معاني وحكم في الحج
الحكمة في العبادات
اعلم أخي الحاج أن الغاية من الخلق هي التعبد والامتثال لأمر الله عز وجل ، قال الله تعالى : {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} سورة الذاريات (56) ،
ومقصود العبادات كلها التقرب إلى الله عز وجل ، والتقرب من جوده وإحسانه المختصين بعباده المؤمنين ، وأن يعامل المتقرب إليه بالطاعة والتعظيم ،والخضوع والتفخيم .
والعبادات والأدب فيها تحتاج لأحكام توضح كيفيتها ، وهذه الأحكام – ومنها أحكام الحج- تقسم من حيث إدراك حكمة التشريع فيها إلى نوعين :
1. أحكام معللة : وهي الأحكام التي تدرك حكمة تشريعها ،غما لوجود نص على هذه الحكمة ،
او ليسر استنباطها ،والمراد بالحكمة هنا مصلحة العبد الدنيوية ، اما مصلحته الأخروية من دخول الجنة والخلاص من العذاب ،فهي ملازمة لتلبية كل أمر إلهي .
2. أحكام تعبدية : وهي الأحكام التي لا تدرَك فيها المناسبة بين الفعل والحكم المرتب عليه ،
والمراد من تشريع الأحكام التعبدية هو اختيار مدى إيمان العبد ،ومما يجب علمه في هذا المقام ،أن الشريعة لم تأتِ بما ترفضه العقول السليمة ،انطلاقاً من قوله تعالى : {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ} سورة فصلت (46) ، ولكنها قد تأتي بما تـَعجَز العقولُ عن إدراكه {إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ } سورة هود (107) ، وشتان بين الأمرين .
إن اقتناع الإنسان بوجود الله وحكمته ،وباستحقاقه للربوبية وحده دون غيره ، واقتناعه بالمعجزات الدالة على صدق الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ،المبلِّغ عن الله تعالى ،فإنه بذلك يكون قد أقر لله سبحانه بالحاكمية والربوبية ،وأقر على نفسه بالعبودية ،فإذا ما أُمِر أو نُهِي عن شيء ،فقال : لا أمتثل حتى أعرف الحكمة فيما أمرت به أو نهيت عنه ،يكون قد كذب نفسه في دعوى أنه مؤمن بالله ورسوله ، فإنّ للعقول حدّا ينتهي إليه إدراكها ، كما أن للحواس حدا تقف عنده ولا تتجاوزه ، والمؤمن الحق إذا أمر بأمر أو نهي عنه ،يقول : سمعت وأطعت (1) ، وأغلب أفعال الحج تعبدية لا تُعلل ولا يُعرَف لها معنى من طريق النظر ، ولكن قد تُنال عن طريق الكشف و الإلهام الإلهي (2) الوارد على قلوب العارفين ، بطريق العلم الذي قال فيه تعالى : {وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ }(3) . وقال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم : (إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا العلماء بالله ،فإذا نطقوا به ،لم ينكره إلا أهل الغرة بالله عز وجل ) (4) .وقال صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم : ( من عمل بما يعلم ورّثه الله علم ما لا يعلم ) (5) ، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم : (لا يكون المرء عالماً حتى يكون بعلمه عاملاً ) (6) .
يقول سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما : << ليس من أفعال الحج و لوازمه شيء إلا وفيه حكمة بالغة ، ونعمة سابغة ، ونبأ وشأن وسر يقصر عن وصفه كل لسان >> . والحج المبرور يتكامل بعمل القلب والجوارح ،فالجوارح دورها بالطواف والسعي والرمي و ... ،أما وظيفة القلب فهي نيته هذه الأعمال ، وكذلك المعرفة وصدق التوجه و الإخلاص .
=========================
1. الموسوعة بتصرف
2. كما أورد ابن حجر المكي أن الله تعالى يفيض على أوليائه الذين انتقوا الأحكام الظاهرة والأعمال الخالصة من مواقع الإلهام ، والتوفيق ، والأحوال ، والتحقيق ، ما يفرّقون به على من عداهم .
3. البقرة / 282
4. الديلمي في مسند الفردوس وأبو عبد الرحمن السلمي في الأربعين في التصوف .
5. أبو نعيم في الحلية .
6. ابن حبان في روضة العقلاء . والبيهقي في المدخل موقوفاً على أبي الدرداء .
=========================
يقول حجة الإسلام الغزالي : << العبادات التي هي أدوية داء القلوب ،لا تخلو عن سر من الأسرار هو من قبيل الخواص التي لا يطلع عليها إلا بنور النبوة ، ولقد تحامق وتجاهل جداً ، من أراد أن يستنبط بطريق العقل لها حكمة ، أو ظن أنها ذكرت على سبيل الاتفاق ، لا عن سر إلهي يقتضيها بطريق الخاصية >> << وضبط الحركات بموازين المعاني سجية أولياء الله تعالى ،وكما كانت حركات الإنسان وخطراته إلى الضبط أقرب وعن الإهمال و تركه سدى أبعد ، كانت مرتبته إلى رتبة الأنبياء و الأولياء أكثر ، وكان قربه من الله عز وجل أظهر >> << فلا تغفل عن الصحابة وعلو منصبهم ، فقد أجمع على تقدمهم وأنهم لا يدرك في الدين شأوهم ولا يشق غبارهم ، ولم يكن تقدمهم بالكلام والفقه ، بل بعلم الآخرة ، وسلوك طريقها وما فضل أبو بكر رضي الله عنه الناس بكثرة صيام ولا صلاة ولا بكثرة رواية ولا فتوى ولا كلام ، ولكن بشيء وقر في صدره كما شهد له سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم >> .
وقال سيدنا علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه : (علَّمني رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين باباً من العلم ، لم يعلِّم ذلك أحداً غيري ) . فليكن حرصك في طلب ذلك السر الذي هو فهم حقائق العبادات ومعانيها ، فهو الجوهر النفيس ، والدرّ المكنون .
ولنعد إلى الحج ،فهو رحلة بالجسد إلى البيت ،وارتحال بالقلب إلى رب البيت ، وشروطها تسليم القلب لبارئه ،و تحريره من قيود النفس وأغلال الشيطان وأطماع الدنيا ، وذلك بأن يبلغ القلب حداً من الأدب يؤهله للطواف والسعي والوقوف بحضرة الله تعالى ، ومن الأدب الأخذ بالسبب أدباً مع خالق الأسباب ، وأن تكون مستطيعاً بأخلاقك للوصول إلى حضرته تعالى .
وقد اخترت نصوصا تتعلق بالحج _بقليل من الاختصار والتصرف _بما يتناسب مع سياق الموضوع لبعض العلماء العاملين ، ولنبدأ بخير الكلام آيات كريمة وأحاديث شريفة :
الفصل الثاني آيات كريمة وأحاديث شريفة في فضل الحج
قال تعالى : {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ } (96/97) سورة آل عمران .
{وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} (125) سورة البقرة
{وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} (27/28) سورة الحـج
قيل إن المنافع ،هي التجارة في الموسم والأجر في الآخرة ،والاجتماع بالمسلمين والتآلف معهم ، ونفي مظاهر التمييز و الاختلاف ، فكلهم ضيوف الرحمن في بيته ، كما أن الحج تربية للبدن على تحمل المشاق ، وللنفس على محاسن الأخلاق .
{الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ} (197) سورة البقرة .
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم : (من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيومَ ِ ولدته أمه ) متفق عليه.
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم : ( ينزل على هذا البيت في كل يوم مائة وعشرون رحمة ستون للطائفين وأربعون للمصلين وعشرون للناظرين ) ابن حيان و البيهقي .
وقال صلى الله عليه وسلم : ( العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ) البخاري ومسلم .
قال الفضيل بن عياض رحمه الله لبعض من حج : << يا هذا ، إن الله تعالى يختم على عمل الحاج بطابع من نور ،فإياك أن تفلت ذلك الختم بمعصية الله عز وجل >>
وقال صلى الله عليه وسلم : ( الحجاج والعمَّار وفد الله ،إنْ دعوه أجابهم ، وإن استغفروه غفر لهم ) ابن ماجة .
وقال صلى الله عليه وسلم : ( اللهم اغفر للحاج ولمن استغفر له الحاج ) الحاكم و البيهقي .
لذا كان من سنة السلف رضي الله عنهم أن يستقبلوا الحجاج ، ويقبّلوا بين أعينهم ، ويسألوهم الدعاء ويبادروا ذلك قبل أن يتدنسوا بالآثام .
وقال صلى الله عليه وسلم : ( ما من يوم أكثر من أن يعتق الله _عز وجل_ فيه عبدا أو أمَة من النار من يوم عرفة ، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة ، ويقول : ما أراد هؤلاء ؟ ) مسلم و النَّسائي .
وقال صلى الله عليه وسلم : ( ما رؤي الشيطان في يوم أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه يوم عرفة ) مالك والبيهقي .
وقال صلى الله عليه وسلم : ( أعظم الناس ذنباَ من وقف بعرفة فظن أن الله تعالى لم يغفر له ) الخطيب في المفترق والديلمي في مسند الفردوس
روي عن سيدنا علي كرَّم الله وجهه أنه سئل عن الوقوف ،لمَ كان بالجبل دون الحرم ؟ .فقال :لأن الحرم بيت الله ، والجبل بابه ،فلما قصدوه أوقفهم على الباب يتضرعون ،فقيل : يا أمير المؤمنين ، فالوقوف بالمشعر الحرام ، لماذا ؟ . قال : لأنه لمّا أذن لهم بالدخول إليه أوقفهم على الباب الثاني وهو المزدلفة ،فلما طال وقوفهم ،أذن لهم بذبح قربانهم بمنى ،فلما أن قضوا تفثهم وتطهروا بها من الذنوب ،أذن لهم بالزيارة على طهارة ، قيل : يا أمير المؤمنين ، من أين حرّم صيام أيام التشريق ؟ ،قال :لأن القوم زاروا ربهم في ضيافته ، ولا يجوز للضيف أن يصوم إلا بإذن من أضافه .
الفصل الثالث معاني بعض أعمال الحج عند الشبلي [مختصرة من محاورة الشبلي رحمه الله مع أحد أصحابه . _والشبلي هو أبو بكر بن جحدر توفي سنة 334 هـ في بغداد ،صحب أبا القاسم الجنيد ومن عاصره من المشايخ ،وصار أوحد أهل زمانه علماً وحالاً وظرفاً_ .]
- عقد الإحرام بالحج هو أن تفسخ بإحرامك كل عقد عقدته ،منذ خلقت مما يضاد ذلك العقد .
- نزع ثياب الإحرام : هو التجرد من كل شيء _سوى الله _.
- الطهارة : زوال كل علة عنك بطهرك .(أي تطهر نفسك من عيوبها) .
- التلبية : أن تجد جواب تلبيتك مثله .
- دخول الحرم : أن تعتقد في دخولك الحرم، ترك كل محرّم .
- دخول المسجد الحرام : دخولك في قرب مَن حيث علمت .
- رؤية الكعبة :أن ترى ما تقصد إليه .
- الرمل والمشي في الطواف : الهرب من الدنيا _أي من فتنتها _ هرباً يقطعك عنها ، ثم المشي أمناً مما هربت منه ، وذلك يقتضي الشكر لله .
- تقبيل الحجر الأسود : من صافح الحجر فقد صافح الحق تعالى ، ومن صافح الحق فهو في محل الأمن .
- الصفا : أن تصفو من كل علة حتى تصفا .
- المروة : أن ترى السكينة على المروة .
- منى: أن تتمنى على الله غير الحال التي عصيته فيها .
- دخول مسجد الخيف : أن تخاف الله في دخولك و خروجك ، وأن تجد من الخوف ما لا تجده إلا فيه .
- عرفة :أن تعرف الحال التي خلقت من أجلها_عبادة الله تعالى _والحال التي تريدها و الحال التي تصير إليها ، وأن تعرف المعرف لك هذه الأحوال ، وأن ترى المكان الذي إليه الإشارات ،فإنه هو الذي نفس الأنفاس في كل حال .
- ذكر الله عند المشعر الحرام :أن تذكر الله ذكراً ينسيك ذكر ما سواه .
- ذبح الهدي :أن تذبح نفسك - الأمّارة بالسوء - بكفها عن المعاصي .
- الرمي : أن ترمي جهلك عنك بزيادة علم يظهر عليك .
- الحلق : أن تنقص آمالك عنك .
- طواف الزيارة : أن يكشف لك من الحقائق ، وأن تزداد كرامة من الله ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( الحُجّاج والعمّار زوّار الله ) وحق على المزور أن يكرم زوّاره . - طواف الوداع : أن تخرج من نفسك ومن روحك بالكلية _(أي أن تكون عبداً خالصاً لله تعالى )
- التحلل : أن تعزم على أكل الحلال .
الفصل الرابع
قال أبو نصر السراج الطوسي (1) :
إذا بلغوا الميقات غسلوا أبدانهم بالماء ،وغسلوا قلوبهم بالتوبة ،
وإذا نزعوا ثيابهم للإحرام ،نزعوا عن أسرارهم الغل والحسد ،
وحلّوا عن قلوبهم عقد الهوى ومحبة الدنيا ولم يعودوا إلى ما خرجوا منه من ذلك .
وإذا قالوا لبيك اللهم لبيك ،فإنهم لا يجيبون بعد ذلك دواعي النفس والشيطان والهوى ،بعدما أجابوا الحق بالتلبية ،وأقروا أنه لا شريك له في ملكه ،
وإذا نظروا إلى البيت بأعين رؤوسهم نظروا بأعين قلوبهم إلى من دعاهم إلى البيت
وإذا طافوا حول البيت بأبدانهم،تذكروا قول الله عز وجل :
{وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ } سورة الزمر ( 75 )
فكأنهم ينظرون إلى طوافهم ،
وإذا جاؤوا إلى الصفا فمن الأدب أن لا يعترض بعد ذلك كدورة لصفاء قلوبهم ،
وإذا وقفوا بعرفات فأدب الوقوف أن يكون وقوفهم بين يدي سيدهم ،
وإذا دفعوا إلى المزدلفة ،فأدبهم أن يكون في قلوبهم العظمة والإجلال لله تعالى ،
وإذا رموا الجمار رموا بحسن الأدب بملاحظة أعمالهم ومشاهدة أفعالهم،
فإذا حلقوا رؤوسهم فأدبهم أن يحلقوا عن بواطنهم حب الثناء والمحمدة ،
وإذا رجعوا لطواف الزيارة وتعلقوا بأستار الكعبة ،فمن الأدب أن لا يتعلقوا بغيره ولا يلوذوا بأحد من خلقه بعد اللياذة والتعلق به ،
إذا رجعوا إلى منى وأقاموا بها أيام التشريق وحلّ لهم كل شيء ،فمن الأدب أن لا يحللوا ما حرموا على نفوسهم من مخالفة سيدهم ومتابعة حظوظهم .
=========================
(1) : أبو نصر السراج الطوسي :العالم الزاهد شيخ الصوفية صاحب كتاب اللمع ،قال عنه الذهبي :كان من المنظور إليه في ناحيته ،في الفتوة ولسان القوم مع الاستظهار بعلوم الشريعة .
=========================
الفصل الخامس
قال أبو الحسن علي بن عثمان الهجويري (1) :
( الحرم سمي حرما ، لأنه يوجد فيه مقام الخليل إبراهيم عليه السلام ، وإبراهيم عليه السلام له مقامان ،مقام جسمه وهو مكة ، ومقام قلبه وهو الخلة ،
فمن طلب مقام جسمه زهد في شهوته ولذته
ولبس إحرامه وتغطى بكفنه
و امتنع عن الصيد الحلال وحفظ جوارحه
،حتى تكون سلطة الشرع ،
و حضر بعرفات وذهب إلى المزدلفة والمشعر الحرام والتقط الحجارة
وطاف بالكعبة وزار منى ومكث هناك ثلاثة أيام ، ورمى الجمار بالصفة المعينة
وقص شعره و ذبح أضحيته وأحل من إحرامه ،
و من طلب مقام قلبه وجب أن يُعرِض عن المألوفات ،
ووجب أن يقوم بترك اللذائذ و الراحات ،
وحرم على نفسه ذكر الغير ، ولم يشتغل بغير الله ،
لأن نظره إلى الدنيا الحادثة يكون بلية ،
ثم وقف على عرفات المعرفة ،
ومن هناك ذهب إلى مزدلفة الألفة ،
ومن ثم أرسل قلبه للطواف حول كعبة التنزيه ،
ورمى جمرات هواه ، وكدورات فكره في منى الإيمان ،
وضحى بنفسه في موضع المجاهدة ،
ووصل إلى مقام الخلة ،
وبالدخول في مقامه البدني ،يأمن الإنسان به من أعدائه ومن سيوفهم ،
و لكن من دخل في مقامه الروحاني أمن الفرقة بعد الوصال ،
قال أبو يزيد : << لما حججت أول مرة شاهدت البيت ، وفي المرة الثانية شاهدت البيت ورب البيت ،وفي الثالثة رأيت رب البيت ولم أر بيتا ً >> .
فأينما تكون المجاهدة لا توجد نهاية ، والنهاية هي بالمشاهدة ،
وإلا لم يكن العالم كله معراجاً للإنسان ، يتقرب به إلى الله تعالى ، وخلوة يتمتع فيها بالأنس به ،
فإنه لم يزل غريبا ً عن محبة الله ،
أما لو منح قطرة من المشاهدة ، كان كل العالم حرماً ، _وأظلم الأشياء دار الحبيب بلا حبيب _ لذلك فالشيء المقصود بالذات ليس الكعبة (2) ولكنه المشاهدة والفناء في دوام الخلة التي تمثلها الكعبة من طرف خفي بالنظر إليها ، ولكن يلزمنا أن نعرف أن كل سبب متوقف على مسببه ، وأن آيات الله تظهر في أي مكان مهما كانت خفية ... )
=========================
(1) علي بن عثمان الجلابي الهجويري : ولد في أواخر القرن الرابع الهجري ،و هو صاحب كتاب ( كشف المحجوب ) الذي يعد من أقدم الكتب الفارسية في التصوف الإسلامي ،وقيل فيه إنه كتاب نفيس قلَّ أن يوجد له نظير باللغة الفارسية .
(2) روي عن سيدنا عمر رضي الله عنه أنه قبّل الحجر الأسود ،ثم قال أما والله قد علمت أنك حجر ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك /البخاري ومسلم[/font][/color]
=========================
الفصل السادس
قال الإمام الغزالي (1) :
=========================
(1) الإمام الغزالي ( 450 هـ - 505 هـ ) هو الإمام الجليل محمد بن محمد الغزالي رحمه الله تعالى ،حجة الإسلام و محجة الدين التي يتوصل بها إلى دار السلام ، جامع أشتات العلوم ، والمبرز في المنقول منها والمفهوم ، أشهر كتبه ، إحياء علوم الدين ، الذي قال فيه الإمام النووي : << كاد الإحياء أن يكون قرآناً >> ، وقال فيه الحافظ العراقي مخرِّج أحاديثه : << إنه مِنْ أجَلِّ كتب الإسلام في معرفة الحلال والحرام >> .
=========================
<< من أراد الحج عقد النية خوف الرد
واستعد استعداد من لا يرجو الإياب
وأحسن الصحبة وتجرد عند الإحرام عن نفسه
واغتسل من ذنبه ولبس ثوب الصدق والوفاء
ولبّى موافقة الحق في إجابته دعوته
وأحرم في الحرم عن كل شيء يبعده عن الله تعالى
وطاف بقلبه حول كرسي كرامته
وصفا ظاهره وباطنه عند الوقوف على الصفا
وهرول هربا من هواه
ولم يتمنّ على الله تمني ما لا يحل له
واعترف بالخطأ، بعرفة
وتقرب إلى الله، بمزدلفة
ورمى الشهوات عند رمي الجمرات
و ذبح هواه وحلق الذنوب
و زار البيت معظِّماً صاحبه
واستلم الحجر رضاء بقضائه
وودّع ما دون الله في طواف الوداع >> .
وقال :
<<اعلم أن أول الحج الفهم
ثم الشوق إليه
ثم العزم عليه
ثم قطع العلائق المانعة منه
ثم شراء ثوبي الإحرام ،
ثم شراء الزاد
ثم اكتراء الراحلة
ثم الخروج
ثم المسير في البادية
ثم الإحرام من الميقات بالتلبية
ثم دخول مكة ...>>
وقال :
<< وفي كل واحدة من هذه الأمور تذكرة للمتذكر وعبرة للمعتبر وتنبيه وإشارة للفطن
فلنرمز إلى مفاتحها حتى إذا انفتح بابها وعرفت أسبابها
كشفت لكل حاج من أسرارها ما يقتضيه صفاء قلبه و طهارة باطنه وغزارة فهمه .
أما الفهم :
اعلم أنه لا وصول إلى الله سبحانه و تعالى إلا بالتنزه عن الشهوات
والكف عن اللذات
والاقتصار على الضرورات فيها
و التجرد لله تعالى سبحانه في جميع الحركات و السكنات
ولأجل هذا انفرد الرهبانيون في الملل السالفة عن الخلق وانحازوا إلى قلل الجبال
و آثروا التوحش عن الخلق لطلب الأنس بالله عز وجل
ومما انعم الله به على هذه الأمة أن جعل الحج رهبانية لهم
فشرّف البيت العتيق بالإضافة إلى نفسه تعالى
ونصبه مقصدا لعباده
وجعل ما حواليه حرما لبيته تفخيما لأمره
وجعل عرفات كالميزاب على فناء حوضه
وأكد حرمة الموضع بتحريم صيده وشجره ،
ووضعه على مثال حضرة الملوك يقصده الزوار من كل فج عميق
ومن كل أوب سحيق
شعثا غبرا متواضعين لرب البيت
ومستكنين له خضوعا لجلاله،واستكانة لعزته
مع الاعتراف بتنزيهه عن أن يحويه بيت أو يكتنفه بلد
ليكون ذلك أبلغ في رقهم و عبوديتهم
وأتم في إذعانهم وانقيادهم
لذلك وظف عليهم فيها أعمالاً لا تأنس بها النفوس
ولا تهتدي إلى معانيها العقول
كرمي الجمار بالأحجار
والتردد بين الصفا والمروة على سبيل التكرار
وبمثل هذه الأعمال يظهر كمال الرق والعبودية ،و لذلك قال في الحج على الخصوص ( لبيك بحجة حقاً ، تعبّداً و رِقَّاً )
أما الشوق :
فإنما ينبعث بعد الفهم والتحقق بأن البيت بيت الله عز وجل
وأنه وضع على مثال حضرة الملوك ،
فقاصده قاصد إلى الله عز وجل وزائر له
وأنه من قصد البيت في الدنيا ،جدير بأن لا يضيع زيارته
فيرزقه مقصود الزيارة في ميعاده المضروب ،
وهو النظر إلى وجه الله الكريم في دار القرار ،
فالشوق إلى لقاء الله عز وجل يشوقه إلى أسباب اللقاء لا محالة
هذا مع أن المحب مشتاق إلى كل ما له إلى محبوبه إضافة ، والبيت مضاف إلى الله عز وجل .
أما العزم :
فليعلم أنه بعزمه قاصداً إلى مفارقة الأهل والوطن ومهاجرة الشهوات واللذات ،
متوجها إلى زيارة بيت الله عز وجل ،
وليعظم في نفسه قدر البيت وقدر رب البيت ،
وليجعل عزمه خالصا لوجه الله تعالى ،
بعيدا عن شوائب الرياء والسمعة ،
وليتحقق أنه لا يقبل من مقصده وعمله إلا الخالص
أما قطع العلائق :
ومعناه رد المظالم والتوبة الخالصة لله تعالى عن جملة المعاصي ،
فإن كنت راغبا في قبول زيارتك :
فنفذ أوامره
و ردَّ المظالم
وتب إليه أولاً من جميع المعاصي ،
واقطع علاقة قلبك عن الالتفات إلى ما وراءك ،
لتكون متوجهاً إليه بوجه قلبك ،كما انك متوجه إلى بيته بوجه ظاهرك ،
وتذكر عند قطع العلائق لسفر الحج قطع العلائق لسفر الآخرة .
واما الزاد :
فليطلبه من موضع حلال
وليتذكر أن سفر الآخرة يحتاج لزاد التقوى
وليحذر ان تكون اعماله التي هي زاده إلى الآخرة ،لا تصحبه بعد الموت ،
بل يفسدها شوائب الرياء وكدورات التقصير .
وأما الراحلة :
فليشكر الله تعالى على تسخير وسيلة السفر له ،
وليتذكر عندها المركب الذي يركبه إلى دار الآخرة وهي الجنازة التي يحمل عليها .
وأما ثوبا الإحرام :
فليتذكر عند لبسهما الكفنَ ولفه فيه ،
فإنه سيرتدي ويتزر بثوبي الإحرام عند القرب من بيت الله عز وجل ،
وإنه سيلقى الله عز وجل ملفوفاً في ثياب الكفن .
وأما الخروج من البلد :
فليعلم أنه متوجه إلى ملك الملوك في زمرة الزائرين له ،
الذين نودوا فأجابوا وقطعوا العلائق وفارقوا الخلائق ،
وأقبلوا على بيت الله عزو جل تسليا بلقاء البيت عن لقاء رب البيت إلى أن يرزقوا منتهى مناهم ويسعدوا بالنظر إلى مولاهم ،
وليحظر في قلبه رجاء الوصول والقبول لا إدلالاً بأعماله في الارتحال ومفارقة الأهل والمال ،
ولكن ثقة بفضل الله عز وجل ،ورجاء لتحقيق وعده لمن زار بيته .
أما دخول الميقات :
فليتذكر فيها ما بين الخروج من الدنيا بالموت إلى ميقات يوم القيامة وما بينهما من الأهوال والمطالبات .
أما الإحرام والتلبية :
فليعلم أن معناه ......... فليعلم أن معناه إجابة نداء الله تعالى
فارجُ أن يكون مقبولاً
واخشَ أن يقال لك لا لبيك ولا سعديك
وكن بين الخوف والرجاء مترددا
وعن حولك وقوّتك متبرئا
وعلى فضل الله عز وجل متكلا
وتذكر عند رفع الصوت بالتلبية إجابة لنداء الله عز وجل إذ قال : " وأذن في الناس بالحج " ونداء الخلق بنفخ الصور وحشرهم من القبور و ازدحامهم في عرصات القيامة مجيبين لنداء الله سبحانه ، ومنقسمين إلى مقبولين و مردودين .
أما دخول مكة المكرمة أما دخول مكة المكرمة
فتذكر عندها أنك قد انتهيت إلى حرم الله تعالى آمنا
وارجُ عنده أن تأمن بدخوله من عقاب الله عز وجل
واخشَ أن لا تكون أهلا للقرب
فتكون خائبا ومستحقا للمقت
وليكن رجاؤك في جميع الأوقات غالبا
فالكرم عميم والرب رحيم وشرف البيت عظيم
وحق الزائر مرعي
وذمام المستجير اللائذ غير مضيع .
وأما وقوع البصر على البيت
فينبغي أن تحضر عنده عظمة البيت في القلب
وتقدر كأنك مشاهد لرب البيت ،لشدة تعظيمه إياه
وارجُ أن يرزقك الله تعالى النظر إلى وجهه الكريم كما رزقك الله تعالى النظر إلى بيته العظيم
واشكر الله تعالى على تبليغه إياك بزمرة الوافدين عليه .
أما الطواف
فاعلم أنه صلاة
فأحضر في قلبك فيه التعظيم والخوف والرجاء والمحبة
واعلم أنك بالطواف متشبه بالملائكة المقربين الطائفين حوله
ولا تظنن أن المقصود طواف جسمك بالبيت
بل المقصود طواف قلبك بذكر رب البيت
واعلم أن الطواف الشريف هو طواف القلب بحضرة الربوبية
وأن البيت مثال ظاهر في عالم الملك لتلك الحضرة التي لا تشاهَد بالبصر،وهي عالم الملكوت
كما ان البدن مثال ظاهر في عالم الشهادة للقلب الذي لا يشاهَد بالبصر وهو في عالم الغيب .
أما الاستلام
فاعتقد عنده أنك مبايع لله عز وجل (1) على طاعته
فصمم عزيمتك على الوفاء ببيعتك
فمن غرر في المبايعة استحق المقت .
=========================
(1) قال صلى الله عليه وسلم : ( الحجر الأسود يمين الله في أرضه ) ، رواه الطبراني في معجمه والقاسم بن سلام عن ابن عباس رضي الله عنهما رفعه ورواه القضاعي عن ابن عباس موقوفا عليه وورد بمعناه عن عكرمة موقوفا في مسند الفردوس للديلمي
=========================
وقال صلى الله عليه وسلم : ( الحجر الأسود من الجنة وكان أشد بياضا من الثلج حتى سودته حطايا أهل الشرك )
رواه الإمام أحمد في مسنده وابن عدي والبيهقي
وعن ابن عباس رضي الله عنهما :
( يأتي هذا الحجر يوم القيامة له عينان فيبصر بهما ولسان ينطق به يشهد لمن استلمه بحق )
رواه الترمذي وابن ماجه و الإمام أحمد وصححه ابن خزيمة وابن حبان و الحاكم .
أما التعلق بأستار الكعبة والالتصاق بالملتزم :
لتكن نيتك في التعلق بثياب من أذنب إليه
المتضرع إليه في عفوه عنه
المُظهِر له أنه لا ملجأ له منه إلا إليه
ولا مفزع له إلا كرمه وعفوه .
أما السعي بين الصفا والمروة
فإنه يضاهي تردد العبد بفناء دار الملك جائيا و ذاهبا
مرة بعد أخرى
إظهارا للخلوص في الخدمة
ورجاء للملاحظة بعين الرحمة
وتذكر عند ذلك ترددك بين كفتي الميزان في عرصات القيامة .
وأما الوقوف بعرفة :
فاذكر عرصات القيامة و اجتماع الأمم مع الأنبياء والأئمة
واقتفاء كل أمة نبيها
و طمعهم في شفاعتهم
وتحيرهم في ذلك الصعيد بين الرد والقبول
إذا تذكرت ذلك ،
فألزم قلبك الضراعة و الابتهال إلى الله عز وجل،فتحشر في زمرة الفائزين المرحومين
وحقق رجاءك بالإجابة،فالموقف شريف والرحمة إنما تصل من حضرة الجلال إلى كافة الخلق
بواسطة القلوب العزيزة من أوتاد الأرض
ولا ينفك الموقف عن طبقة من الصالحين و أرباب القلوب (1) ،
فإذا اجتمعت هممهموتجردت للضراعة و الابتهال قلوبهم
وارتفعت إلى الله تعالى أيديهم
وشخصت نحو السماء أبصارهم
مجتمعين بهمة واحدة على طلب الرحمة
فلا تظنن أنه يخيب أملهم
ويدخر عنهم رحمة تغمرهم (2)
ولذلك قيل : إن من أعظم الذنوب أن يحضر عرفات ويظن أن الله تعالى لم يغفر له .
(1) يقول الإمام النووي في يوم عرفة ،
هناك تُسكب العبرات و تستقل العثرات و ترتجى الطلبات
وإنه لمجمع عظيم و موقف جسيم ،
يجتمع فيه خيار عباد الله الصالحين ،
وأوليائه المخلصين والخواص من المقربين .
وروي أن رابعة العدوية رحمة الله عليها حجت إلى بيت الله الحرام ،
فلما أرادت الوقوف بعرفة ، سمعت هاتفا يقول : يا رابعة ،قد قبلنا الحجيج كلهم من أجلك .
(2) نظر الفضيل بن عياض رحمه الله إلى بكاء الناس بعرفة ،
فقال أرأيتم لو أن هؤلاء صاروا إلى رجل فسألوه دانقا ، أكان يردهم ؟ .قيل : لا ، قال : والله لَلمغفرة عند الله أهون من إجابة رجل لهم بدانق .
أما رمي الجمار :
فاقصد به الانقياد للأمر
إظهار الرق والعبودية
وانتهاضا لمجرد الامتثال من غير حظ للعقل والنفس فيه
ثم اقصد التشبه بإبراهيم عليه السلام
حيث عرض له إبليس ، لعنه الله تعالى ، في ذلك الموضع ليُدخل على حجه شبهة أو يفتنه بمعصية ،
فأمره الله تعالى أن يرميه بالحجارة ، طردا له و قطعا لأمله
واعلم أنك في الظاهر ترمي الحصى إلى العقبة
وفي الحقيقة ترمي به وجه الشيطان
إذ لا يحصل إرغام أنفه إلا بامتثالك أمر الله تعالى ، تعظيما له بمجرد الأمر من غير حظ للنفس و العقل فيه .
أما ذبح الهدي :
فاعلم انه تقرب إلى الله تعالى ، فارجُ من الله تعالى أن يعتق بكل جزء من الهدي جزءا منك من النار .
الفصل السابع
قال الشيخ محي الدين بن عربي (1) :
=========================
(1) الشيخ محي الدين بن عربي ( 560_636 ) هـ ،هو محمد بن علي بن محمد الحاتمي ، الشيخ الأكبر ، سلطان العارفين ، أثنى عليه أئمة العلماء و العارفين من أكابر العلماء العاملين من أهل المذاهب الأربعة ،
منهم :
الإمام الشعراني في كتابه ( اليواقيت والجواهر ) ،
وعبد الغني النابلسي في كتابه ( الرد المتين على منتقص العارف محي الدين )
والسيوطي في كتابه ( تنبيه الغبي بتبرئة ابن عربي )
والشهاب السهروردي والعز بن عبد السلام وشيخ الإسلام زكريا الأنصاري وغيرهم ،
وقد ذكر الشيخ حجازي الواعظ شارح الجامع الصغير بأن الشيخ محي الدين معدود من الحفاظ ، وقال المحقق ابن كمال باشا بعدما أبدع في مدحه يذكر عن مصنفاته : ( أن بعض مسائلها مفهوم النص و المعنى وموافق للأمر الإلهي و الشرع النبوي ، وبعضها حفي عن إدراك أهل الظاهر دون أهل الكشف والباطن ، ومن لم يطلع على المعنى المرام يجب عليه السكوت في هذا المقام ، لقوله تعالى : {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} (36) سورة الإسراء .
=========================
قال الشيخ محي الدين بن عربي :
إن الله تعالى جعل البيت نظيرا ومثالا لعرشه
وجعل الطائفين من البشر كالملائكة الحافـّين من حول العرش(2) ،يسبحون ربهم
أي بالثناء على ربهم تبارك وتعالى
وثناؤنا على الله في طوافنا أعظم من ثناء الملائكة عليه سبحانه بما لا يتقارب ،
ولكن ما كل طائف يتنبه إلى هذا الثناء الذي نريده ،
وذلك أن العلماء بالله يذكرون الله تعالى بكل جزء ذاكر في العالم وبذكر أسمائه إياه ،
ثم إنهم ما يقصدون من هذه الكلمات إلا ما نزل منها في القرآن ،لا الذكر الذي يذكرونه ،
فهم في هذا الثناء نواب عن الحق يثنون عليه بكلامه الذي أنزله الله عليهم
وهو أهل الله بنص رسول الله (3) ، قال تعالى لنبيه : {فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ} (سورة التوبة /6)،
فأضاف الكلام إليه لا إلى النبي ، ولما جعل الله تعالى قلب عبده بيتا كريما وحرما عظيما ،
وذكر أنه وسعه حيث لم يسعه سماء ولا أرض ،
علمنا قطعا أن قلب المؤمن الكامل أشرف من هذا البيت (4) ، وجعل الخواطر التي تمر عليه كالطائفين ،
ولما كان في الطائفين من يعرف حرمة البيت فيعامله في الطواف به بما يستحقه من التعظيم و الإجلال (5)
ومن الطائفين من لا يعرف ذلك فيطوفون به بقلوب غافلة و لاهية
وألسنة بغير ذكر الله ناطقة
زكذلك الخواطر التي تمر على قلب المؤمن منها مذموم، ومنها محمود
وكما كتب الله طواف كل طائف للطائف به على أي حالة كان ،وعفا عنه فيما كان منه،
كذلك الخواطر المذمومة عفا الله عنها ما لم يظهر حكمها على ظاهر الجوارح إلى الحس
وكما أن في البيت يمين الله للمبايعة الإلهية،
ففي قلب العبد الحق ّ ُ سبحانه ، من غير تشبيه ، ولا تكييف ، كما يليق بجلاله سبحانه حيث وسعه ،وأنه محل لجميع الصفات و ارتفاعه بالمكان عند الله لما أودع الله فيه من المعرفة به ،
ولما كان الحج تكرار القصد في زمان مخصوص ، وكذلك القلب تقصده الأسماء الإلهية في حال مخصوص ،
إذ كل اسم له حال خاص يطلبه ،
فمهما ظهر ذلك الحال من العبد ، طلب الاسم الذي يخصه فيقصده ذلك الاسم ،
فلهذا تحج الأسماءُ الإلهية بيتَ القلب ،وقد تحج إليه من حيث أن القلب وسع الحق (6) ،
والأسماء تطلب مسماها فتقصد البيت الذي ذكرأنه وسعه السعة التي يعلمها الله تعالى ،
وإذا تكرر ذلك القصد منها سمي ذلك القصد المكرر حجاً .
(2) روى الشافعي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قال : ......قال الله تعالى مخاطبا سيدنا آدم عليه السلام : اذهب، فإن لي بيتا بمكة فأته فافعل حوله نحو ما رأيت الملائكة يفعلون حول عرشي ) .
(3) قال صلى الله عليه وسلم : إن لله أهلين من الناس ، قالوا يا رسول الله من هم ؟ ، قال : هم أهل القرآن ، أهل الله وخاصته ) ./النسائي وابن ماجه وأحمد و الدارمي عن أنس مرفوعا وصححه الحاكم .
(4) روي أن رسول الله قال للكعبة : " ما أطيبك وأطيب ريحك ، وما أعظمك وأعظم حرمتك ، والذي نفس محمد بيده ،لَحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمةً منك ، ماله ودمه ، وأن يظن به إلا خيرا ً " . رواه ابن ماجه واللفظ له وابن أبي شيبة ، ونحوه عند البيهقي .
(5) يقول ابن الجوزي : كم شخص أشخصه الشوق إلى الحج يكاد مودع المواثيق _ الحجر الأسود_ قبل تقبيله يقبّله ،
فلما قضى الناسك المناسك ، ثم رجع ، بقي سهم الشوق إليه في قلب منى ، خواطرهم تراقب حدود الشرع وقلوبهم وقفٌ على محبة الخالق .
(6) في الحديث القدسي : ( ما وسعني سمائي ولا أرضي ، ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن ) .
ذكر هذا الحديث في الإحياء ،
وورد بمعناه في كتاب الزهد للإمام أحمد بن حنبل عن وهب بن منبه ،
وكذلك روى الطبراني قريبا منه عن أبي عتبة الخولاني رفعه ،قال : " إن لله آنية من أهل الأرض ، وآنية ربكم قلوب عباده الصالحين ، وأحبها إليه ألينها وأرقها "
ومعناه وسع قلبه الإيمان بي ومحبتي ومعرفتي .
ومن شروط صحة الحج :
قال الشيخ محي الدين بن عربي :
إن الله تعالى جعل البيت نظيرا ومثالا لعرشه
وجعل الطائفين من البشر كالملائكة الحافـّين من حول العرش(2) ،يسبحون ربهم
أي بالثناء على ربهم تبارك وتعالى
وثناؤنا على الله في طوافنا أعظم من ثناء الملائكة عليه سبحانه بما لا يتقارب ،
ولكن ما كل طائف يتنبه إلى هذا الثناء الذي نريده ،
وذلك أن العلماء بالله يذكرون الله تعالى بكل جزء ذاكر في العالم وبذكر أسمائه إياه ،
ثم إنهم ما يقصدون من هذه الكلمات إلا ما نزل منها في القرآن ،لا الذكر الذي يذكرونه ،
فهم في هذا الثناء نواب عن الحق يثنون عليه بكلامه الذي أنزله الله عليهم
وهو أهل الله بنص رسول الله (3) ، قال تعالى لنبيه : {فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ} (سورة التوبة /6)،
فأضاف الكلام إليه لا إلى النبي ، ولما جعل الله تعالى قلب عبده بيتا كريما وحرما عظيما ،
وذكر أنه وسعه حيث لم يسعه سماء ولا أرض ،
علمنا قطعا أن قلب المؤمن الكامل أشرف من هذا البيت (4) ، وجعل الخواطر التي تمر عليه كالطائفين ،
ولما كان في الطائفين من يعرف حرمة البيت فيعامله في الطواف به بما يستحقه من التعظيم و الإجلال (5)
ومن الطائفين من لا يعرف ذلك فيطوفون به بقلوب غافلة و لاهية
وألسنة بغير ذكر الله ناطقة
زكذلك الخواطر التي تمر على قلب المؤمن منها مذموم، ومنها محمود
وكما كتب الله طواف كل طائف للطائف به على أي حالة كان ،وعفا عنه فيما كان منه،
كذلك الخواطر المذمومة عفا الله عنها ما لم يظهر حكمها على ظاهر الجوارح إلى الحس
وكما أن في البيت يمين الله للمبايعة الإلهية،
ففي قلب العبد الحق ّ ُ سبحانه ، من غير تشبيه ، ولا تكييف ، كما يليق بجلاله سبحانه حيث وسعه ،وأنه محل لجميع الصفات و ارتفاعه بالمكان عند الله لما أودع الله فيه من المعرفة به ،
ولما كان الحج تكرار القصد في زمان مخصوص ، وكذلك القلب تقصده الأسماء الإلهية في حال مخصوص ،
إذ كل اسم له حال خاص يطلبه ،
فمهما ظهر ذلك الحال من العبد ، طلب الاسم الذي يخصه فيقصده ذلك الاسم ،
فلهذا تحج الأسماءُ الإلهية بيتَ القلب ،وقد تحج إليه من حيث أن القلب وسع الحق (6) ،
والأسماء تطلب مسماها فتقصد البيت الذي ذكرأنه وسعه السعة التي يعلمها الله تعالى ،
وإذا تكرر ذلك القصد منها سمي ذلك القصد المكرر حجاً .
(2) روى الشافعي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قال : ......قال الله تعالى مخاطبا سيدنا آدم عليه السلام : اذهب، فإن لي بيتا بمكة فأته فافعل حوله نحو ما رأيت الملائكة يفعلون حول عرشي ) .
(3) قال صلى الله عليه وسلم : إن لله أهلين من الناس ، قالوا يا رسول الله من هم ؟ ، قال : هم أهل القرآن ، أهل الله وخاصته ) ./النسائي وابن ماجه وأحمد و الدارمي عن أنس مرفوعا وصححه الحاكم .
(4) روي أن رسول الله قال للكعبة : " ما أطيبك وأطيب ريحك ، وما أعظمك وأعظم حرمتك ، والذي نفس محمد بيده ،لَحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمةً منك ، ماله ودمه ، وأن يظن به إلا خيرا ً " . رواه ابن ماجه واللفظ له وابن أبي شيبة ، ونحوه عند البيهقي .
(5) يقول ابن الجوزي : كم شخص أشخصه الشوق إلى الحج يكاد مودع المواثيق _ الحجر الأسود_ قبل تقبيله يقبّله ،
فلما قضى الناسك المناسك ، ثم رجع ، بقي سهم الشوق إليه في قلب منى ، خواطرهم تراقب حدود الشرع وقلوبهم وقفٌ على محبة الخالق .
(6) في الحديث القدسي : ( ما وسعني سمائي ولا أرضي ، ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن ) .
ذكر هذا الحديث في الإحياء ،
وورد بمعناه في كتاب الزهد للإمام أحمد بن حنبل عن وهب بن منبه ،
وكذلك روى الطبراني قريبا منه عن أبي عتبة الخولاني رفعه ،قال : " إن لله آنية من أهل الأرض ، وآنية ربكم قلوب عباده الصالحين ، وأحبها إليه ألينها وأرقها "
ومعناه وسع قلبه الإيمان بي ومحبتي ومعرفتي .
ومن شروط صحة الحج :
1 ) الإسلام :
هو الانقياد إلى ما دعاك الحق إليه ظاهرا وباطنا ،
على الصفة التي دعاك أن تكون عليها عند الإجابة ،
فإن جئت بغير تلك الصفة التي قال لك تجيء بها ،فما أجبتَ دعاء الاسم الإلهي الذي دعاك، ولا انقدتَ إليه .
2) الزاد والراحلة :
أثر الأسباب أقوى من التجرد عنها،
لأن التجرد عنها خلاف الحكمة والاعتماد عليها خلاف العلم ،
فينبغي للإنسان أن يكون مثبتا لها فاعلا بها غير معتمد عليها .
الغسل للإحرام :
اغتسل لإحرامك ،
أي تطهر حتى تعم الطهارة ذاتك ،
لكونك تريد أن تحرم عليك أفعالا مخصوصة ،
لا يقتضي فعلها هذه العبادةَ الخاصة المسماة حجا أوعمرة ،
فاستقبالها بصفة تقديس أولى ،
لأنك تريد بها الدخول على الاسم القدوس ،
فلا تدخل عليه إلا بصفته وهي الطهارة .
سبب أعمال الإحرام :
إنهم وفد الله ،دعاهم الحق إلى بيته ،
وما دعاهم إليه سبحانه بمفارقة الأهل والوطن والعيش وحلاهم بحلية الشعث والغبرة،إلا ابتلاء
ليريهم من وقف مع عبوديته ممن لم يقف ،
ولهذا ، فإن أفعال الحج أكثرها تعبدات لا تعلل ، ولا يعرف لها معنى من طريق النظر ،
لكن تنال من طريق الكشف و الإخبار الإلهي
الوارد على قلوب الواردين والعارفين
من الوجه الخاص الذي لكل موجود من ربه .
قصد البيت :
(إن الله تعالى قصد هذا البيت دون غيره من البيوت ،
وطلب من عباده أن يقصدوه بوصف خاص وهو الإحرام وجميع أفعال الحج ،
فما أمرك بالقصد إلى البيت لا إليه إلا لكونه جعله قصدا حسيا فيه قطع مسافة أقربها من بيتك الذي بمكة إلى البيت ،
وهو معك إينما كنت ،
فلا يصح أن تقصد بالمشي الحسي من هو معك فأعلمك أنه معك ،ثم إنه دلّك على البيت الذي هو مثلك مخلوق ،
فدلالته لك على البيت ،دلالة على نفسك من قوله : ( من عرف نفسه عرف ربه ) (1) ،فإذا قصدت البيت إنما
قصدت نفسك ،
فإذا وصلت إلى نفسك عرفت من انت ،
وإذا عرفت من انت عرفت ربك ) .
واعلم أن القصد بالسير إلى البيت ، لا أن السير يقتضي القرب والوصول إليه بالمكان ،وإنما لله سبحانه تعبدات و
أسرار في ضمن مشروعات يقتضيها من عباده بحكم ظاهر و حقيقة ،
ألا تراه كيف ناجى موسى عليه السلام بالواد المقدس وأسمعه كلامه من الشجرة ،
ووصفه بالقرب من مجلس حضرته ونجواه ،
مع الاتفاق على أنه تعالى لا يختص بجهة الواد المقدس ولا يحل كلامه بالشجرة ،
وأن موسى عليه السلام قرب إليه مع كونه بالأرض وسمع كلام ربه من جانب الطور ، وإنما لتجلياته مظاهر
وحجب روحانية وجسمانية لا يشهدها إلا من فتق الله رتق قلبه ، وفلق إصباح ليله ، ونور مصباح مشكاته بزيت
شجرة توحيده .
(1) قال الإمام النووي : معناه أن من عرف نفسه بالضعف و الافتقار إلى الله والعبودية له ، عرف ربه بالقوة و الربوبية والكمال المطلق و الصفات العلى .[/color]
التلبية :
هي إجابة الشرع فيما دعاهم إليه في جميع أفعالهم (2) .
[color=#660000](2) قال الإمام الشافعي : سمعت بعض من أرضى من أهل العلم يذكر أن الله تبارك وتعالى لما أمر إبراهيم
عليه السلام بقوله : { وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق } . وقف على
المقام وصاح صيحة (عباد الله أجيبوا داعي الله ) فاستجاب له حتى من في أصلاب الرجال و أرحام النساء ، فمن
حج البيت بعد دعوته فهو ممن أجاب دعوته ، ووافاه من وافاه يقولون : ( لبيك داعي ربنا لبيك ) .
المزدلفة :
اسم قربةو العمل فيها قربة ،
فمن فاته القرب في محل القرب فما حج ،
وسماه الله المشعر الحرام لنشعر بالقبول من الله في هذه العبادة بالعناية و المغفرة وضمان التبعات ووصفه بالحرمة لأنه في الحرم ،فيحرم فيه ما يحرم في الحرم كله .
رمي الجمار :
رمي الوساوس والخواطر التي تعرض للنفس .
منى :
هي موضع التمني وبلوغ الأمنية .
الطيب :
يتطيب ليوجد منه رائحة ما انتقل إليه ،وجعله طيبا ،لأنه انتقال في الحالتين لخير مشروع مقرب إلى الله تعالى ،
فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبا ،ليميز الله الخبيث من الطيب ،فجعل الطيب في الحالتين تنبيهاً على طيب الأفعال .
النحر والذبح :
ينوي بذلك تسريح روح هذا الحيوان من سجن هذا الهيكل الطبيعي المظلم إلى العالم الأعلى عالم الانفساح والخير ، وسرحنا أرواح هذه الحيوانات في هذا اليوم شكرا لله ، كما خرجنا نحن فيه من حال الإحرام (التحجير) الذي كنا عليه إلى الإحلال و التصرف في المباحات المقربة إلى الله تعالى .
الطواف :
يجب أن يكون بقلب حاضر مع الله ، ويخيل أنه في تلك العبادة كالحافّين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم ، فيلزم التسبيح في طوافه ، والتحميد ، والتهليل ، وقول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
ولما نسب الله العرش إلى نفسه وجعله محل الاستواء الرحماني ،فقال : << الرحمن على العرش استوى >> ، جعل الملائكة حافين به من حول العرش بمنزلة حرس الملك و الملازمين بابه لتنفيذ أوامره ، وجعل الله الكعبة بيته ونصب الطائفين به على ذلك الأسلوب ، وتميز البيت على العرش بالحجر الأسود يمين الله في الأرض ، لنبايعه في كل شوط مبايعة رضوان و بشرى بقبول ، لما كان منّا في كل شوط مما هو لنا وعلينا ، فما لنا فقبول ، وما علينا فغفران .
السعي :
ينال الساعي من الصفا إلى المروة وهما الحجارة ، ما تعطيه الحجارة من الخشية و الحياء و العلم بالله و الثبات في مقامهم ذلك ، فمن سعى ووجد مثل هذه الصفات في نفسه حال سعيه فقد سعى وحصل نتيجة سعيه ، فانصرف من مسعاه حيَّ القلب ذا خشية من الله ، عالماً بقدره وبما لَه ولله ، وإن لم يكن كذلك فما سعى بين الصفا والمروة .
الوقوف بعرفة :
هي موقف حصول المعرفة بالله (1) ، لما وصل الحاج إلى البيت ونال من العلم بالله ما نال ، ونال في المبايعة والمصافحة ليمين الله تعالى ما يجده أهل الله في ذلك ،وحصل من المعارف الإلهية وطوافه بالبيت و سعيه و صلاته بمنى ، أراد الله أن يميز له ما بين العلم الذي حصل له في الموضع المحرم ، وبين المعرفة الإلهية التي يعطيها الله في الحل وهو عرفة ، فيجمع في عرفة بين معرفته بالله من حيث ما هو محرم ، وبين معرفة الله من حيث ما هو في
الحل .
ولما استرقت الأهواء و الشهوات في عبيد الله و صاروا عبيدا لها ،وخلق الله النار من الغيرة الإلهية ، فغارت لله وطلبت الانتقام من هؤلاء العبيد ، فلما استحقتهم النار و أرادت إيقاع العذاب بهم ، اتفق أن وافق من الزمان يوم عرفة ، فجاء اليوم شفيعا عند الله في هؤلاء العبيد بأن يعتقهم من ملك النار ،فجاد الله عليهم بشفاعة ذلك اليوم فأعتق رقابهم من النار .
(1) قال محمد بن الفضل :العجب ممن يقطع الاودية و المفاوز و القفار ليصل إلى بيته وحرمه لأنه فيه آثار أنبيائه ،كيف لا يقطع نفسه و هواه حتى يصل إلى قلبه لأنه فيه آثار مولاه .
الفصل الثامن :
قال ابن دقيق العيد : (2)
(2) محمد أبو الفتح تقي الدين بن دقيق العيد : توفي 702 هـ ،شيخ الإسلام ، إمام العلماء و الصوفية ،المالكي ،الشافعي،الحافظ،الزاهد،المجتهد،قال عنه الإمام السبكي : لم ندرك أحداً يختلف في أنه المبعوث على رأس السبعمائة ،يعني أنه مجدد القرن الثامن .
إن كثير من الأعمال التي وقعت في الحج ويقال فيها إنها تعبد ليست كما قيل ، ألا ترى أنا إذا فعلناها و تذكرنا أسبابها حصل لنا من ذلك تعظيم الأولين وما كانوا عليه من احتمال المشاق في امتثال أمر الله ، فكان هذا التذكر باعثا لنا على ذلك ، ومقررا في أنفسنا تعظيم الأولين وذلك أمر معقول ،
مثاله السعي بين الصفا والمروة ، إذا فعلناه وتذكرنا أن سببه قصة هاجر مع ابنها وترك الخليل لهما في ذلك المكان الموحش ، منفردين منقطعي أسباب الحياة بالكلية ، مع ما اظهره الله تعالى لهما من الكرامة والآية في إخراج الماء لهما ، كان في ذلك مصالح عظيمة أي في التذكر لتلك الحال ،
وكذلك رمي الجمار إذا فعلناه و تذكرنا أن سببه رمي إبليس بالجمار في هذه المواضع عند إرادة الخليل ذبح ولده حصل من ذلك مصالح .
لفصل التاسع : بيان فضل الحج للشيخ علي القاري (1)
=========================
(1) علي القاري : فقيه حنفي ، مشارك في العلوم ومكثر من التصنيف ، يُـعَدّ ُ أحد صدور العلم في عصره ،امتاز
بالتحقيق و التنقيح ، توفي 1014 هـ .
=========================
ومن فضائل الحج :
ملاقاة الكبراء من المشايخ و العلماء وهم أحياء للاستفادة من مشاهدة الأحوال ومعاينة الأقوال ، فلسان الحال
أفصح من بيان المقال وليس الخبر كالمعاينة وقد ورد ( أولياء الله الذين إذا رؤوا ذُكِر الله ) /الحكيم الترمذي/
فمن لم ينفعك لحظه لم ينفعك لفظه . ولهذا القول معنيان :
_أحدهما :
أن الرجل الصدّيق يكلّم الصادقين بلسان فعله أكثر مما يكلمهم بلسان قوله ، فإذا نظر الصادق إلى تصاريفه في مورده و مصدره و خلوته و جلوته وكلامه وسكوته
ينتفع بالنظر إليه فهو نفع اللحظ عليه ، ومن لم تكن أفعاله هكذا فلفظه أيضا لا ينفع لأنه يتكلم بهواه ، ونورانية القول على قدر نورانية القلب ، ونورانية القلب بحسب الاستقامة في طاعة الرب المعبر عنها بـ < الشريعة > في الأعمال الظاهرة ، وبـ < الطريقة > في الأخلاق الباهرة ، وبـ < الحقيقة > في الأحوال الذاخرة المستمرة حتى في الدار الآخرة .
_الثاني :
أن نظر العلماء الراسخين والرجال البالغين ترياق نافع ، ينظر أحدهم إلى الرجل الصادق فيستشف بنفوذ بصيرته حسن استعداد الصادق واستهالة المواهب لله تعالى الخاصة للموافق ، فتقع في قلبه محبة المريد الصادق وينظر إليه نظرة محبة لله تعالى عن بصيرة فيكتسب بنظره أحوالاً سنِية، ومما يدل على تأثير الصحبة ما حصل لأجلاف العرب ، حيث كان ينظره _ وقد آمن به _ فيصير في لحظة واحدة من كمَّل الأولياء والأصفياء .
الفصل العاشر
محمد أبو الهدى الصيادي : (1)
=========================
1) محمد أبو الهدى الصيادي : (1266_1327) هـ ، اشتهر بالتقوى والإنابة ، وعلا نجمه بالعلم والورع ، وانتشر له الجناحان ، الشريعة والحقيقة ، تجاوزت مؤلفاته المائتين ،في التفسير والحديث والفقه والتصوف والتراجم وأصول الدين .
=========================
شبه البيت بالمؤمن ،فمثل الحرم المحيط بالبيت مثل الجسد المحيط بالقلب ،
ومثل تحريم الحرم بأن لا يقطع شجره ولا ينفر صيده مثل تحريم دم المؤمن وعرضه وكل شيء منه .
وفي الحج معان ٍ شريفة تؤول إلى الله ومعانٍ ترجع إلى عمارة الدنيا وحراستها بالطريق الشرعي ،
فالإحرام الذي يعبر عن التجرد إلى الله بكسوة تشعر بالذل و الانكسار له سبحانه ،
وكذلك التلبية فهي إجابة لله ، فإنه دعا الخلق إليه فرفعوا أصواتهم إجابة لدعوته بالتلبية ،
وفي هذا من التجرد بالقلب والقالب لنصرة الله وامتثال أوامره بلاغ ،
ومن المعاني الدالة على حراسة الدنيا الخروج عن الوطن والأهل لإيفاء أحكام الأوامر الإلهية ،
فإذا عورض المؤمن في أمر الدين انتصر لدينه بترك وطنه وأهله وقبِل كل مشقة وهجر الأوطان وهاجر للرحمن ،
وكون الحج لا يقبل إلا بالاستطاعة فيكون المرء كامل الزاد و الراحلة والمتاع ،
ويكون كل ذلك من الحلال الطيب ،
وهذا كله يلزم باقتناء الحلال من المال ،
وهل يكون اقتناء المال من الحلال بالبطالة والكسل والجهل بأمر الدنيا ؟!
وفي الحج مزية التعرف للناس
والوقوف على أحوال الأمم
وبركة النظر و الاستدلال بالشئون العمومية والمظاهر الكونية ،
فبرؤية العلماء من الناس ينهض لاقتناء العلم
وبرؤية أرباب المال والتجارةو الصناعة يسمو عزمه لمثل ذلك
وبرؤية الأتقياء ينتهض لخدمة الله
وبرؤية اهل الأدب والنفع للنوع الإنساني تتشوف همته لتلك المزايا العالية
وبرؤية أرباب الفاقة والذل تتسلق عزيمته لدفع الفاقة والمذلة عنه وعن إخوانه
وفيه ذكر الحشر والنشر والقدوم على الله فيكون متنبها لدنياه ولآخرته
ولذلك قال سلطان العلماء السيد أحمد الرفاعي رضي الله عنه : .
من كتاب (الحج والعمرة والزيارة أحكام وأسرار على المذهب الشافعي ) لسيدي الشيخ المنيب الشيخ ياسين الخطيب
منقول من رباط الفقراءhttp://www.rubat.com/
| < السابق | التالي > |
|---|






![]() | اليوم | 33 |
![]() | أمس | 153 |
![]() | هذا الأسبوع | 33 |
![]() | الأسبوع الماضي | 1289 |
![]() | هذا الشهر | 3866 |
![]() | الشهر الماضي | 4877 |





