الطريق في اللغة سبب يوصل للمقصود، والمقصود عند العارفين الذين كتب هذا في أذواقهم الوقوف بحضرة سيدهم على وفق مراد السيد لا غير مع قطع النظر عن نفوسهم اعتمادا على حضرة السيادة مع تمام الفناء في معاينة ومشاهدة ومراقبة، ذاهلين عن الرضى وعن السخط وعن نتائج الأعمال، فيعملون بسيدهم له متبرئين من الحول والقوة حاكمين بأن السيد

يفعل في ملكه ما يشاء بعمل وبغيره، وان السيد له أن يأخذه عن زلة واحدة في عمره لأنه بزلة واحدة سقطت مشاهدة جلال سيده، فلو شاهده ما تحركت قوته لها مباشرة، ولذا يؤخذ المكره بقتل نفس ما لم يلجأ والزاني المكره بالانتشار فيرى أن السيد له أن يكلفه بما لا طاقة له به غير ظالم له لأنه تصرف في ملكه، لكن العبد العارف يحصل له الأنس بسيده معه له، فالعارف بكيفية الوقوف بباب الله يتجرد من نفسه ولوازمها ومصالحها ولا يرى ولا يحب إلا سيده ولا هم إلا فيه ولا نظر إلا فيه ولا حركة إلا له ولا سكون إلا فيه به ويأكل ويشرب ويكتسي ويركب وينكح بالله امتثالا له لا غير فسبحان المتفضل عليهم بسيد الخلائق مرشدا وكان لهم كافلا فهم يعبدون بكل ذكر ورد من غير تعرض لشيء بعملهم فجزاهم ربهم بالصفاء التام وفضلهم بالخيرة وجعلهم غرة الخير وأنزل فيهم أي كمال يقينهم كتابا يقرأ (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم) إلى (رضي الله عنهم ورضوا عنه) فوصفهم بالخيرة التامة (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف) الآية. وإنما كانوا خير أمة لأنهم يأمرون بالمعروف وهو التعلق بالله تعلقا كليا تعلق العبد بسيده وأن يقابل سيده بمثل مقابلة العبد سيده فكما أن السيد لا يحب عبدا بطالا عن العمل ولا غير أديب ونظيف ولا يحب منانا بعمله ولا طالب أجرة لأنه مملوك كله وعرقه وماله ولا ملك له مع سيده وكذلك لا يحب عبدا جسورا على مخالفته فإن مخالفة السيد عين السم ولا بكاء وهو من لا يرضى بحكم سيده بحيث يكون قلبه متكدرا وحاقدا على سيده لأنه لم يرض بالعبودية وإنما يحب أوصاف السيادة من كبر وعجب وعظمة وأنانية فيحمله باطنه على الحسد والحسد على الرياسة والرياسة على المشاحنة والمشاحنة على المشاجرة والمشاجرة على المدابرة والمدابرة على المقاطعة على الوحدة والوحدة على الوسواس والوسواس على سوء الظن وسوء الظن على الهلاك والهلاك على السقوط من عين الله ولا يحب عبدا شكايا كثير الشكاية بعبيد الله ولا يحب ملالا ولا مجردا من عمل الدنيا والآخرة ولا يحب أن يراه إلا في خدمته التي عينها له سيده فكما أن العبد إذا وجدته في بستان وسألته من أنت إنما يقول أنا عبد فلان وإذا سألته عن البستان إنما يقول للسيد وإذا سألته عن الغارس يقول أنا وهو وغرسه في قبضة السيد وإذا قلت بل الجنان جنانك يكذبك ويتبرأ منك فكذلك فعل الصحابة مع ربهم فخدموا أكثر ممن بعدهم متجردين منه فلذلك أكرمهم بما لم يكرم به غيرهم وصارت الأمة كلهم عالة لهم لأنهم صحبوا النبي على لباس العبودية لا غرض لهم مع ربهم ولا تدبير لهم معه بل تدينوا بالشريعة وتردوا بالطريقة وشربوا بحر الحقيقة وشرفوا لياليهم بصفاء التوحيد فلم يحتاجوا الى قواعد التوحيد لأنهم غرقوا في أصداف بحور الحقائق وتنعموا بلذيذ المشاهدة والمعاينة مع رجوعهم الى أصلهم الضعف متبرئين مما يدعيه من بعدهم من الولاية وإظهار خرق العادات لأنهم متمكنون في غاية الإحسان وغيرهم متعمشون؟ في مواقف الإسلام أو الإيمان في اصطلاحهم

من كتاب الإراءة