(1) شدَّ قوم كتب الله تعالى لهم الحج رحالهم للأرض المقدسة، وقد تحقق فيهم أعظم معاني العبودية لله تعالى، قد أجابوا نداء الخليل إبراهيم: (وأذن في الناس بالحج)، وامتثلوا قول الحق: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً).
فخرجوا من بيوتهم إلى ربهم مهاجرين، لأموالهم وأهلهم تاركين، من مخيط ثيابهم ومناصبهم متجردين، أحرموا لله، قد حسرت رؤوسهم، وصفت نفوسهم، وخشعت قلوبهم، وبالدمع سالت عيونهم، ألسنتهم رطبة من ذكر الله، تسبح وتلبي المخلوقات بتسبيحهم وتلبيتهم، فاجتمعوا في يوم الحج الأكبر، يوم المؤتمر الأعظم، يرجون رحمة الله ويخافون عذابه.
اعلم أخي الحاج أن الغاية من الخلق هي التعبد والامتثال لأمر الله عز وجل ، قال الله تعالى : {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} سورة الذاريات (56) ،
ومقصود العبادات كلها التقرب إلى الله عز وجل ، والتقرب من جوده وإحسانه المختصين بعباده المؤمنين ، وأن يعامل المتقرب إليه بالطاعة والتعظيم ،والخضوع والتفخيم .
أيها الإخوة في الله -ها هو رمضان قرب مجيؤه بنوره وعطره، وخيره وطهره، يجيء ليربي في الناس قوة الإرادة ورباطة الجأش، ويربي فيهم ملكة الصبر، ويُعودُهم على احتمال الشدائد، والجَلد أمام العقبات ومصاعب الحياة. وكان النبي- صلى الله عليه وسلم - يهنئ أصحابه عند مجيئ رمضان ويبشرهم ويقول لهم: «أتاكم شهر رمضان شهر مبارك فرض الله عليكم صيامه تفتح فيه أبواب الجنة وتغلق فيه أبواب الجحيم وتغل فيه مردة الشياطين وفيه ليلة هي خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم» (أخرجه أحمد والنسائي عن أبي هريرة وفي صحيح الجامع برقم:55)... وفي رواية عند الترمذي والبيهقي وابن حبان عنه أيضاً: «وينادي مناد كل ليلة: يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة».
يا واقفاَ في الصلاة بجسده والقلبُ غائب، أتدري بين يدي من أنت قائم؟ أتدري من اطلع عليك؟
ما يصلح ما بذلتَه من التعبد مهراً للجنة فكيف ثَمَناً للمحبة؟ْ
رأت فاْرة جَمَلاً فأعجبها، فَجَرَتْ بخطامه فتبعها، فلمّا وصل إلى باب بيتها وقف ونادى بلسان الحال: إمّا أن تتَخذي داراً تليقُ بمحبوبك أو محبوباَ يليقُ بداركْ؟! خُذْ من هذا إشارة إما أن تُصَلِّي صلاةً تليقُ بمعبودك أو معبوداً يليقُ بصلاتك.