إعلم أنّ علماء الشريعة والطريقة لمّا رأوا أنّ الوجود لمّا نزل من الوحدة بالتجلّي إلى منتهى النزول فحصلت الكثرة، ورأوا أنّ الأهمّ والأتمّ هو العروج إلى البداية ليتمّ ظهور الكمالات الاسمائية اشتغلوا في بيان ما هو الأهمّ مِن كيفيّة إصلاح العروج عاجلا وآجلا وكيفيّة شرائطه من الطهارة الظاهرة و الباطنة بأقصى الغاية، فصنّفوا فيها التصانيف ولم يلتفتوا في بيان كيفيّة النزول في المراتب اكتفاء على أنّ معرفة ذلك تحصل بالعروج،

قال تعالى: (يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ)، أيّ بالمنازل والمعارج الأخرويّة. وظنّ الجهّال أنّهم لا يعرفون كيفيّة الحقيقة وأسرارها، وأمّا علماء الحقيقة لمّا عرفوا كيفيّة المعارج وأسرارها بالعروج إلى الوحدة كشفًا ومشاهدةً اشتغلوا بغلبة سُكْرِ الحال في بيانها بمقتضى حالهم ومقامهم فصنّفوا فيه التصانيف، فظنّ الناقصون أنّ ذلك هو الشريعة والطريقة، وأنّ ذلك بحسب فهومهم وعقولهم، وحسبوا نفوسهم محقّقين كاملين بتخيُّل أنّ نفوسهم في مرتبة الحقيقة بمجرد العلم الدرسي والفكر العقلي بلا كشف ومشاهدة فتركوا العمل بالشريعة والطريقة وهذا غلط فاحش، ولا يخفى على المتفطِّن أنْ لا خلاف بين مسائل الشريعة والحقيقة فعلماء الشريعة توغّلوا في بيان أحكام الكثرة وإصلاحها لترتفع الكثرة وتظهر الوحدة وهي النهاية إلى البداية، وعلماء الحقيقة في بيان أسرار الوحدة وإحاطة الوجود وسريان نوره في المراتب، فكلّ منهما في طرف، فالواجب على الصادق أنْ يستغرق في أنوار الحقيقة باطنًا ويعمل بالشريعة ظاهراً حفظًا للمراتب، وهو الصراط المستقيم لاتّباع الرسول صلّى الله عليه وسلّم. أهـ

تنبيه شريف منقول من كتاب جواهر المعاني