تقييم المستخدم: 0 / 5

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

هذه فتوحات ربانية فتح بها الله سبحانه وتعالى على عبده / صلاح الدين القوصى ، وهى نفحات الأرواح حين تتصل بالملأ الأعلى فى عالم الملكوت ، حين ترِفُّ النفس وتَشِفُّ  ، فهى تغترف مما أسبغ الله عليها مما شاءت له القدرة الإله ية ، أن يحظى منها ، بقطرات ( بإشعاعات ) من أنوار تلك العوالم النورانية ، تملأ قلبه المؤمن ، وتغمره بتلك التجليات الروحانية ، إذ رفع عنها غطاء المادة الكثيف ، فهى ترى بنور الله جلت قدراته ، وتعالت هباته " لَقَدْ كُنْتَ فِى غَفْلَةٍ مِنْ هَذا فَكَشَفْنَا  عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ "

 

إن هذه الكلمات التى يجريها سبحانه على لسان فضيلة مولانا ، وهى ميراث النبوة ، التى امتدت منذ نزول الوحى عليه صلى الله عليه وسلم ، ليرثها الصفوة من عباده المؤمنين الموقنين الحافظين لحدود الله وأحكامه ، العاملين بسنة رسوله الكريم ، على قدر طاقة كل منهم وعلى قدر فهمه وجهاده لنفسه ، ففتح الله على من فتح ، وظهر منهم من عُرِفَ بالزهد ، ومن تكلم فى المعارف الإلهية والأمور النفسية والأنوار الروحية ، وكانوا ينتسبون جميعاً فى شأنهم هذا إلى سلسلة متصلة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من خلال " أبى بكر الصديق " و" على بن أبى طالب "  و" سلمان الفارسى" وغيرهم من الصحابة.

ولما انقضى عهد الصحابة والتابعين أطلق الناس اسم " الصوفية " على من سار على نهج الصحابة النبوى ، القائم على الزهد وكثرة الذكر المجرد لله تعالى والورع والصلاح ،  ثم تواصلت مسيرة الداعين إلى الله على تعاقب العصور ، وتصدر صفوفهم علماء أعلام فتح الله عليهم ، فى علوم الشريعة والحقيــقة ، من أمثال " الحســن البصـرى " و " أبى حنيفة النعمان " و " ذى النون المصرى " و " الحارث المحاسبى " و " الإمام الغزالى " و " الإمام القشيرى " و " الشعرانى " ثم " إبراهيم أبو العيون " و " محمد أبو العيون " إلى آخر سلسلة هؤلاء الأعلام من حملة الهداية إلى الناس الذين استناروا بشريعة الله وسنة رسوله الكريم.

وقد تجنب هؤلاء جميعاً أهل المناظرات والجدل ، ونبذوا الفلسفات التى شاعت فى بعض العصور السالفة ، وهى تلك الفلسفات التى كانت تقول بشطحات الصوفية ، أو " وحدة الوجود " و " الحلول والاتحاد " .

لقد كان هؤلاء الأعلام ، هم الداعين إلى الله ، وهم من حملة الأنوار النبوية ، وأهل الباطن ، والمتصدرين لتربية الأرواح والأنفس ، وكانت لهم سلسلة تنتهى بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهم ورثة النبوة وكانوا مجازين من أهل العلم والتقوى والإجازة ، وكانوا دائماً يذكرون نسبهم الروحى ،  وسلسلة أئمتهم الذين أخذوا عنهم ، مثلهم فى ذلك مثل رواة الحديث ، وأئمة القراءات والفقه وسائر العلوم الشرعية ، بل كان أكثرهم يحذقون هذه العلوم ويجيدونها ، لقد كانوا يحفظون هذا النسب الروحى حتى ينتهوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وهؤلاء المتصدرون للتربية الروحية ، طوال العصور الإسلامية ،  وعلى تتابعها حتى أيامنا هذه ،  هم أهل صدق وعزم ومجاهدة ، وهم أهل ثبات وتثبت من حقيقة أحوالهم الروحية ،  وليسوا أهل ادعاء
وزعم ، إذ أن حملة الأنوار هؤلاء لا يتصدرون للدعوة والتربية الروحية إلا اعتماداً على شهادة الشهود وإقرار الإخوة  والمريدين لهم بما مَنَّ اللهُ عليهم وأسبغه عليهم من هذه الأنوار الربانية ، وكلهم رضى الله عنهم قد ظهرت على أيديهم كرامات وفتوحات تؤيد صدق منهجهم .. وصدق انتسابهم إلى جَدِّهم الأعلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وهل هناك كرامة لولى ، أعظم من هداية الله تعالى للخلق على يديه وتغيير قلوبهم إلى حب الله ورسوله عليه الصلاة والسلام ..!! وكل هؤلاء القوم -كما سمعنا منهم أو قرأنا لهم - مذهبهم ، هو مذهب أهل السنة والجماعة .. وما كانوا يحيدون عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قيد أنملة ( أنوار الإحسان صـ 291 ) .

وكل من هؤلاء قد تميز بمـنـهج تربوى روحى دعامته الأساسية هى تربية النفس وتقويتها وتنقيتها وتطهيرها من أوشابها وأثقالها وأدناسها .

ومن حملة هذه المناهج التربوية الروحية فى أيامنا هذه صاحب هذه الكتب والدواوين التى فتح الله بها عليه ،  وقدمها وقفاً لله تعالى بلا مقابل مادى ، إسهاماً منه فى موكب الدعوة إلى الله وهداية الناس إلى أنوار الإيمان .

وقبل أن نعرض عرضا موجزاً لهذه الفتوحات الثرية بأغزر المعانى الحافلة بأعمق الإرشادات ، يحسن أن نشير إشارة سريعة إلى سيرة حياته التى يخلق بكل مريد من مريديه ، أو قارئ لكلامه أن يلم بأطراف منها ، لأنه لتواضعه الجم ، وإنكاره لذاته التام ،  وحيائه ، وسمو نفسه ، نراه قد أغفل ما يتشوق كل مريديه وقرائه ومحبيه إلى معرفته عن هذه السيرة العطرة الزكية ، وربما ظن أن فى إشارته إلى سيرة حياته بنفسه لوناً من ألوان العجب بالنفس والتمجيد الذاتى والإدلال والتفاخر بين الناس ،  رغم أن سماحته يعرف الحديث النبوى الشريف الذى رواه " الإمام البخارى " فى صحيحه ونصه هو : " لا ينبغى لأحد عنده شئُُ من العلم أن يضيع نفسه "

وهو أعلم منا ، بأن كبار العلماء المسلمين من أولئك الداعين إلى الله كانوا يكتبون سير حياتهم بأنفسهم ، يبغون من ورائها أن يبصروا تلاميذهم بما عانوه في سبيل التكوين العلمى ، والمجاهدة الروحية وأن ينيروا أمامهم الطريق ، ويذللوا لهم الصعاب لفهم ما خلفوه من كتب وآثار علمية ، قاموا بتأليفها أو شرحها أو اختصارها وأن يضعوا بين أيديهم " صورة حية " لحياتهم الشخصية ليروا من خلالها " فضائل الأعمال " و " المثالية الخلقية " التى كانوا يؤثرون بها مريديهم
وأتباعهم ،  عسى أن يتمثلوها وينهجوا نهجها ويحتذوها وكان هذا كله من أقوى الحوافز التى حفزت كثيراً من العلماء وأئمة المسلمين على الكتابة عن أحوال أنفسهم ، وتجاربهم العلمية والروحية كما كانوا مسترشدين فى ذلك بالحديث الشريف سالف الذكر .

وقد ذكر " السيوطى " أنه ترجم لنفسه " اقتداء بالسلف الصالح " ثم قال " فَقَلَّ من ألف أحد منهم تاريخاً إلا ذكر ترجمته فيه " ( طبقات المفسرين ص4 وحسن المحاضرة : جـ1/140 ) ولذا فإن  كتابات السلف الصالح عن أنفسهم كانت من الكثرة بحيث لا يتناولها الحصر ،  ومنها على سبيل المثال ما كتبه عن نفسه ، كل من " الإمام الـمحاسبى " فى كتابه " النصائح الدينية " و" الإمام الغزالى " فى " المنقذ من
الضلال " و " الامام ابن الجوزى " فى ( القرن السادس الهجرى )
فى " لفتة الكبد إلى نصيحة الولد " و " أبى شامة من علماء العصر الأيوبى ،  والإمام " ابن حجر العسقلانى " شيخ مشايخ الإسلام فى العصر المملوكى ، فى كتابه " رفع الإصر عن قضاة مصر " وهو صاحب الكتاب العمدة فى شرح أحاديث البخارى المسمى " فتح البارى فى شرح صحيح        البخارى " .

ومنهم " السخاوى " تلميذ " ابن حجر " فى كتابه " الضوء اللامع فى أهل القرن التاسع " والعالم الدمشقى الكبير " محمد بن
طولون " فى كتابه " الفلك المشحون فى أحوال محمد بن طولون " وهو الذى استشهد بالحديث النبوى الذى يحث العلماء على التعريف بعلمهم وأنفسهم وأورده فى هذا الكتاب ( طبعة دمشق ص 6) و" الامام الشعرانى " فى كتابه الغريب المجهول لأكثر المثقفين ، والمسمى " لطائف المنن والأخلاق فى وجوب التحدث بنعمة الله على الإطلاق " .

ولعل " ابن الجوزى " الإمام الأشهر ، يقدم لنا مثلاً حياً للسيرة الذاتية التى يكتبها واحد من أكبر علماء عصره وأعظمهم ورعاً وزهداً وتأثيراً بعيد المدى فى نفوس سامعيه وقرائه ، بنصائحه ومواعظه وهو يحث فى سيرته الشخصية ابنه وأقرانه من تلاميذه ومريديه على احتذاء سبيله الذى انتهجه منذ الطفولة فى تحصيل العلم والعمل به ، ويرسم له النهج القويم الذى قطعه فى معاناة وجلد ، حتى أحرز هذه المكانة السامية ، ويمضى فى سيرته ، فيذكر ابنه بأن طلب الفضائل هو " نهاية مراد المجتهدين " .. وأن " الفضيلة الكاملة ليست إلا الجمع بين العلم والعمل " .. ويسوق إليه خلاصة نصائحه داعياً إياه إلى إطالة التأمل والتأسى بسيرة والده قائلاً :

... وها أنت .. قد ترى ما آلت حياتى إليه ، وأنا أجمعه لك فى كلمة واحدة ، وهى قوله تعالى : " واتقوا الله ، ويعلمكم الله " ( لفتة الكبد ، ص12 )

إن هؤلاء الكرام من سادتنا العلماء ، ليسجلون شذرات من سيرهم الشخصية بأنفسهم ، مدفوعين بتلك الدوافع التى سلفت الإشارة إليها إلى جانب التحدث بنعمة الله عليهم ، بما منحهم من مواهب وملكات وقدرات يسرت أمامهم السبيل لاستيعاب العلم وذللت لهم الصعاب فى سلوك الرياضة الروحية ، وحمل رسالة الدعوة إلى الهداية الإلهية وقد سجلوا كل ذلك بمعزل عن روح التفاخر الذاتى ، 
أو العجب الشخصى أو الإدلال والمباهاة بهذه الصفات المتفوقة المتميزة ، فقد انتفت من سيرهم كل روح للتمجيد الذاتى أو التفاخر على عباد
الله ،  فإن  تلك الروح المتعالية قد اختفت من كلامهم عن أنفسهم اختفاء واضحاً .

فى هذه الأمثلة التى يعرفها صاحب هذه الفتوحات ،  والتى ذكرتها لأدلل بها على حرص أسلافنا الصالحين على الكتابة عن
أنفسهم ، والتعريف بسير حياتهم ... ولعل فى هذه الأمثلة وغيرها كثير، ما يزيل الحرج ويبدد الخجل الذى جبلت عليه نفسه الزكية ، ولعلها كذلك تمنحنى مسوغاً لأنوب عن سماحته فى ذكر نبذة مختصرة عن سيرة حياته ، مسترشداً بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فى ضرورة التعريف بالعلم وبسيرة الحياة ، على ما تقدمت الإشارة إلى
ذلك .. وكلامى عن سماحته ، هو ما أراه " حقاً علىّ وجب " يجب أن أجاهر به ، بل أرانى شاهداً أدلى بشهادتى عن نبذة من سيرته التى عاصرتها معه أيام الصبا ومطالع الشباب .. ولا أستطيع أن أكتم
الشهادة ، "
وَ مَنْ يَكْتـُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْـبُه " .

نبذة من سيرة الحياة:

لقد نشأ صاحب هذه الفتوحات الربانية فى مدينة " منفلوط " إحدى عواصم الثقافة الإسلامية على تتابع العصور الإسلامية ، وكانت تلك الثقافة تتمثل آنئذ فى هذه المدينة ، وفى كل من مدينة " قــوص "  و" إسنا " و " إدفو " وقد ازدهرت هذه العواصم لأنها كانت " مراكز " يرسو بها الحجاج كل عام ، خلال رحلة الحج القادمة من القاهرة ، لتمر بهذه المدن فى طريقها إلى ميناء "عيذاب " فى الصحراء الشرقية ليعبروا منه على ظهور السفن إلى مدينة " ينبع " بأرض الحجاز ، ثم يعودون بالطريق نفسه الذى سلكوه فى رحلة الحج ، ولهذا السبب ولما شهده الصعيد من رخاء و ثراء فى تلك الحقبة ، ازدهرت منه مدن كثيرة ، وكثرت مدارس العلم وشاعت روح التنافس المثمرالخصيب بين العلماء ، واشتهر منهم شعراء وكتاب ، أثروا الحياة الثقافية فى مصر والعالم العربى والإسلامى على تتابع العصور.

وقد ذكر كتاب السير والتراجم أسماء الكثيرين من العلماء والأدباء فى كتبهم ولعل أشهرهم " الإدفوى " الذى ترجم لطائفة عظيمة من أعلام الصعيد حتى القرن السابع الهجرى وظلت " منفلوط " مركزا علمياً رغم انتقال طريق الحج إلى " السويس " بعد افتتاح قناة السويس وكانت أضواء تلــك الثقـافة الإسلامية ما تزال ترسل أشعــتها فى تلك " المدينة " ، فكان منها " السيد على أبو النصر " الذى اشتــــهر فى عصر " الخديوى إسماعيل " ثم الأديب الكبير " السيد مصطفى لطفى المنفلوطى " رائد حركة الإحياء ، وكان منها " العارف بالله الشيخ محمد موسى الشوربجى " أحد أقطاب الهداية الربانية منذ أواخر القرن التاسع عشر إلى بداية ثلاثينيات القرن العشرين ، وأحد الشعراء المرموقين فى تلك الآونة ، وهو جد صاحب هذه السيرة ، إلى جانب الكثيرين من الشيوخ والعلماء والمثقفين الذين لايتسع المقام هنا لذكرهم .

فى هذه البيئة التى ظلت تتناقل أقباساً من هذا التراث العلمى والروحى ، ولد السيد / صلاح الدين ابن السيد / علم الدين القوصى  فى أسرة طيبة كريمة تحرص على هذا التراث ، إذ أن العارف بالله الشيخ " محمد الشوربجى " هو شقيق السيدة الفاضلة ، جدة السيد / صلاح لأبيه كما هو شقيق السيدة الفاضلة / جدتى لأمى ومازالت هذه الأسرة الكريمة تتوارث كتب مولانا " الشيخ الشوربجى " كما تتوارث أذكاره وأدعيته ، فقد كان من شيوخ الطريق وأقطابها الذين يمتد تأثيره خارج نطاق " منفلوط " إلى العديد من مدن الصعيد وريفه وقراه حتى أيامنا هذه .

ولعل شيوخنا العارفين بالله ، من أبناء " أسرة أبى العيون " قد جددوا هذه الصلات بالتراث الروحى ، ووثقوا عراه فى نفوس الناس فى تلك المناطق ، وفى مدينة " منفلوط " بصفة خاصة وكانوا يكثرون من التردد على " عائلة القوصى " وإقامة الحضرة والأذكار فى رحاب ديار تلك العائلة الكريمة وكان السيد / صلاح يعيش فى ظلال هذه النفحات منذ طفولته ، وتشبعت روحه بروح الهداية منذ الأيام الأولى لحياته ، ونمت هذه الروح وترقت وسمت فى مدارج السمو والكمال على مراحل العمر ، فى الصبا و مطلع الشباب وعنفوان الرجولة حتى نضجت تلك البذور الطيبة ، وأتت ثمارها الطيبة النفيسة ، التى نرى شذرات منها فى هذه الفتوحات  ، هى إذن ثمرات لبذور تجرى فى دمائه منذ طفولته مما يؤكد أنه " شاب نشأ فى طاعة الله "   من السبعة الذين يظلهم الله بظله يوم البعث والنشور ، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم .

من عجيب الأمر فى سيرة سماحته أنه عالم من علماء " الكيمياء " الكبار الذين أحرزوا أرقى الدراسات الأكاديمية فى مجالها ، وظفر بأرقى الشهادات العلمية فى هذا المجال من جامعات أوربا وهو يدهشنا ويستحوذ على إعجابنا إذ نرى هذا " العالم الكيميائى " يفيض منه هذا البحر الزاخر من علوم الشرع وقبسات الهداية والرشاد .

لقد كان متفوقاً مرموقاً على مراحل التعليم المختلفة فقد كان يتصدر أقرانه وعلى رأس المتفوقين على تعاقب تلك المراحل فى التعليم الابتدائى والثانوى فى مدينة " منفلوط "  ،  وفى مرحلته الجامعية فى كلية العلوم جامعة الإسكندرية ، وقد حاز جائزة التفوق فى العلم والسلوك فى عيد العلم الأول لعام 1954 عن مدينة " منفلوط " .

وقد ظهرت مواهبه الأدبية ظهوراً مبكراً ، فكان يقول الشعر الجيد الرائق وهو ما يزال تلميذاً فى سن الصبا وصدر الشباب ، كان تلميذاً  " طُلَعَة " متفوقاً موهوباً وكنا أسن منه بأعوام ، وأسبق منه فى مراحل الدراسة فى تلك الأيام ، ونحن طلاب فى المرحلة الثانوية ، ثم فى الجامعة ، كنا نفاجأ بتلك المقطوعات والقصائد فى الوجدانيات والتأملات والروحانيات يطلعنا على بعضها ، أو ينشر البعض الآخر فى أشهر المجلات الأدبية الثقافية ، والصحف اليومية فى تلك الأيام مشفوعة بتقريظ وثناء ، ولا زلت أذكر الإطراء المستفاض الذى عقب به المجاهد الكبير الأستاذ  على الغاياتى " صاحب جريدة  " كوكب الشرق " على إحدى مقطوعاته ، منوهاً بما فيها من جودة  ومن عذوبة ومن إحكام السبك ، وكنا نحن أبناء جيله الأسن منه يتملكنا الإعجاب والاندهاش بهذا النبوغ المبكر الذى كان يسبق سنه الصغيرة ، ونعجز نحن الأسن منه عن قول مثله ، إذ كان يتبدى فى ذلك الشعر رصانة محكمة ، وكان على مثل تلك الجودة المتميزة التى أتاحها الله سبحانه ، لمثل ذلك التلميذ اليانع ، الذى أُلْهِم مثل هذه الأشعار القوية المفعمة بأعمق النظرات والخطرات والنبضات .

وفى الجامعة كان دوماً هو الفائز الأول ، الذى يحرز الجائزة الأولى فى المسابقات الأدبية والشعرية والثقافية ، لا على مستوى جامعة الإسكندرية وحدها بل على مستوى الجامعات المصرية كلها ، وكان يفوز بالمجانية فى دراسته نظراً لنشاطه الثقافى.

كل ذلك يؤكد أصالة موهبته الأدبية والشعرية منذ حداثته ، ثم ارتقاؤها وتطورها على مراحل عمره السعيد المديد إن شاء الله .

ولا نعجب إذن ، ونحن أمام موهبة أصيلة ، ظهرت أماراتها لديه منذ ذلك الصبا الباكر ، أن يضع بين أيدينا شذرات من ثمرات عقله وقلبه ، وهى ثمرات ناضجة شهية ، تطل علينا من بين أغصانها مبثوثة بين ثنايا كتبه وأقواله وأشعاره ، لعلنا نجتنى من قطوفها الدانية ، ما يزيد إيماننا ويقوى عزائمنا وينعش نفوسنا ويغذى قلوبنا ، ويرضى أذواقنا ، ويرتفع بأرواحنا لتحلق فى سماوات الملأ الأعلى ، مرفرفة بنا بأجنحة أثيرية سابحة فى بحار النور وفى عوالم الروح ومواكب الملائكة مسبحين معهم باسم الله العلى الأعلى ، مصلين على رسوله سيد الخلق ، سيدنا محمد المصطفى المختار صلى الله عليه وسلم ، ونفوسنا مستبشرة مطمئنة راضية مرضية .

فى سلسلة كتبه وأشعاره وأقواله نجد أنفسنا أننا أمام بحار زاخرة بألوان المعارف ومبادئ الإسلام ودليل العبادات وأركان الإيمان وقواعده وأصوله وفرائضه وآدابه .

وهذه المعارف والثمرات تنقسم قسمين :

القسم الأول : الكتابات التعليمية التى تعرفنا قواعد الإيمان وطريق الوصول وأصول الوصول .

القسم الثانى : نطالع فيه الأشعار ، التى منَّ الله بها على
عبده " صلاح الدين " .

فى القسم الأول : نجد بين أيدينا أربعة مصنفات صدرت كلها وفى أعلى صفحة كل مصنف عنوان يشير إلى ما تحويه هذه المصنفات الأربعة وهو " الإسلام شريعة وطريقة وحقيقة " .

الكتاب الأول " أركان الإسلام  " ( دليل العبادات ) ( الطبعة الثالثة سنة 1989م ) وهو يشرح العبادات ويدل عليها فى يسر وسهولة مثل الفرائض والسنن والآداب والطهارة والوضوء والاغتسال والتيمم وأنواع الصلوات والصيام والزكاة والحج والعمرة  فى أسلوب علمى موجز يناسب عصر السرعة حيث عرض الأحكام فى جداول مبوبة .

والكتاب الثانى " قواعد الإيمان " ( تهذيب النفس ) ( طبعة سنة 1990م ) وهو بداية تشير إلى أول الفيض الربانى الذى أجراه الله عليه لينقل لنا قطرات منه وهو يفصح فى مقدمته أن هذا الكتاب هو
" حديث طويل بينى وبين نفسى ظل حبيسا قرابة العشرين عاماً " فلما أراد الله تعالى أن ينقل هذا الحديث إليك صاحبت بداية كتابته وحتى نهايتها أمور وشؤون تناسب ما جاء فيه عن الإيمان والنفس والروح وأسرارها ... " ( ص 10/11) .

وهو يتناول فى أبوابه التسعة عن عالم الشهادة والغيب وعن الجسد والنفس والروح ، وعن الإيمان بالله تعالى وبرسوله صلى الله عليه وسلم وتربيته النفس وآداب الإيمان وذكر الله تعالى ثم يختمه بذكر قبس " من وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم " ( ص324) ، وهو ينبه إلى أن عالم الغيب له " قوانينه وأسبابه " وهى تختلف تماماً عن قوانين عالمنا المدرك بالحواس كالنفس لا يمنعها جدار ولا مسافة عن الرؤية فهذا عالم بقوانينه أيضاً المختلفة تمام الاختلاف ، والخلط بين العالمين لا يفيد ، لتباينهما تبايناً كبيراً ..... " (ص 11/12) .

والكتاب الثالث : عن " مقدمة أصول الوصول " ( الطبعة الثالثة سنة 1997 م) وهو يقدمه متوجهاً به للسالكين والمحبين من " أبناء الطريق " فى مصر وفى الدول العربية والإسلامية ليعرفهم " أساس هذا الطريق ونظامه وكيفية اتباعه " ( وهو فى مائه وست وثمانين صفحة ) وهو يرسم فيه لهؤلاء السالكين والمريدين فى الباب الأول " أهم ضوابط السلوك " و " الحجب عن الله " والنور " و " الكشف "
و " الاستدراج " و " الفتح " و " الولاية " و" سر الشيخ "
و " الطريق " و " السلوك والجذب " و" الأحوال والمقامات " و " عالم الغيب " و" قواطع السلوك " و" السلوك والسير " و " الملك والملكوت والموت والبرزخ والروح" ،  ثم يفصح فى الباب الثانى عن " أساس الطريق " وسلسلته وروحانيته ، وفى الباب الثالث يتكلم عن
أقسام " الورد " و " نظام التلاوة " ، وفى الباب الرابع يرسم خطوات التنظيم المتعلقة بواجبات الشيخ والحليفة والنائب ونظام الحضرات ، ويختمه فى الباب الخامس بوصايا الاسم الأول والثانى والثالث ، ثم وصية الحضرة وختامها .

وهو فى هذا الكتاب يعرفنا بمصطلحات وإشارات وصيغ تصور تجليات الحق على عبده بألوان الفيض والمعرفة ، وفيه تلميحات عن الأحوال والمقامات والكشف النورانى الذى يمن به الله تعالى على عباده المؤمنين وعن " الفتح " الذى يتجلى به سبحانه على قلب العبد بالأنوار والأسرار الإلهية والمعانى اللدنية " (ص16) وقد زخرت أشعاره بتلميحات وإشارات إلى هذه الأسرار اللدنية .

وفى الكتاب الرابع ، ينتهج سبيلاً يشبه ما سلكه فى الكتاب المتقدم ، ولكنه يتكلم عن تلك التعريفات الروحية وعن العوالم الظاهرة والخفية على نحو أكثر إفصاحاً عما ذى قبل ، وهو عن " أنوار الإحسان - أصول الوصول " ( يناير 1998م ) ( فى 384ص ) ، وهو يذكر فيه تعريفات للإيمان ودرجاته والولاية العامة والخاصة والظاهر والباطن ، والسير والسلوك إلى الله تعالى وجعله فى أربعة أبواب أشار فيها إلى تعريف الإحسان ، ومعنى النور والرؤية والحجب وإلى العوالم الظاهرة والخفية التى تسبح فيها الأرواح والأنفس.

وأدار الباب الثالث عن " أنوار رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن معنى الرسالة والنبوة " والقرآن والحديث وأهمية نوره صلى الله عليه وسلم فى الكون كله وحتى تقوم الساعة ، وختمه بالباب الرابع عرض فيه لمفهوم الحضرات وأنواعها ومفهوم الحب الإلهي وشعراء هذا الفن وبعض رموزهم وإشاراتهم .

وفى القسم الثانى الذى يتمثل فى " الإبداع الشعرى " ،  فإنه ينطلق مرفرفاً فى عوالم الإلهام الذى يستمد معارفه وخطراته ومعانيه ، من عالم " الفتح " الذى لا يبلغه إلا من أزال الله الغشاوة عن بصيرته ، وكشف عنه غطاء المادة ، وارتقى بمجاهداته الروحية ، وبمنة الله عليه إلى هذه المرتبة العليا ولتكون معرفته قائمة فى المحل الأول ، على هذا الفتح الربانى " حيث يكون قد دخل المريد حقاً ، فى معية مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم حقيقة وحالاً " و" من تشرف بالدخول فى هذه المعية فلا يضل ولايشقى " .

إن هذا " الإبداع الشعري " أو تلك الفتوحات الربانية ، هي ثلاث مجموعات " الأول " ديوان الأسير " (ط سنة 1991 م ) ، والثاني " ديوان العتيق " ( ط سنة 1995 م ) والثالث " ديوان الطليق " ( ط سنة 1999م ) ، وأبادر فاعترف أنني أمام بحر زاخر عميق مترامي الشطان ، متباعد الآماد ، ومهما حاولت أو حاول غيري ، أن يسبح فى لجج هذا البحر الزاخر ، ما استطاع أحد منا ، أن يغوص فى عمق من أعماقه أو يقترب من شاطئ من شواطئه الشاسعة القصية ، ذلك لأنها حافلة بالأشعار المفعمة بالإشارات والتلميحات والكلمات والرموز ، التى تنقل لنا عالمه الروحي ، الذى تخفى علينا حقائقه وأسراره ولسماحته فى هذا الباب الرمزي باع لا يلحق مداه ، وفيوضات ليس فى وسع واحد مثلى أن يدرك حقيقة من حقائقها أو سراً من أسرارها ، وهى تحتاج إلى دراسات مسهبة تستغرق أسفاراً وأسفاراً ... ، لإدراك بعض ما أخفى منها، واكتفى باجتزاء أمثلة قليلة من هذه الأشعار السابحة فى عوالم الأنوار ، لأنها ليست معبرة عن تجارب الحياة المادية ، لأنها كلها تعكس تجاربه الروحية ، ومن هذه الأمثلة ما جاء فى قصيدته المطولة " الحادى "
وهى " دالية " من القصائد التى تصدرت " ديوان الأسير " وهى فى ستين بيتاً منها قوله :

 

وَ لَقَدْ سمعتُ الطيرَ سَبَّحَ فى السما

و فــهـمـــتُ تســبيحــًا مــن الأوتــادِ

و الخلقُ فى قهرِ الصفاتِ فإنْ بكوا

أو هـَــزَّهــمْ فَـرَحُ الطروبِ الشادى

فَـنُواحُهُمْ عـينُ الجلال لـــمنْ وَعَى

و غِنَاؤهـم عَــيْنُ الجـمــالِ البادى

 

فهى تشتمل على معانى يستمدها من آيات الله المتبدية فى خلائقه وفى مظاهر الكون من حولنا .

على أن أكثر القصائد والمقطوعات فى هذا الديوان تعكس تعلق قلبه وروحه بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وبآل بيته الكرام ، ولذا فقد كان كثير منها صادراً فى إظهار هذا التعلق الروحى ، بالعترة المحمدية فكانت قصائده تطرى سيرهم الزكية تحمل عناوين : " الحسينية، الزينبية ، الفاطمية " ، " صلى عليك الله " و" صلوا عليه وسلموا "
و " مكشوفة الأسرار " ثم قصائده الأخرى عن تلك المعانى الروحية السامية ، عن " الظلال " و " مرآة قلب " و " الكفيل " و " الأسير "
و " الرحيل " وعن " البئر " .

وفى هذه القصيدة ينادى فيه نفسه ويناجيها ويستهلها بقوله :

 

تُنَـــــادينى وَ قَــــد أدبــــرتُ عنها

وَعُفْتُ جَمَالَها وَ أدَرْتُ ظَـــــهْــرى

وَتَسْــــألُنِى : لِمَ الإعراضُ عنِّى ؟؟

لماذا البعْــــــدُ فى صَدٍّ و هَجْرِ ؟؟

وَ كلُّ النــاسِ ترجـــــو الودَّ منِّى

و كلُّ الناسِ يأتمـــــروا بأمرى ؟؟

 

(ص76)

وفيها يزجر نفسه هذه المعشوقة الماكرة الطائشة فيقول :

 

وَ يَا نَفْسُ اخْسَئى .. وَ كفاكِ أنى

أضعــتُ العمرَ عَشْــــرًا بعد عَشْــــرِ

فإنى اليومَ قد أدركــــتُ رُشْدى

وَ منْ فَضْلِ الكريم ملكــتُ أمْرِى

هدانِى اللهُ من فَيْضٍ جليـــــــــلٍ

وَ شَـــــاءَ اللهُ لى خَتْـــــــمًا  بِسَتْـــرِ

 

 

أما الديوانان الأخيران ، الثانى والثالث فهما يعبران فى الغالب عن تجاربه الروحية المحلقة فى الأنوار الروحية وهو فيهما ، يحلق فى عالم من الرموز والعلامات والإشارات ، ومهما حاول إنسان أن يكتشف مفردات لغته أو أبجدية معانيها فلن يستطيع سبر غورها ، أو إدراك مكنونها ، لأنها فى معظمها ، تصور عالماً روحانياً ، وهو عالم " عالم الفتح الربانى " وهو نفسه ، لايفصح ولايصرح ، بل يكتفى بتلك الرموز والإشارات .

هو يشير فى مقدمة ديوانه " الطليق " إشارات تقرب إلينا قدراً ضئيلاً من معانى التجليات الروحية فيقول :

" .... كنت أظن العتيق أكثر حرية من الأسير فإذا العتيق أشد أسراً من الأسير وأكثرهم أسراً هو الطليق !! .

" أما الأسير .. فهو أسير القدرة .. والأفعال .. أما العتيق .. فهو عتيق الفضل والإنعام والصفات   ..فالأسير أسير بالله ..

والعتيق عتيق لله ..

والطليق طليق فى الله ..

والكل من الله والى الله تعالى ..

والأسير واضح المعانى .. قليل الرمز فى العبارة .. والعتيق مغلف المعنى كثير الرمز والإشارة .. أما الطليق فيغلب عليه الرمز والتأويل والإشارات ( ص7 ، 8 ) .

والأمثلة كثيرة على هذه الرموز والإشارات المغلفة والمعانى المحتجبة ، ومنها قوله ( الطليق ص79 ):

 

وَ نُودِىَ : أنتَ..قُلْتُ : نَعَم

فَـقِـيلَ اسْعَــدْ بِتَـــــــــــلْوِينى

يَــقِـــيــنِى فِـــيكَ إيمَـــــانِى

وَ نُورُكَ سَيِّــــــــدِى دِينِـــى

وَ رُوحِـــى فِـــيكَ هَـــائِـمـــةٌ

بِلا كَيْفٍ .. تُســــــــَـاقـِيـــنِى

تُبَـــاسِــــطُــنِـى بَـألْـطَــــــافٍ

وَ نُورُ القــُــرْبِ يَـكْســــــُونِى

فَــيَدْفَــعُــنِى الـفَــنَا  فِـــــيكُمْ

لأنْسٍ فِــــــيكَ يَطْــوِيــــــنِى


ومنها قوله ممعنا فى الرمز والتلويج : ( الطليق 79/80) .

فَمِــعْــــرَاجِــى بِــــــهِ سِـــــــرٌّ

فَــيُـقْـصِــــيـــنِى وَ يُــدْنِـينـــى

بِــلا  قَـــــــبْضٍ وَ لا  بَسْــــــطٍ

وَ لا نَــعْــتٍ يُــــــــواتِــــيـــنِى

و لا فَـــــــــرْقٍ وَ لا جَــــمْـــــعٍ

وَ لا حَالٍ يُـــبَـــادِيــنـــــــــــى

فَـــلا عَـــرشٌ وَ لاَ الكُــرْسِــىُّ

عـــَــنْ مَــوْلاىَ يُــثْــنِــيــنــى

فَـــرَوْحُ الـــذَّاتِ يُصْـــهـِـرُنِى

بِـــلا حَـــــالٍ وَ تَـــلْـــــــوِيـــنِ

 

 

( الطليق ص81)

إنه فى حضرة الملأ الأعلى الذى لاتواتيه الكلمات لأوصافه
ونعوته ، وهو منصهر بروح الذات وليس بكيانه البشرى حال أو صفات أو تلوين . إنه مندمج فى بحار التجربة الروحية ، وفى أنوار الفتح الرباني الذى تعجز الكلمات عن الإفصاح عن سرها إنه ليكتفى بالتعبير عن
" تذوقها " وعمق حلاوتها وشدة استغراقه فى أنوارها بهذه الرموز والإشارات المغلقة ، ويكفيه من هذا العالم الروحانى ، أنه شاهد ومضات من عالم الغيب فذاق ، ومن ذاق عرف ومن لم يطعم الشراب لايعرفه ، وقد عبر " الغزالى " عن لحظات الفتح بقوله :

لو كِلتَ ألفى رِطِل خمرٍ لم تكُن        لتصير نشــــواناً إذا لم تشرب

بيد أن هذه اللحظات النادرة الخاطفة لحظات الفتح الروحى والتجليات النورانية ، هى لحظات كشف لبعض الأمور الغيبية فى
الكون ، يتجلى فيها الله تعالى على المؤمن بفيض من المعرفة التى لا يتاح لغيره معرفتها أو إدراكها ، ويرى فى لحظات ما لايراه الآخرون من الحقائق والأسرار ، لأنه أخلص العبودية لله وأحبه فأحببه سبحانه ، وجعل محبته " تتشرب بها روح العبد ، ويمتلىء بها كل كيانه ، فلا يتحرك إلا بها وبأنوارها ، ولا يعيش إلا بنورها وسرها وتجلياتها ، فهو مأخوذ عن نفسه بنور صنعة الله التى تسرى فيه ..... "

والعبد المؤمن فى هذه اللحظة الكاشفة بصفة خاصة ، يتحفه الله بأنوار وتجليات ومعارف على قدر ما يحتمل كيانه البشرى .

وصاحب هذه التجربة الروحية السامية لا يفصح عادة عن أسرار تلك اللحظات ولا يصرح بصفاتها ولكنه يشير إليها فى إشارة غامضة أو باستخدام هذه الرموز وشعاره هو وأترابه فى ذلك يلخصه قول شاعر من أصحاب هذه التجارب :

فكان ما كان ممـــا لسـتُ أذكـــره

فَظُنَّ خَيْراً ، ولا تَسْأَلْ عَنْ السبب

على أن أعظم أشعاره إغراقاً فى الرموز والإشارات والتلويحات والتلميحات والمعانى الخفية المغلفة وهو " ديوانه العتيق "
( سنة 1999م ، 239ص ) وهو يحمل قدراً من هذه الرموز تفوق ما جاء فى الديوانين الأخريين وهو حافل بالقصائد الـمُصَوِّرَةِ " للعشق الإلهي " وللحب الروحى السامى لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو لإغراقه فى الرموز يذكرنا بأشعار " ابن الفارض – سلطان العاشقين " وربما يذكر بأشعار " شهيدة العشق الإلهي - رابعة العدوية " وغيرهما من كبار الشعراء الذين غلبت عليهم عاطفة الحب السامية فى أعلى مراتبها وأسمى مدارجها وربما احتلت بعض نماذج من قصائده المكانة الرفيعة التى بلغتها أشعار أولئك العشاق الخالدين .

وهو مثل " شعراء العشق " يكثر من الرموز والإشارات إلى الذات الإلهية " باسم " ليلى " إذ اتخذ أولئك الشعراء " ليلى " رمزاً إلى الذات الإلهية و الذات موضع العشق أو الذات المعشوقة واتخذوا من اسم المجنون رمزاً للعاشق ، ولقد كانت قصة " العشق العذرى " بين " قيس وليلى " مصدر إلهام لشعراء العشق الإلهي فى أدبنا العربى ، ثم انتقلت إلى " الشعر الفارسى " لتصبح مصدر إلهام لشعراء الفرس المسلمين إلى أن صار هذا الرمز رمزاً فى الآداب العالمية .

ومن أمثلة ذلك استهلاله قصيدته التى سماها " الحجاب " قائلاً :

 

 

بَـدَتْ " لَـيْــــلَـى"بِبُرْقُـعِـها بِليْلِــى
فَـأَشـْــرَقَ نُـورُها فـى كلِّ كـونـى

وَ مِنْ تحـتِ الـخِمارِ رَمَـتْ بِسَهْـمٍ

بهِ طـَـاشَ الــفــؤادُ وَ دُكَّ حِصْـنِى

فَـقُلتُ : تَبـَـارَكَ الـرحـمــنُ هــذا

كَـمالٌ فــى جَـمَالٍ فـوقَ حُسـْــنِ

فكـيفَ بِها إِذا خَـلَعَـتْ حِجَابـا !!

وَ كيْـفَ بِـهـا إذَا يوماً دَعَـتْــنِى !!

فَـلَمَّـا دَارَ ســاقِـيـهـا بِـكَــــــــأسٍ

وَ ضَـاعَ اللـبُّ لَـمـَّـا نَــاوَلـَـتـــْنِى

 

أَشـَـارَتْ : أنـــتَ مـقــتولٌ إِذَا ما

أَبـَحـْـتَ بِـسـِرِّنـا أَوْ لَـمْ تـَـصـُـنِّى

فقلتُ : أَمَا قُـتِـلْتُ بِسَـهْمِ لَحْظٍ ؟

أَلَيْسَ الـقَـتـلُ فى الـقَـتْلَى بِغُـبْنِ ؟

وَ رُوحـى و الـفــؤادُ لَـكُـمْ فـِداءٌ

وَ عَـهـدٌ مـبـرمٌ بـالــصدقِ مـِــنِّـى

فَـلاَ تنظــرْ عــيونِـى مَنْ سِــواكـمْ

و لا -وَ جَلاَلـِكُمْ - أَرْنُـو بـِعَـيْـنِى

فقـالـتْ : فالـْــتَـزِمْ أدَبــاً لَعَــلِّــى

أَجـُـودُ عَلــيكَ بالإنْـعـَــامِ مِـنــِّـى

وَ كُـنْ عَـبْدِى و لا تطـلبْ سِوَانـا

فإنْ تَـغْـفلْ رَجَـعْـتَ بِـشُـؤمِ لَعْـنِـى

 

و إنْ ظَـلَّ اخـتـيـارٌ فـِـيكَ فاعـْـلَمْ

بِشِرْكـِـكَ..لاتَـقُـلْ يـومـا قَـلَتْـنـى

فـلا أرْضَـى بنفـسـِكَ حـين تَحْـــيَا

ولا  إنْ  فى المـحبَّـةِ شـَـارَ كـَتْـنِـى

فـلا يَشْـغَـلْ فـؤادَك غَـيْرُ وَجْـهــي

وَ وَحِّـدْ دائِماً وانْـظُــرْ تَجِدْنى

فـإِنَّ الأمـــرَ فى الأكــوانِ أَمْــرِى

وَ كُـلّ أمـورهـــمْ رَهـْــنٌ بِـإذْنــى

وَ كُـنْ مُــتَرَقِّــباً أَمـْــرِى وَ نَـهْــيِى

وَ لا تُــفْـصِـحْ بِسِـرٍّ مـنـكَ عَــنـِّى

و حـاذِرْ أنْ تَـبُــحْ بـــالـسِــرِّ  إلاَّ

بـمـــا إذنـِــى أتَـاكَ بـه وَ عَـوْنـِــى

 

 

( العتيق ، ص73/75 )

ورغم سهولة الألفاظ وجمال العبارة وعذوبة إيقاعها ، فإن  ما فيها من رموز تشير إلى عشق الشاعر للذات العلية ، وغياب عقله انتشاءً وسكرا لشدة هذا العشق ، كما تشير " الرموز " إلى حفظ أسرار هذه التجارب الروحية ، وإلا كان هلاكه إن هو باح بسر من هذه الأسرار وهو يرسم " صورها الشعرية " كلها مغلفة بهذه الرموز ، ورغم ذلك فقد أحسن رسمها وأجاد اختيار ظلالها وألوانها .

ولما كانت كثرة كثيرة من قصائد هذا الديوان يكتنفها الرمز الذى يتسم حينا بالغموض ، فإن  سماحته ، يُذَيِّلُ الأبيات بإشارات تفك بعض هذه الرموز ، ومنها شروح يفسر بها بعض " الرؤى " التى تلقى فيها أوامر أو تكاليف أو إجازات من السادة الكرام ، شيوخ الطريق وعلى رأسهم شيخه السيد / محمد أبو العيون الذى حباه بفضله ، وأخذ عنه الطريق ، وتولى تربيته الروحية  ، كما يفسر بعض الرؤى التى تلقى فيها أمراً أو تكليفاً أو إذناً أو وصية من " الإمام الحسين "  أو " السيد أحمد البدوى " وغيرهم من السادة الكرام ، حملة الهداية أو رؤيا رأى فيها الرسول صلى الله عليه وسلم ، حيث سمع صوته يقرأ فى ديوان شعره ، ويصحح له بعض الأبيات خلال كتابته لقصيدته المسماة " الإنعام "
(ص 126) .

ومن رموز تلك القصيدة قوله :

و"شِــعْرُكَ" مَنْ أَفَـاضَ عَـليكَ فِــيهِ

و لَـقّـنَـكَ الـتـشبُّـبَ و الـتـغـنِّى !!

و صَـحَّـحَ بَـعـضَ أبيـاتٍ و أَلْـقَـى

إلـيكَ بشـــطـرِ أَبيـــــاتٍ لِـتَـبــْنـىِ

وَ مَـنْ أَوْحَـى إليكَ بِـفِـــقْـه عِـــلْمٍ

و أحـوالٍ و أَســـرارٍ بِـكَــــوْنِ  !!

"وكنزُ السِــرِّ"مِنْ" شمــسِ المعــالى "

هـدِيّــتُــــــه إلــيـكَ لكــلِّ شـــأنِ

 

 

 

(ص134، 133)

ثم يشرح فى الهامش " الرمز"  فى البيت السالف حيث قيل له فى إحدى الرؤى المنامية أن شمس المعالى هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الذى أهدى إليه كنوز الأسرار .

وعلى هذا النحو ، سار فى سائر هذا الديوان يفسر بعض ما جاء فى قصائده من رموز أو رؤى منامية أو رؤية رآها بين اليقظة والمنام أو يشير إلى بعض معانى آيات قرآنية ومعانى أحاديث نبوية كانت تلقى إليه وهو فى حالة ذهول مثل قوله : مخاطباً نفسه :

وَ مَـــنْ أَلْـقَـى بِحَـالٍ بَـعْـــدَ حَـالٍ

إلــيـكَ و زَادَه عـِـلْــمـاً لَـدُنــّى !!

فَفِى الأَسْمَاءِ غِبْتَ ... وَ لَيْسَ هَذَا

مُـرَادُك .... إنمـا الأنـوارُ تُــفْـنــِى

وَ كُـــل صِفَــاتِـــهِ كَــرَمٌ وَ جُـودٌ

وَكُـلُّ صـِـفَاتـِــهِ تُــلْـقِـى بِـحُـسْـنِ

وَكَــيْفَ سَـرَيْتَ شَـرْقـاً ثُمَّ غــرباً

كـَطَـيرٍ هَـائِمٍ مِنْ فَـوْقِ غُصْنِ  !!

 

 

 

ولعل من أجمل أشعار ذلك الديوان "قصيدته " المسماة  " النفس" (196-202) يقول فى مطالعها :

و نَـفْـسـى كُـــلَّمـا أفْـــلَــتُّ مـنــهـا

و شـِــمْـتُ الـخــيـرَ فـيـهـا راوغَـتْنى

و لسـتُ بجـاهــلٍ أَبْــغـى رِضَـاهـــــا

و لا بـــالــغـــرّ إنْ هـــى راودتـــنى

فَمَــا طــاوعــتُــهــا يــومـاً بِقَــلْــبى

و مـــا يـومـاً رَضِـيتُ فَـــأعْـــجَـبَتْنِى

ويقيم بينها وبينه حوارا ممتعا سائغا  مثل قوله :

فقـلتُ لهـا : وَ رَبِّـكِ لسـتُ أَرْضَـــى

بِدُنْـيَانَـا . و إنْ هِـىَ بايَـعَـتــْـنِى !!

فـقـالـتْ : إنْ زَهِـدْتَ فَذاكَ خَـــــيرٌ

فَكَيْف تــقول فى جـنــاتِ عَدْنِ  ؟؟

فـكـلُّ الخــيرِ فى جَـنــَّــــــاتِ رَبــِّى

فَـبِعْـنِى لـلجِـنـانِ إذَا اشترتـْــــــــنِـى

 

 

 

إلى أن يختم هذا الحوار الممتع الحافل بأعمق مشاعر اليقين :

و لــكـــنــِّى رأيـــتُ الـلَّــهَ حــقـــاً

حـــبـيـباً مـــنـعـماً بالـفــضلِ يُــغْـنِى

فَـقُـلْـتُ أُحِـــبُّـــهُ.. وَ الـحُــبُّ نُـورٌ

لَـــعَــلَّ مَــحـبـتِــى تـُــرْضِـيـهِ عـَـنـِّى

وَ لَــمْ أعـــلـمْ بِــأنَّ الـحُـــبَّ نـــارٌ

تـَـرُوحُ بِــــكـلِّ أَغـْـيـارٍ و تــُـفـْـــنِى

فَـــــضَـاع العُمْـرُ مَحْجُــوبـاً بِجَـهْـلٍ

فـكـانَ الـجهـلُ أغـلالـى وَ سِجْـــنِى

جَهـولٌ .. فاتنى عُـــــمـرِى سَــرابـاً

بِـهِ آمـَـالُ قَــلــبــى لاوعـــــتْـــنِــى

ظَــنَـنْـتُ مَـحَــبَّـتِى لـلَّــهِ صِـــــدْقـاً

فَـلَــمَّــا شـِــبْتُ إذْ هـِـىَ أَنْـكَـرَتْـنِــى

وَهِــمْــتُ بِأنَّـهـا تُرْجَـى بِـفِـــعْـلٍ

و قـولٍ أَوْ  بِــأذْكــَــارٍ وَ فَــــنِّ

فِــإذْ بـالأمــــــرِ مِــن ربــِّى عَــطَـاءً

كـَــغـَيْـثٍ صـَــيِّــبٍ مـِنْ جـُودِ مُـزْن

عـلى قـلـبٍ كـسـيرٍ قَـــــــد تَنَـــاهَى

بِـذِلـَّـتِــهِ إلـــى المـولـــى وَ حـُــــزْنِ

وَ جـَـلَّ الـواحـدُ الأعـــــــلى ثـنــاءً

و جَــــلَّ جـَلالـُـــهُ عـن كـلِّ ظـَـــنِّ

 

(العتيق 195/202)

ولعل من سمات التفوق التى وهبها الله سماحته أن قصائد الديوان كلها قد اختار لها حرف " النون " قافية ، فجاءت قوافيها كلها نونية ، من أولى القصائد فى أول الديوان حتى الصفحة الثلاثين بعد المائتين ،  مما يثبت تمكنه فى صياغة الشعر ، ويعكس هيمنته على أدوات فنه الإبداعي،  ولا عجب فقد تمرس بقول الشعر منذ حداثته ،  وطالت صحبته لنفائس التراث الشعرى ، واغترف من بحاره ، وانعكس تأثره بما نراه فى شعره كله ، من إحكام وجودة ، وحسن صياغة ، وسهولة عبارة،  وعذوبة وموسيقية ، وكلها تخلب ألبابنا وتأسر قلوبنا وتقع فى أجمل وقع وأعمقه .

وبعد فإنه مهما اقتطفنا من ثمار هذه الجنان الشهية ، فلن تبلغ نفوسنا ما تبتغيه من الشبع أبدا ،  ولن ترتوى من بحار هذه الفيوضات الروحانية ألْبَتَّه ، فيكفى هذه الإشارات التى ألمحنا إليها ، وهى قطرات من هذه الدفقات النورانية ، التى فتح الله بها على " العزيز" الداعى إلى الله على هدى وبصيرة ، وعلى نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
"
وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَنْ دَعَا إلى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وقَالَ إِنَّنِى مِن الـمُسْلِمِين " .

إنه يدعو فى كتاباته وأشعاره وأقواله إلى الهداية إلى نور الحق سبحانه ، ويحمل إلينا هذه الرسالة الروحية ، القائمة على " الشريعة والحقيقة " –على ما تبَينَّا – ورائده قوله تعالى : " قُلْ هَذِهِ سَبِيلى
أَدْعُو إلى اللهِ عَلى بَصِيرةٍ أَنا وَمَنْ اتَّبَعَنِى ، وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أنا مِنْ الـمُـشْرِكين
" .

ما أحوجنا فى أيامنا هذه ، إلى مثل هذه الدفقات الروحية التى يحملها إلينا هذا " العزيز الحبيب " ، وما أحوج الشباب إلى حملة الدعوة إلى النور والهداية والطريق القويم .

... وجزى الله صاحب هذه الفتوحات عن المسلمين خير الجزاء ، ونفعنا بعلمه وفضله وإرشاداته وتقواه ،

.... وإنها كلمات ستظل تدوى ، وتصدح فى آفاق الكون ، لأنها مما فتح الله به عليه فهى مستمدة من عالم الغيب الذى ليس بينه وبين أهل الله حجاب ... ولأنها مستمدة من أنوار العلى الأعلى التى لاينقطع لها وصال ، ولايخبو لها شعاع .

 

يحيى عبد الدايم

أستاذ النقد والأدب
بكلية الآداب / جامعة عين شمس

 

المتواجدون الآن لأول مرة

57 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

إحصائيات

عدد الزيارات
266171