بداية تأسيس طرق أهل الله المعالِجة لانغماس الناس في الحظوظ الدنيوية:

لما تمايلت القلوب على الفتوحات الدنيوية بالجهاد الإسلامي، صار بعص الناس يجاهدون للأموال ولإظهار مرتبتهم لتكون لهم الكلمة السلطانية. فأدبرت ساعتها القلوبُ عن الله وأقبلت على شهواتها، فنـزلت مصيبة على العلماء العارفين، فاجتمعوا لاستنباط طريقة تمني الناس بالمراتب الكونية الأخروية السرية الباطنية، فاستنبطوها على وفق ما أملوه على الحظوظ، قصدا منهم لترقيق القلوب، فبنوها على أهل أحوال من الصحابة. فمن أراد أن يشرب بعض أحوال سيدنا علي- كرم الله وجهه- فليفعل كذا، فإن عليا يفعله، وليذكر كذا، فإنه يذكره (وقس عليه بقية أهل الفتح من الصحابة.)

فلما ظهرت الطريقة على ذلك النمط على أيدي كبار العلماء، نهض أهل الجد والمحبة في الولاية الباطنية، وتجاذبتها أيدي العارفين، فشرطت لهم الأئمة شروطا من حزم وسهر وقلة الأكل وزهد في الولاية الظاهرة وصمت، مستدلين لهم بنصوص الشريعة التي تقدم لنا أنها تخاطب كل أحد، فصيروا لهم الفضائل عين عروسهم. واجتهدوا وتصدرت أئمة الحق لتربية الخلائق على وجه السياسة الشرعية الإيمانية. ومقصود الأئمة شغلُ نفوسهم بالفضائل والخواص، حتى يرق حجابهم بالجوع والسهر والعزلة والمجاهدة.

فقسموا النفس إلى سبعة مواقف: فنقلوا العابدين من مرتبة إلى مرتبة بالرياضة، فإذا نقله من مقام استقذر له ما دونه ويعده نجسا، حتى يقطع ستة نفوس، فإذا قطعها تبين له لوائح القرب من وراء الحجب الرقاق، فيسأل شيخه عنها فإذا تحققها بين له شيخه إنما تعبت نفسه فيما مضى من العبادة. فالآن يستأنف العمل فيأمره بالانسلاخ من الإرادة والركون إلى غير مولاه، ويطبق له عليه صريح نصوص الشريعة، فيتجرد ويبقى مع ربه عبدا فانيا مع قطع النظر عن الغير، خائفا من سلوكه فيعُده معصية وينُزل الكلفة التي تحملها من الغيرية، ويسلم أمر الخلق كلهم لمولاهم، ويشاهد عين الوحدة، فإذا تحقق بمقام الفناء عن الغير، يقول له طبيبه الآن قد أيقنت بسعادتك، حيث لم تمت في سلوكك قبل الوصول، فلو مِتَّ مُتَّ على غير أدب، وعلى غير توحيدِ الوجهة، فيوصيه أن يراعي حق الإخاء. فيشتغل شيخُه بغيره، ويأمر بعد الثبات بنفع الخلائق بمثل سلوكه وسياسته، من غير تبيين المقاصد في وسط المقامات حتى يوصله، لكن شيخه يأمره أن يلازمه ليلاَّ يموتَ على الحظوظ، فإذا رآه قرب أجلُه، يجرده بالهمة ويموت مجردا منها. هكذا شأنهم- رضي الله عنهم- : فوصلت بها أقوام وضلت بها أقوام، من المسيئين مع أساتذتهم.

محاولة توحيد الوجهة والقصد:

وقالوا حينئذ مشائخهم لهم: فإن العدو الحقيقي (أيها المريدون الصادقون) هو ما بقي قدامكم، فاعلموا أنكم دخلتم بلد الهلاك والعطب والقطع، وكثر الآن المحاربون على دينكم. وهم المراتب الكونية من فتح و ولاية وكشوف وأسرار ورقائق وانقياد الروحانيين لكم. فجِدُّوا الآن وأخرجوا جميعَ ما لديكم من القوة وآلات المحاربِة معها، وزيدوا في مكينة همَّتِكم زيتا وفحما. وقدموا كل مدفع وصواعق للقتال، واجعلوهم أمام رحالهم في حيطته.

وسلَّوا سيفَ الغضب على من ركن للمراتب، فجاءت جيوش الأسرار لكل واحد من المريدين في كل جهة ظاهرا وباطنا، فخاطبهم كبيرُهم بالتجرد مما سوى الله، مانعا إياهم من كل سر، حاملا عنهم أذاها بهمة العرفان، فساسهم وراضهم بسياسة ورياضة وصبر لجفائهم، بالركون لغير مولاهم. فمِنْ واصلٍ ومن هاربٍ ومن مسجونٍ عند كِبرهم، فنصب المواعظ والأدوية وتنزل للقتال عنهم. فمنهم من قال: (اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون). ومنهم من امتثل وتجرد فوصل لحضرة السيادة. ومنهم من بقي مع الكشوفات وخرقِ العوائد والتصريفِ بأنواع الأذكار، فلا يزال الكبير ينافح عنهم حتى وجدهم بنوا معاقل الراحة، وترفهوا بملك الروحانيين والانفعالات، ولم يجد لهم سبيلا لتمكنهم، فتركهم على ما هم عليه، وأدخل معه طائفة قليلة، وهذا دأبه مع كل الأمة قانعا بالعارف الواحد إذا وصله، لأنه منَـزَّلٌ منـزلةَ كل الأمة.

فمن بقي مع مراتبه يدعي أنه من الكاملين فيعيش مع المكونات عيشا رغدا ولم يشم رائحة المعرفة والرضوان، يتصدر للمشيخة لما رآه على يده من الانفعالات والكشوفات فيُضِلُّ السالكين، ولذا كثر المدعون للمشيخة وقلَّ العارفون لأنهم أحرار. والحر قليل فاختلطت طرقُ البطالة بطريقة الصفاء. ومن الناس من يستعمل الأذكار العظام التي يُشترط فيها الإذن، بلا إذن أو حتى بإذن، مع مخالفة الطبيب بما ظهر له من المجاهدة والمكابدة، ففاضت عليه بحور الأسماء و سلبته عقلَه، حتى صار بهلولا لا عقل له ولا تكليف، وهذا مقصود الشيطان.

ولم تكن المجاذيب في الطريقة الأولى أصلا، بل هم مجردون من الإرادة، عبدوا الله حتى أتاهم اليقين، فيستوي عندهم الفتح والحجاب، مستسلمون لمولاهم، فكثر الضالون المدعون الجذبَ الإلهي. فكلُّ من خرج عقله لدُنيا أو موت قريب، ُيدَعَى مجذوبًا.

ولازال العارفون يحمون الطريقة الثانية بهِمَمهم وأقوالِهم حتى وصل من أراد الله أن يصل عليها... وجردوا سيوف التذكير والتحريض على السلوك بها ليَّلا ينقطع العابدون على الوجه الأكمل، فتقوم قيامة العامة، وتنصب عليهم رزايا الجهل والاغترار.

موت هذه الطريقة الثانية:

وامتدت غصون الطريقة الثانية (إلى حدود خمسين عاما من القرن العاشر) تمايلت الناس على الخواص والجداول (الطلاسيم) والاستخدامات التي رمتها ألسنة الشريعة. وكثر العطبُ، وتركوا من يرشدهم للطريقة وترأس كل واحد. ومنهم من دخل الخلوة بلا شيخ أو بلا أدب لمخالفة شروط شيخه للأموال ليبني زاوية يجعلها شبكة الدنيا يتمتع بها، فحصل له مراده بكثرة الظلام، فاجتمع عليه السفهاء وجمع أموالا تركها من ورائه، فراج إبليس في أولاده فزين لهم التقاتل عليها بينهم، لأنها مصيدة النجاسة. و قد يزيل صاحبُ الزاوية بعد أبيه جلبابَ الحياء، وهتك الشريعة، ويجبر الناس على خدمته، وإلا أهلكهم بدعاويه، فيأتي إبليس فيسوق له كل غثاء ليَّلا تنقطع طريقة الضلال: فكثر الخبثُ وتركت الصلوات في أوقاتها، وضيعت أركانُها، وإن صلاها، فينقرها، لأنه يصليها على عادة آبائه لا غير، ولا يجد حُرمتَها في قلبه .

وظهر المرابطون المدعون طريقَ الخِرقة، فتنافسوا تنافس العجل على النجاسة، وانسدت المسالك وانغلقت الأبواب وبقي العارفون يبكون على الدين في كل عصر، ولم يجدوا مُعينا لهم على نصرة الدين. وقطع البدع والشبه، وحسم مادة الضلال التي هي عين الحظوظ، فتبرأ الكاملون من الدجاجلة، فمالت الناس لهم وتركوا العارفين، وصارت زاوية العارفين كالباطل، وزاوية المبطلين صحيحة مستقيمة، فقال أبو مدين الغوث: "- انقطعت الطريقة انقطاعا كليا، ولم يبق إلا الرجوع إلى الله بهِمة العارفين".

من كتاب الإراءة

يتبع الجزء الثاني قريبا...