يا واقفاَ في الصلاة بجسده والقلبُ غائب؟!
يا واقفاَ في الصلاة بجسده والقلبُ غائب، أتدري بين يدي من أنت قائم؟ أتدري من اطلع عليك؟
ما يصلح ما بذلتَه من التعبد مهراً للجنة فكيف ثَمَناً للمحبة؟ْ
رأت فاْرة جَمَلاً فأعجبها، فَجَرَتْ بخطامه فتبعها، فلمّا وصل إلى باب بيتها وقف ونادى بلسان الحال: إمّا أن تتَخذي داراً تليقُ بمحبوبك أو محبوباَ يليقُ بداركْ؟! خُذْ من هذا إشارة إما أن تُصَلِّي صلاةً تليقُ بمعبودك أو معبوداً يليقُ بصلاتك.
يا مَنْ وافق القوم، ولو بعض يوم، لك في طريقهم ذوق، فأين الشوق؟ كنتَ تدّعي حُبَّنا وتؤثر الشوق منّا، فما هذا الصبرُ الذي عَن عَنّا؟ تعرفُ رياح الأسحار، وما تعرفُ المَهَبّ؟، ولكن دخل فصلُ برد الفتور ولم يحترز فأصابك ركام الغفلة.
يا مَنْ ذهب عمره في البَطالةْ، ورضيَ من الدنيا بأقبح حالَةْ، معمور الظاهر والباطن مهدوم، يا معاشر العُصاة لا تحتقروا ذنباً وإن صَغُر، فإنّ الحشيش يفتل منه الحَبْل فيخنق الفيل المغتلم، أول الحريق شرارة، يا من يُذنب ولا يتوبُ يا من أعمت قلبَهُ الذنوبُ، يَعِدُ بالتوبة ولا وَعْدَ عُرقوب، إلى متى تتعثر في ظلمة البعادْ، واعدْ نفسك بتوبةٍ واعزم وقد حَصَّلْتها.
يا من عليه صورة التعبد وليس عليه وجدان العبادة. وقد يَتَزَيا بالهوى غيرُ أهلِه، مثلُكَ لا يصلح للمحبة، أنت يأسرك حُبُ حَثه، لا يشتم ريحَ نجدٍ إلاّ أعرابي، كيف يصلح في شرع المِحبة نومٌ بعد ترغيب: "هل من سائلٍ فأعطيه"
يا مسكين لو أرادوا قربك لاستخدموك، لو تذللت لهم لرحموك، لكنّك أعرضت عنهم فتركوك، ولم تَأْتِ على المقصود فأبعدوك، وعن بابهم وفضلهم طردوك، فإِن أردتَ قربهم فابك على نفسك وقد قبلوك.
يا معاشر العُصاة! تُعرضون عنا ونُقبل عليكم، وتبارزون ونستركم، وتنفقون نعمتنا في مخالفتنا ونمدّكم، وتنأون عنا ونستدعيكم، "هل من سائل فأعطيَهُ"، "هل من مستغفرِ فأغفر له"، "هل من تائب فأتوب عليه"، يا مَرْضَى الذنوب داووها بالاستغفار.
أناسٌ أعرضوا عَنا ... بلا جُرمِ ولا معنى
اساءوا ظنَّهم فينا ... وما سِئْنا بهم ظنّا
فإنْ عادوا لنا عُدْنا ... وإنْ خانوا فما خُنّا
وإنْ كانوا قد استغنوا ... فإنّا عنهُمُ أغنى
يا ابن آدم ! أقبل عليَّ فإنّي عليك مقبل، ومتى رمتَ طلبي فاطلبني بقلبك، بدليل "ويسعني قلب عبدي المؤمن"، يا آدم أنا وحقّي لك محبّ، فبحقِّي عليك كُنْ لي مُحِباً.
ساكنٌ في القلب يعمرُهُ ... لستُ أنساه فأذكره
نصب عيني دائماً أبداً ... و سويدا القلب يبصره
تبعدون عَنّا ونرسل إليكم مسائل: "هل من سائل"، "هل من مستغفر"، "هل من تائب"، وتُذنبون فيأتيكم منّا عذرٌ: "لو لم تُذنبوا لأتى اللهُ بقومٍ يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم".
تشاغلتُمُ عنّا بصحبة غيرنا ... وأظهرتُمُ الهجران ما هكذا كُنا
وأقسمتموا أن لا تحولوا عن الهوى ... فقد وجلال الله حلتم وما حلنا
يقول الله - عَزّ وجل: وعزتي و جلالي لأمهلن على من عصاني يتلذّذ بنعماي، فإِن استحيا مني استحييت منه، وإنْ أعرض عني نظرتُ إليه بالفضل وإن تاب إليّ تبت عليه، وإنْ قال : يا رب! قلتُ : يا عبدي.
إخواني ! ينبغي للإنسان أن لا يقف إلاّ بباب مولاه، ولا ينبغي عوضاً سواه، ولا يدعو إلا إيّاه، ولا - يجعل بينه وبينه حجاباً، ويسأله حاجاته القليل والكثير، قال موسى: يا ربّ أسألك القليل والكثير، قال : سلني كل شيءِ حتى ملْحَ عَجينك وعَلَفَ شاتكْ انظر إلى موسى وأدبه (ربِّ أَرِني أَنْظُر إليك) تارة، وتارة رغيفاً (إنّي لما أنزلتَ إليَّ من خيرٍ فقيرُ).
إخواني ! انظروا إلى يوسف عليه السلام لمّا قال للساقي: (اذكرني عند ربَّك) يعني عند سيّدك وهو الملك انقطع عنه جبريل عليه السلام وكان قبل هذا يزوره، فأوحى الله إليه يا يوسف اتخذت من دوني وكيلاً، وعزّتي لأطيلنّ حبسك فيُقال إنّه لبث في السجن اثنتي عشرة سنة وهي عدد حروف " اذكرني عند ربك " خمسة قبل ذكره وسبعة بعده فلمّا كان منه ما كان من رؤية الأسباب والوسائط والالتجاء بغير جناب الحق، كانت عقوبته انقطاع جبريل عنه فَعَظُم حزنُ يوسف لذلك واغتم واشتدّ غَمُّه :
بِنتُم فأوحشتُمُ الدنيا لِبَيْنِكُمُ ... فاليوم لا عوضٌ عنكم ولا بَدَلُ
حملتموني على ضعفي لفرقتكم ... ما ليس يحمله سَهْل ولا جَبَلُ
إذا شممتُ نسيماً من دياركُمُ ... عدمتُ عقلي كأنّي شاربٌ ثَمِلُ
من كتاب المنثور لابن الجوزي
| < السابق |
|---|






![]() | اليوم | 34 |
![]() | أمس | 153 |
![]() | هذا الأسبوع | 34 |
![]() | الأسبوع الماضي | 1289 |
![]() | هذا الشهر | 3867 |
![]() | الشهر الماضي | 4877 |





