هل العبادة هي مطلق الخضوع أو التكريم والتعظيم؟ ج2
العبادة: هي الخضوع عن اعتقاد بإلوهية المعبود وربوبيته واستقلاله في فعله
لفظ العبادة من المفاهيم الواضحة كالماء والاَرض، فهو مع وضوح مفهومه يصعب التعبير عنه بالكلمات رغم حضور هذا المفهوم في الاَذهان. والعبادة كما هي واضحة مفهومـاً، فهي واضحـة ـ كذلك ـ مصداقـاً بحيـث يسهل تمييز مصاديقها عن مصاديق التعظيم والتكريم وغيرهما من المفاهيم.
فتقبيل العاشق الولهان دار معشوقته، واحتضان ثيابها شوقاً، أو تقبيل تراب قبرها بعد الموت، لايدعى عبادة للمعشوقة.
كما أنّ ذهاب الناس إلى زيارة من يعنيهم من الشخصيات، والوفود إلى مقابرهم لزيارتها والوقوف أمامها احتراماً، وإجراء مراسم وطقوس خاصة لديها لايعد عبادة ـ أبداً ـ وإن كانت هذه الاَفعال تبلغ ـ في بعض الاَحايين ـ من حيث شدة الخضوع إلى درجة كبيرة. إنّ الضمائر اليقظة هي وحدها تقدر على أن تكون الحكم العدل ـ في مثل هذا البحث ـ لتمييز الاحترام والتعظيم عن العبادة، دون حاجة إلى تكلّف، ولكن إذا تقرر أن نعرّف العبادة بتعريف موضوعي أمكننا أن نعرّفها بثلاثة تعاريف:
التعريف الاَوّل: العبادة: هي الخضوع اللفظي أو العملي الناشىَ عن الاعتقاد بـ «إلوهية» المخضوع له وسيوافيك معنى «الاِلوهية». وآيات كثيرة تدل على هذا التفسير، فمن ملاحظة هذه الآيات يتضح لنا أمران:
الاَوّل: أنّ عرب الجاهلية الذين نزل القرآن في أوساطهم وبيئاتهم كانوا يعتقدون بإلوهية معبوداتهم.
الثاني: أنّ العبادة عبارة عن القول أو العمل الناشئين من الاعتقاد بإلوهية المعبود، وانّه مالم ينشأ الفعل أو القول من هذا الاعتقاد لايكون الخضوع أو التعظيم والتكريم عبادة.
فهنا دعويان:
الاَولى: أنّ عرب الجاهلية بل الوثنيين كلّهم وعبدة الشمس والكواكب والجن، كانوا يعتقدون بإلوهية معبوداتهم، ويتخذونهم آلهة صغيرة وفوقهم «الاِله الكبير» الذي نسمّيه «اللّه» سبحانه.
الثانية: أنّ الظاهر من الآيات هو أنّ العبادة عبارة عن الخضوع المحكي بالقول والعمل الناشئين من الاعتقاد بالاِلوهية، إلوهية صغيرة أو كبيرة.
أمّا الدعوى الاَولى فتدل عليها آيات كثيرة نشير إلى بعضها:
(الَّذِينَ يَجعَلُونَ مَعَ اللّهِ إلهاً آخَرَ فَسَوفَ يَعْلَمُون) (الحجر ـ 96).
(والَّذِينَ لايَدْعُونَ مَعَ اللّهِ إلهاً آخَرَ) (الفرقان ـ 68).
(واتـَّخَذُوا مِنْ دُون ِاللّهِ آلهةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً) (مريم ـ 81).
(أئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أنَّ مَعَ اللّهِ آلِهةَ أُخْرى) (الاَنعام ـ 19).
(وإذْ قَالَ إبراهِيمُ لاَبِيهِ آزَرَ أتَتَّخِذُ أصناماً آلِهَةً)(الاَنعام ـ 74).
فهذه الآيات تشهد على أنّ دعوة المشركين كانت مصحوبة بالاعتقاد بإلوهية أصنامهم، وقد فسّر الشرك في بعض الآيات «باتخاذ الاِله» مع اللّه وذلك عندما يقول سبحانه: (وَأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكين* إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِءِين * الّذينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللّهِ إلهاً آخر فَسَوْفَ يَعْلَمُون) (الحجر: 94 ـ 96).
ولذلك يفسّر القرآن حقيقة الشرك بـ «اعتقادهم بإلوهية معبوداتهم» إذ قال سبحانه: (أمْ لَـهُم إلهٌ غَيرُ اللّهِ سُبْحانَ اللّهِ عَمّـا يُشْرِكُونَ) (الطور ـ 43). ففي هذه الآية جعل اعتقادهم بإلوهية غير اللّه هو الملاك للشرك، والمراد هنا «الشرك في العبادة».
وبمراجعة هذه الآيات ونظائرها التي تعرضت لموضوع الشرك وبالاَخص لموضوع شرك الوثنيـين تتجلّى هذه الحقيقـة ـ بوضوح تـام ـ أنّ عبادتهم كانـت مصحوبة مع الاعتقاد بإلوهيتها، بل يمكن استظهار أنّ شركهم كان لاَجل اعتقادهم بإلوهية معبوداتهم، ولاَجل ذاك الاعتقاد كانوا يعبدونهم ويقدمون لهم النذور والقرابين وغيرهما من التقاليد والسنن العبادية. وبما أنّ كلمة التوحيد تهدم عقيدتهم بإلوهية غيره سبحانه، كانوا يستكبرون عند سماعه كما قال سبحانه: (إنَّهُمْ كانُوا إذا قِيلَ لَهُمْ لا إلهَ إلاّ اللّهُ يَسْتَكْبِرُون) (الصافات ـ 35). أي يرفضون هذا الكلام، لاَنّهم يعتقدون بإلوهية معبوداتهم ويعبدونها لاَجل
أنّها آلهة ـ حسب تصوّرهم ـ.
ولاَجل تلك العقيدة السخيفة كانوا إذا دعي اللّه وحده كفروا به، لاَنّهم لايحصرون الاِلوهية به وإذا أشرك به آمنوا، لانطباقه على فكرتهم كما قال سبحانه: (ذَلِكُم بِأنَّهُ إذا دُعِيَ اللّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وإن يُشْرَكْ بِهِ تُوَْمِنُوا فَالحُكْمُ للّهِ العَلِىِّ الكَبِيرِ) (غافر ـ 12). إلى هنا ظهرت الدعوى الاَُولى بوضوح وجلاء.
وأمّا الدعوى الثانية فتدل عليها الآيات التي تأمر بعبادة اللّه، وتنهى عن عبادة غيره، مدللاً ذلك بأنّه لا إله إلاّ اللّه إذ يقول: (ياقوم اعْبُدُوا اللّهَ ما لَكُمْ مِنْ إلَهٍ غَيْرُه) (الاَعراف ـ 59). ومعنى ذلك أنّ الّذي يستحق العبادة هو من كان إلهاً، وليس هو إلاّ اللّه، وعندئذ فكيف تعبدون ماليس بإله، وكيف تتركون عبادة اللّه وهو الاِله الذي يجب أنّ يعبد دون سواه؟ وقد ورد مضمون هذه الآية في 10 موارد أو أكثر في القرآن الكريم، ويمكن للقارىَ الكريم أن يراجع ـ لذلك ـ الآيات التالية:
الاَعراف: 65 ، 73 ، 85، هود: 50 ، 61 ، 84، الاَنبياء: 25، الموَمنون: 23 ، 32، طه: 14.
فهذه التعابير (التي هي من قبيل تعليق الحكم عن الوصف) تفيد أنّ العبادة هي ذلك الخضوع والتذلّل النابعين من الاعتقاد بإلوهية المعبود، إذ نلاحظ ـ بجلاء ـ كيف استنكر القرآن على المشركين عبادة غير اللّه بأنّ هذه المعبودات ليست آلهة، وانّ العبادة من شوَون: الاِلوهية، فإذا وجد هذا الوصف (أي وصف الاِلوهية) في الطرف جاز عبادته واتخاذه معبوداً. وحيث إنّ هذا الوصف لايوجد إلاّ في اللّه سبحانه لذلك تجب عبادته دون سواه.
أمّا السوَال فهو أنّه لا شك أنّ الدعوى الاَولى ثابتة فالمشركون كانوا معتقدين بإلوهية الاوثان، وما أورد من الآيات قد أثبتت ذلك بوضوح، غير أنّ الدعوى الثانية غير ثابتة، وقصارى مايستفاد من هذه الآيات هو أنّ عبادتهم كانت ناشئة من الاعتقاد بإلوهيتها وهذا لايدل على دخول مفهوم الاِلوهية في مفهوم العبادة كما هو المدعى ـ أو دخول كون النشوء عن ذلك الاعتقاد، في مفهومها.
وعلى الجملة فهذه الآيات لاتدل على أكثر من أنّ عبادتهم للاَوثان كانت مصحوبة بهذا الاعتقاد أو ناشئة عنه. وأمّا كون العبادة موضوعة للخضوع الناشىء عن الاعتقاد بالاِلوهية بحيث يكون النشوء عن تلك العقيدة جزءاً لمعنى العبادة فلا يستفاد من الآيات.
وأمّا الجواب فنقول: إنّما يرد الاِشكال لو قلنا بأنّ «الاعتقاد بالاِلوهية» داخل في «مفهوم العبادة» وضعاً حتى يقال إنّ هذه الآيات لاتعطي أزيد من أنّ العبادة من شوَون الاِلوهية، وهذا غير القول باندراج مفهوم الالوهية في مفهوم العبادة، انّما المراد انّ العبادة ليست مطلقة الخضوع والتذلل بل أضيق وأخص منهما، وهذا أمر يعرفه كل إنسان بوجدانه وفطرته، غير أنّنا نشير إلى هذه الخصوصية ونميز هذا الضيق بأنّه خضوع «ناشىَ عن الاِعتقاد بالاِلوهية أو الربوبية» كما سيوافيك في التعريف الثاني، لا أنّ هذه الجملة (ناشىء عن الاعتقاد بالاِلوهية والربوبية) داخلة بتفصيلها في مفهوم العبادة، ومعناها.
وبعبارة اُخرى، أنّ الاِنسان قد لايقدر على تعريف شيء بنوعه وفصله، أو حدّه ورسمه حتى يحدّه تحديداً عقلياً لا خدشة فيه، ولكنّه يجد في نفسه ما هو بمنزلة الجنس والفصل فيضعهما مكان الجنس والفصل الواقعيين، والاَمر فيما نحن فيه كذلك إذ نجد أنّ التعظيم والخضوع والتذلّل وما أشبههما أمر مشترك بين العبادة وغيرها فيتصوّره بمنزلة الجنس لها، ويجد أنّ العبادة تتميز بخصوصية عن غيرها، ولكنّه لايقدر على بيان تلك الخصوصية بلفظ بسيط فيتوسل بوضع جملة مكانه وهي ماذكرناها: «ناشىء عن الاعتقاد بالاِلوهية» ويضعها مكان الفصل.
وبعبارة ثالثة: أنّ الانسان يجد أنّ «العبادة» ليست مطلق التعظيم ونهاية التذلّل بل هي من خصائص من بيده شوَون الاِنسان كلّها، أو شأناً من شوَونه ممّا به قوام حياته عاجلاً أو آجلاً من الموت والحياة، والخلق والرزق، والسعادة والشقاء والمغفرة والشفاعة فيدير شوَونه ويخطط مصيره حسب مايليق به.
غير أنّ هذه الجمل ليست بتفصيلها داخلة في «مفهوم» العبادة. ولكنّه يشار إلى تلك الخصوصية الكامنة والضيق الموجود فيها، بهذه الجمل والتفاصيل وحاشا أن توَخذ هاتيك الجمل فيها بطولها.
وعلى ذلك فيصح أن يقال: العبادة قسم خاص من التواضع والخضوع لفظياً أو عملياً، (يوَتى به لتعظيم مايعتقده العابد بإلوهيته) وما وقع بين الهلالين وإن كان خارجاً عن مفهوم العبادة إلاّ أنّه يبين ما هو المقصود من القسم الخاص من الخضوع في أوّل العبارة.
إلى هنا اتضح أنّ الحق في التعريف هو أن يقال: العبادة هي الخضوع النابع عن الاعتقاد بإلوهية المعبود
التعريف الثاني: العبادة: هي الخضوع أمام من يعتقد بأنّه يملك شأناً من شوَون وجوده وحياته وآجله وعاجله.
وتوضيح ذلك: أنّ العبودية من شوَون المملوكية ومن مقتضياتها، فعندما يحس العابد في نفسه بنوع من المملوكية، ويحس في الطرف الآخر بالمالكية يفرّغ إحساسه هذا ـ في الخارج ـ في ألفاظ وأعمال خاصة، وتصير الاَلفاظ والاَعمال تجسيداً لهذا الاِحساس، ويكون كل عمل أو لفظ مظهر لهذا الاِحساس العميق عبادة. ولاشك أنّ المقصود بالمالكية ليس مطلق المالكية فالاعتقاد بالمالكية القانونية والاعتبارية لايكون ـ أبداً ـ موجباً لصيرورة الخضوع عبادة، إذ أنّ البشر في عصور: «العبوديات الفردية» بالاَمس، وكذا في عصر: «العبودية الجماعية» الراهن لايعد امتثاله لاَوامر أسياده عبادة ... فلا بد أن يكون المقصود من المملوكية ـ هنا ـ هي القائمة على أساس الخلق والتكوين وانّ شأناً من شوَون حياته في قبضته.
وإليك بيان مناشىَ أنواع المالكيات الحقيقية.
1 ـ قد يوصف بالمالكية لكونه خالقاً، ولذلك يكون اللّه سبحانه مالكاً حقيقياً للبشر لاَنّه خالقه، وموجده من العدم، ولهذا نجد القرآن الكريم يعتبر جميع الموجودات الشاعرة ـ مثلاً ـ عبيد اللّه، ويصفه تعالى بأنّه مالكها الحقيقي وذلك لاَنّه خلقها إذ يقول: (إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَـواتِ والاََرْضِ إِلاّ آتي الرحمانِ عَبْداً) (مريم ـ 93)
ولاَجل ذلك أيضاً نجده يأمرهم بعبادة نفسه معلّلاً بأنّه هو ربّهم الذي خلقهم دون سواه إذ يقول: (يا أيٌّها الناسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الّذِي خَلَقَكُمْ والّذينَ مِن قَبْلِكُمْ) (البقرة ـ 21) و(ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ) (الاَنعام ـ 102)
2 ـ وقد يوصف بالمالكية لكونه رازقاً ومحيياً ومميتاً، ولذلك يحس كل بشر سليم الفطرة بمملوكيته للّه تعالى لاَنّه مالك حياته ومماته ورزقه، ولهذا يلفت القرآن نظر البشر إلى مالكية اللّه لرزق الاِنسان وأنّه تعالى هو الذي يميته وهو الذي يحييه ليلفته من خلال ذلك إلى أنّ اللّه هو الذي يستحق العبادة فحسب. إذ يقول:
(اللّهُ الّذي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ) (الروم ـ 40)
(هَلْ لَكُمْ مِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ في ما رَزَقْناكُمْ) (الروم ـ 28)
(هُوَ يُحْيِي وَيُمِيت) (يونس ـ 56)
3 ـ وقد يوصف بها لكون الشفاعة والمغفرة بيده وحيث إنّ اللّه تعالى هو المالك للشفاعة المطلقة: (قُلْ لِلّهِ الشفاعةُ جَمِيعاً) (الزمر ـ 44) ولمغفرة الذنوب: (وَمَنْ يَغْفِرُ الذُنوُبَ إلاّ اللّه) (آل عمران ـ 135)
بحيث لايملك أن يشفع أحد لاَحد من العباد إلاّ بإذنه لذلك يشعر الاِنسان العادي في قرارة ضميره بأنّ اللّه سبحانه مالك مصيره من حيث السعادة الاَُخروية، وإذا أحسّ إنسان بمملوكية كهذه ومالكية مثل تلك ثم جسّد هذا الاِحساس في قالب اللفظ أو العمل فإنّه يكون بذلك عابداً له دون ريب.
وإلى ذلك يرجع ما ربّما يفسّر العبادة بأنّها الخضوع أمام من يعتقد بربوبيته فمن كان خضوعه العملي أو القولي أمام أحد نابعاً من الاعتقاد بربوبية ذلك الطرف كان بذلك عابداً له.
فالمقصود من لفظة «الرب» في التعريف هو المالك لشوَون الشيء المتكفّل لتدبيره وتربيته.
وعلى ذلك تكون لفظة العبودية في مقابل الربوبية، أي مالكية تربية الشيء وتدبيره، ومصيره عاجلاً وآجلاً.
ويدل على ذلك أنّ قسماً من الآيات تعلّل الاَمر بحصر العبادة في اللّه وحده بأنّه الرب لا غير، وإليك بعض هذه الآيات:
(وَقالَ المسيحُ يابَنِي إسرائيلُ اعبُدُوا اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُم) (المائدة ـ 72)
(إنَّ هذِهِ اُمَّتُكُمْ اُمّةً واحِدةً وَأنا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُون) (الاَنبياء ـ 92)
(إنَّ اللّهَ رَبّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُستَقِيمٌ) (آل عمران ـ 51)
وقد ورد مضمون هذه الآيات، (أعني: جعل العبادة دائرة مدار الربوبية) في آيات أُخرى هي:
يونس: 3، الحجر: 99، مريم: 36، 65، الزخرف: 64.
وعلى كل حال فانّ أوضح دليل على هذا التفسير للفظ العبادة هو الآيات التي سبق ذكرها.
التعريف الثالث: إنّ العبادة هي الخضوع ممّن يرى نفسه غير مستقل في وجوده وفعله، أمام من يكون مستقلاً. وقد وصف اللّه سبحانه وتعالى نفسه ـ في غير موضع من كتابه ـ بالقيّوم فقال عزّ وجلّ: (اللّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الحَيُّ القُيُّومُ) (البقرة ـ 255) ومثله في آل عمران ـ 2. وقال سبحانه: (وَعَنَتِ الوُجُوهُ لِلحَيِّ القَيُّوم) (طه ـ 111).
ولا يراد منه سوى كونه قائماً بنفسه، وليست فيه أيّة شائبة من الفقر والحاجة إلى الغير بل كل ما سواه قائم به.
وبعبارة أُخرى: العبادة نداء اللّه تعالى وسوَاله والقيام بالخضوع وإنزال حاجات الدنيا والآخرة على أنّه الفاعل المختار والمالك الحقيقي لاَمور الدنيا والآخرة كلّها، والمتصرّف فيها فلو نودي موجود آخر بهذا الوصف تماماً أو بعضاً فالنداء عبادة له وشرك فيها والمنادي مشرك بلا كلام.
وعلى ذلك فلو خضع واحد منّا أمام موجود زاعماً بأنّه مستقل في ذاته أو فعله لصار الخضوع عبادة، بل لو طلب فعل اللّه سبحانه من غيره كان هذا الطلب نفسه عبادة وشركاً، فانّ الطلب في هاتيك الموارد لاينفك عن الخضوع، فالذي يجب التركيز عليه هو أن نعرف ما هو فعل اللّه سبحانه، ونميزه عن فعل غيره حتى لانقع في ورطة الشرك عند طلب شيء من الاَنبياء والاَولياء وغيرهم من الناس فنقول:
إنّ من أقسام الشرك هو أن نطلب فعل اللّه من غيره، والمعلوم أنّ فعل اللّه ليس هو مطلق الخلق والتدبير والرزق سواء أكان عن استقلال أم بإذن اللّه، لاَنّه سبحانه نسبها إلى غيره في القرآن، بل هو القيام بالفعل مستقلاً من دونه استعانة بغيره، فلو خضع أحد أمام آخر بما أنّه مستقل في فعله سواء أكان الفعل فعلاً عادياً كالمشي والتكلّم، أم غير عادي كالمعجزات التي كان يقوم بها سيدنا المسيح ـ عليه السلام ـ (1)مثلاً، يعد الخضوع عبادة للمخضوع له. كما في الآية 49 من آل عمران: (إنّي أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن اللّه وأُبرىَ الاَكمه والاَبرص وأُحيي الموتى بإذن اللّه وأُنبّئكم بما تأكلون وما تدّخرون في بيوتكم)
توضيحه: أنّ اللّه سبحانه غني في فعله، كما أنّه غني في ذاته عما سواه فهو يخلق ويرزق ويحيي ويميت من دون أن يستعين بأحد(2)أو يستعين في خلقه بمادة قديمة غير مخلوقة له، بل اللّه سبحانه يخلق الجميع بنفسه من دون استعانة بأحد أو بشيء، فهو يخلق المادة ويصوّرها كيف شاء. فلو اعتقدنا أنّ أحداً مستغن في فعله العادي، وغير العادي عمّن سواه، وأنّه يقوم بما يريد من دون استعانة أو استمداد من أحد حتى اللّه سبحانه فقد أشركناه مع اللّه واتخذناه ندّاً له تعالى.
وصفوة القول هي: إنّ ملاك البحث في هذا التعريف هو: «استقلال الفاعل» في فعله وعدم استقلاله، والتوحيد بهذا المعنى ممّا يشترك فيه العالم والجاهل.
ماذا يراد من التفويض؟
اتفقت كلمة الموحدين على أنّ الاعتقاد بالتفويض موجب للشرك، وأنّ الخضوع النابع من ذاك الاعتقاد يعد عبادة للمخضوع له، والتفويض يتصوّر في أمرين:
1 ـ تفويض اللّه تدبير العالم إلى خيار عباده من الملائكة والاَنبياء والاَولياء. ويسمّى بالتفويض التكويني.
2 ـ تفويض الشوَون الاِلهية إلى عباده كالتقنين والتشريع، والمغفرة والشفاعة مما يعد من شوَونه سبحانه. ويسمّى بالتفويض التشريعي.
أمّا القسم الاَوّل:
فلا شك أنّه موجب للشرك، فلو اعتقد أحد بأنّ اللّه فوّض أُمور العالم وتدبيرها من الخلق والرزق والاِماتة ونزول الثلج والمطر وغيرها من حوادث العالم إلى ملائكته أو صالحي عباده، فقد جعلهم أنداداً له سبحانه، إذ لا يعني من التفويض، إلاّ كونهم مستقلّين في أفعالهم، منقطعين عنه سبحانه فيما يفعلون وما يريدون.
وبالجملة: فتفويض التدبير الى العباد قسم من استقلال العبد في فعله وعمله عمّن سواه، سواء أكان ذاك الاستقلال في الاَفعال الراجعة إلى نفسه كمشيه وتكلّمه أم في الاَفعال الراجعة إلى تدبير العالم والحوادث الواقعة فيه. غير أنّه لما كان زعم الاستقلال في أفعال العباد العادية بحثاً فلسفياً بحتاً لم يتوجه إليه مشركو الجاهلية، لذلك خصّوا البحث بالاعتقاد باستقلالهم في تدبير العالم.
وان أصبح الاَوّل أيضاً مثار بحث ونقاش في العهود الاِسلامية الاَُولى، بحيث قسّم الباحثين إلى جبري وتفويضي.
والخلاصة: انّ الاَمر دائر بين كون العبد ذا فعل بالاستقلال والانقطاع عن اللّه سبحانه، أو كونه ذا شأن بأمره تعالى وإذنه ومشيئته، وليس التفويض أمراً ثالثاً، بل هو داخل في القسم الاَوّل.
وأمّا الاعتقاد بأنّ القدّيسين من الملائكة والجن، أو النبيّ والولي مدبّرون للعالم بإذنه ومشيئته، وأمره وقدرته من دون أن يكونوا مستقلّين فيما يفعلون، أو مفوّضين فيما يصدرون فلا يكون ذاك موجباً للشرك بل أمره دائر ـ حينئذ ـ بين كونه صحيحاً مطابقاً للواقع كما في الملائكة أو غلطاً مخالفاً للواقع كما في النبي والولي، فانّ الاَنبياء والاَولياء غير واقعين في سلسلة العلل والاَسباب، بل هم كسائر الناس يستفيدون من النظام الطبيعي بحيث يختل عيشهم وحياتهم عند اختلال تلك النظم، ومعلوم أنّه ليس كل مخالف للواقع يعتبر شركاً إذ عند ذاك يحتل الولي مكان العلّة الطبيعية والنظم المادية، وليس الاعتقاد بوجود هذا النوع من العلل والاَسباب مكان النظم المادية للظاهرة شركاً.
هذا ومن الجدير بالذكر أنّ مشركي عهد الرسالة كانوا يعتقدون لآلهتهم نوعاً من الاستقلال في الفعل. وكانوا يتوجهون إليها على هذا الاَساس وقد مرّ أنّ عمر بن لحي عندما سافر من مكة إلى الشام ورأى أُناساً يعبدون الاَصنام فسألهم عن سبب عبادتهم لها فقالوا له:
«هذه أصنام نعبدها فنستمطرها فتمطرنا ونستنصرها فتنصرنا» (1)
وقد كان ثمّة فريق من الحكماء يعتقدون بأن لكل نوع من الاَنواع «ربّ نوع» فوض إليه تدبير نوعه، وسلّمت إليه إدارة الكون التي هي من شأن اللّه ومن فعله تعالى. كما أنّ عرب الجاهلية الذين عبدوا الملائكة الكواكب ـ سياراتها وثوابتها ـ إنّما كانوا يعبدونها لاَنّ أمر الكون وأمر تدبيره قد فوض إليها ـ كما في زعمهم ـ وأنّ اللّه عزل عن مقام التدبير عزلاً تاماً، فهي مالكة التدبير دون اللّه، وبيدها هي دونه ناصية التصرف، ولهذا كان يعتبر أي خضوع يجسد هذا الاحساس عبادة. وسيوافيك عقائد عرب الجاهلية حول معبوداتهم.
إذا اعتقدنا بأنّ اللّه سبحانه فوّض إلى أحد مخلوقيه بعض شوَونه كالتقنين والتشريع، والشفاعة والمغفرة فقد أشركناه مع اللّه، وجعلناه نداً له سبحانه، كما يقول القرآن الكريم: (وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللّهِ أنداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّه) (البقرة ـ 165).
ولاريب أنّ الموجود لايقدر أن يكون نداً للّه سبحانه إلاّ إذا كان قائماً بفعل أو شأن من أفعال اللّه وشوَونه سبحانه «مستقلاّ ً» لا ما إذا قام به بإذن اللّه وأمره، إذ لا يكون عند ذاك نداً للّه، بل يكون عبداً مطيعاً له، موَتمراً بأمره، منفذاً لمشيئته تعالى.
هذا وقد كان أخف ألوان الشرك وأنواعه بين اليهود والنصارى وعرب الجاهلية اعتقاد فريق منهم بأنّ اللّه فوّض حق التقنين والتشريع الى الرهبان والاَحبار كما يقول القرآن الكريم: (اِتـَّخَذُوا اَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ اَرْباباً مِنْ دُونِ اللّه) (التوبة ـ 31) وأنّ اللّه فوّض حق الشفاعة والمغفرة التي هي حقوق مختصة باللّه إلى أصنامهم ومعبوداتهم، وأنّ هذه الاَصنام والمعبودات مستقلّة في التصرف في هذه الشوَون ولاَجل ذلك كانوا يعبدونها، لاَجل أنّها شفعاوَهم عند اللّه، وبأيديها أمر الشفاعة، كما يقول سبحانه:
(وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هوَلاءِ شُفَعاوَنا عِنْدَ اللّه) (يونس ـ 18).
ولذلك أصرّت الآيات القرآنية على القول بأنّه لايشفع أحد إلاّ بإذن اللّه، فلو كان المشركون يعتقدون بأنّ معبوداتهم تشفع لهم بإذن اللّه لما كان لهذا الاِصرار على مسألة متّفق عليها بين المشركين، أي مبرر ، على أنّ ذلك الفريق من عرب الجاهلية الذين كانوا يعبدون الاَصنام، إنّما كانوا يعبدونها لكونها تملك شفاعتهم لا أنّها خالقة أو مدبرة للكون، وعلى أساس هذا التصوّر الباطل كانوا يعبدونها وكانوا يظنون أنّ عبادتهم لها توجب التقرّب إلى اللّه إذ قالوا:
(ما نَعْبُدُهُمْ اِلاّ لِيُقَرِّبُونا إلى اللّهِ زُلْفى) (الزمر ـ 3).
لا ملازمة بين توزيع الالوهية ونفي الاِله الاَعلى :
إنّ توزيع الالوهية على صغار الآلهة المتخيلة أمر باطل عقلاً ونقلاً، ولانطيل الكلام بسوق براهينه العقلية وما تدل عليه من الآيات.
ثم إنّ توزيع شوَون الالوهية ـ كما في زعم عرب الجاهلية ـ ما كان يلازم نفي الاِله الاَعلى القاهر، بل كان الجاهليون يعتقدون بالاِله الاَعلى رغم عبادتهم للاَصنام واعتقاد توزيع الالوهية عليها.
لكن الاَُستاذ المودودي(1)أبطل فكرة توزيع الالوهية معلّلاً بأنّ: هذا التوزيع لا يجتمع مع الاعتقاد بإله أعلى حيث قال:
«إنّ أهل الجاهلية ما كانوا يعتقدون في آلهتم أنّ الالوهية قد توزّعت فيما بينهم فليس فوقهم إله قاهر بل كان لديهم تصوّر واضح لاِله كانوا يعبّرون عنه بكلمة اللّه في لغتهم».
وفي هذا الكلام نظر، فإنّ الجمع بين قوله: «إنّ الالوهية توزّعت فيما بينهم» وقوله: «فليس فوقهم إله قاهر» يوهم بأنّ القول بتوزيع الالوهية يلازم القول بنفي الاِله القاهر الذي هو فوق الكل، ولكنّه ليس كذلك، فإنّ الصابئة الذين ورد ذكرهم في القرآن أثبتوا للشمس الاِلوهية والتدبير مع القول بوجود إله قاهر حيث قالوا:
«إنّ الشمس ملك من الملائك ولها نفس وعقل ومنها نور الكواكب وضياء العالم، وتكوّن الموجودات السفلية فتستحق التعظيم والسجود والتبخير والدعاء»
وأي الوهية أكبر من تكوين الموجودات السفلية التي ينسبها اللّه سبحانه في القرآن إلى ذاته.
ومن الصابئة من يقول:
«إنّ القمر ملك من الملائك، يستحق العبادة واليه تدبير هذا العالم السفلي والاَُمور الجزئية، ومنه نضج الاَشياء المتكوّنة وإيصالها إلى كمالها»
وليس لاَحد أن يفسّـر قولهم بأنّ الشمس والقمر كانا ـ في عقيدتهم ـ يحتلاّن محل العلل الطبيعية، وانّهما كانا يقومان بنفس الدور لا أكثر، فانّ المفروض أنّهم جعلوهما من الملائكة وأثبتوا لهما العقل والنفس والتدبير القائم على التفكير، وهذا يناسب الالوهية، وكونهما إلهين، لاكونهما عللاً طبيعية، إذ لو كان عللاً طبيعية لما عبدوهما بتلك العبادة. فإذن لا مانع من أن يعتقد المشرك ـ في حين اعتقاده بتوزيع شوَون الالوهية بين صغار الآلهة ـ بوجود إله قاهر وهو الذي وزّع الالوهية.
فالعربي الجاهلي كان يعتقد بتفويض المغفرة والشفاعة إلى أصحاب الاَصنام والاَوثان مع اعتقاده بوجود إله آخر قاهر وأعلى. والمغفرة والشفاعة من شوَون الالوهية، والدليل على أنّهم كانوا يعتقدون بالتفويض، هو إصرار القرآن على القول بأنّه لاشفاعة إلاّ بإذن اللّه سبحانه:
(مَنْ ذَا الّذي يَشْفَعُ عِنْدَهُ اِلاّ بإذنِهِ) (البقرة ـ 255).
وأنّ اللّه هو الذي يغفر الذنوب: (وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ اِلاّ اللّه) (آل عمران ـ 135).
باختصار للكاتب الاِسلامي جعفر السبحاني
| < السابق |
|---|






![]() | اليوم | 43 |
![]() | أمس | 153 |
![]() | هذا الأسبوع | 43 |
![]() | الأسبوع الماضي | 1289 |
![]() | هذا الشهر | 3876 |
![]() | الشهر الماضي | 4877 |





