجب للحضرة من الأدب وما يفسد المرء فيه من الأوطار والأَرَب، فإذا عَلِمَ هذا يَصْحَبُهُ لِيَدُلَّهُ على الله وعلى ما يقرّبه إليه. والصحبة في هذين الأمرين لا غير، ومن صَحِبَ لغيرهما خسر الدنيا والآخرة

فإذا عرفتَ هذا فاعرفْ أنّ الربّ سبحانه وتعالى يُعْبَدُ لا لغرضٍ بل لكونه إِلَهًا يستحقّ الألوهية والعبودية من ذاته لِمَا هو عليه مِن محامد الصفات العليّة والأسماء البهيّة، وهذه هي العبادة العليا. وكذلك الشيخ يُصْحَبُ لا لغرض بل لِتَجْلِبَهُ مُوَالاَتِهِ إلى ولاية الله تعالى، ويتعرّف مِنَ الآداب المَرْضِيَّة وما يُشِينُ العبدَ في حضرة الله، وكلّ ما كان من متابعة الهوى ولو كان محمودا فهو شَيْنٌ على العبد في حضرة الله تعالى، ولذا أمرَتْ الشيوخ بقمع المريدين وزجرهم عن متابعة الهوى في أقلِّ قليل لأنّ المريد في وقت متابعة الهوى كافرا بالله صريحُا لا تلويحًا، لكونه نصّب نفسه إلها وعصى أمر الله وخالفه، فهو يعبد غير الله تعالى على الحقيقة، ليس من الله في شيء، وإن قال لا إله إلاّ الله في هذا الحال قال له لسان الحال: كَذَبْتَ بل أنت مشرك، ومِن هذا القبيل خرج قوله صلّى الله عليه وسلّم: « ما تحت قبّة السماء إله يُعبد من دون الله أعظم من هوى متّبع ». فإذا عرف المريد هذا فلا يغضب على الشيخ ولا يتغيّر إذا لم يوافق هواه في غرضه فإنّ الشيخ أعرف بالمصالح وأدرى بوجوه المَضَارّ، والتلميذ جاهل بذلك، فإذا طلب منه غرضا من أيّ فنّ كان ولم يساعده الشيخ عليه فليعلمْ أنّ الشيخ مَنَعَهُ منه لأجل مصلحته ودفع مفسدته، فإذا عوّد نفسه التغيّر على الشيخ في مثل هذا طُرِدَ عن حضرة الله تعالى وانقطع عن الشيخ، فإذا غضب المريد على الشيخ بعد تغيّره انقطع انقطاعا لا رجوع له أصلا.

2- وأمّا الاعتراض بالقلب أوباللسان فإنّه سيفٌ صارمٌ يقطع الحبل بين الشيخ ومريده. فلا يعترض شيئا من أمور الشيخ، فإنْ لم توافق ما عنده من ظاهر العلم أو باطنه فليعلم أنّ هناك دقائق بين الشيخ وربّه لا يدريها التلميذ والشيخ يجري على منوال تلك الدقائق التي بينه وبين ربّه فإذا خالف صورة ظاهر الشرع فليعلم أنّه في باطن الأمر يجري على منوال الشرع من حيث لا يدريه الخلق.

3- وأمّا كزازة المريد من ظهور بشرية الشيخ: فإنّها من جَهْلِهِ بالله تعالى وبمراتبه الخلقية، وذلك أنّ الحقّ سبحانه وتعالى تجلّى في كلّ مرتبة من مراتب خلقه بأمر وحُكْمٍ لمْ يتجلَّ به في غيرها من المراتب، وذلك التجلِّي تارة يكون كمالا في نِسَبِ الحكمة الإلهية وتارة يكون صورته صورة نُقْصٍ في نسب الحكمة الإلهية، ثمّ إنّ ذلك التجلِّي، وإنْ كانت صورته صورة النقص في نسب الحكمة الإلهية، فلا مَحِيدَ لتلك المرتبة عن ظهور التجلّي فيها بصورة ذلك النقص لأنّ ذلك ناشئ عن المشيئة الربّانية وكلّ تَعَلُّقَات المشيئة يستحيل تَحَوُّلُهَا لغير ما تعلّقتْ به، فلا بدّ لكلّ عارف من ظهور النقص في ذاته، ثمّ إنّ ذلك النقص تارة يلابسه بصورة كمال للدقائق التي بينه وبين ربّه وتارة يلابسه متعمّدا أنّه نُقْصٌ وليس في هذه الملابسة إلاّ مُعاينة الحُكْم الإلهي الذي مقتضاه القهر والغَلَبَة بحيث أنْ لا مَحِيدَ للعبد عنه، فإذا رأى المريد من شيخه بشريّةً تقتضي النقص إمّا شرعيّا وإمّا ممّا يُخِلُّ بالمروءة فليلاحظ هذه المعاني التي ذكرناها وليعلم أنّ ذلك لا يُخْرِجُ الشيخ عن حضرة ربّه ولا يزحزحه عن محلّ قربه ولا يَحُطُّهُ عن كمال أدبه، فإذا عرف هذا فلا يرفض شيخه لظهور البشرية، وكلّ مريد يطلب مرتبة للحقّ يتعلّق بها للقرب والوصول يريد أنْ لا يظهر فيها نُقْصٌ كان لسانُ حاله ينادي: لا مطمع لك في دخول حضرة الله تعالى لأنّ كلّ المراتب لا بدّ لها من نقصٍ، فليس يظهر الكمال صورةً ومعنًى وحِسّاً بريئاً مِنَ النقص بكلّ وجه وبكلّ اعتبار إلاّ في ثلاث مراتب فقط لا ما عداها، وهي: الرسالة لمن دخل حضرتها، والنبوّة لمن دخل حضرتها، والقطبانية لمن دخل حضرتها، فإنّ هذه الثلاثة لا صورة للنقص فيها، والباقي من المراتب يظهر فيه النقص في الغالب، وقد لا يظهر، فإنّ هذه المراتب الثلاثة، ولو ظهر للمرء فيها صورة نقص، فذلك النقص هو غاية الكمال وإنّما يتنقصه المرء بجهله، واليه يشير صلّى الله عليه وسلّم: « ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أفعله فوالله إنّي لأعلمهم بالله وأخشاهم له ».

4- وأمّا سقوط حُرْمَتِهِ فهي أكبر قاطع عن الله. وسقوط الحرمة هي عدم ظهور المبالاة إذا أمره أو نهاه، ومِن أكبر الشروط الجامعة بين الشيخ ومريده هو أنْ لا يشارك في محبّته غيره ولا في تعظيمه ولا في الاستمداد منه ولا في الانقطاع إليه بقلبه، ويتأمّل ذلك في شريعة نبيّه صلّى الله عليه وسلّم، فإنّ مَن ساوى رُتْبَةَ نبيّه صلّى الله عليه وسلّم مع رتبة غيره من النبيّين والمرسلين في المحبّة والتعظيم والاستمداد والانقطاع إليه بالقلب والتشريع فهو عنوان على أنّه يموت كافرا إلاّ أن تدركه عناية ربّانيّة بِسَبْقِ محبّة إلهيّة، فإذا عرفتَ هذا فليكن المريد مع شيخه كما هو مع نبيّه صلّى الله عليه وسلّم في التعظيم والمحبّة والاستمداد والانقطاع إليه بالقلب، فلا يعادل به غيره في هذه الأمور ولا يشارك غيره.
 

5- ومِن أكبر القواطع عن الله أنْ ينسب ما عنده من الفتح والأسرار لغير شيخه لأنّ تلك الأنوار الإلهية الواردة على العبد بالاسرار والأحوال والمعارف والعلوم والترقّي في المقامات كلّ نور منها يَحِنُّ إلى مركزه، وهي الحضرة الإلهيّة التي منها برز وفيها نشأ، فلكلّ شيخ مِنْ أهل الله حضرةٌ لا يشترك فيها مع غيره، فإذا وَرَدَ منها نورٌ بأمرٍ من الأمور التي ذكرناها ونُسِبَ إلى غير تلك الحضرة من الحضرة الإلهية اغتاظ ذلك النور وطار ورجع إلى محلّه، وصورة ذلك في نِسَبِ الحكمة الإلهية أنّ الله قضى في كتابه بنسبة كلّ واحد إلى أبيه، قال تعالى: ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ (7)، فمن نَسَبَ نورًا إلى غير محلّه من الحضرة الإلهية فقد أساء الأدب في حضرة الحقّ وكَذَبَ على الله، والحضرة لا تحتمل الكذب، فلذا يُطْرَدُ ويُسْلَبُ والعياذ بالله تعالى

القطب المكتوم الخاتم المحمدي سيدي أحمد التجاني
من كتاب جواهر المعاني