من المعلوم أن الأذكار التجانية بالإضافة إلى الفضل الكبير الذي أعده الله لتاليها هي أذكار تربوية القصد منها السير إلى الله وفي الله بغرض معرفته. لذلك ينبغي على المريد الصادق أن يستحضر عند تلاوته لهذه الأذكار هذه الغاية ويضعها نصب قلبه ليستمد من نورانية هذه الأذكار التي تعتبر الوقود الذي يحرك روحه نحو حضرة الله و حضرة رسوله. ذلك أن استحضار نية أخرى يفرغ هذه الأذكار من نورانيتها ويحيلها إلى أذكار تبركية يتعثر معها سير المريد إلى الله.


إن استعمال هذه الأذكار لغير ما وضعت له لتحقيق بعض الأغراض الدنيوية (تحصيل المال والجاه أو تسخير الجن) هو إلقاء لجواهر الشيخ ويواقيته في وحل الحظوظ الدنيوية عوض تزيين القلب بها.
إن أذكار الطريقة وخصوصا منها الأوراد اللازمة تختزن طاقة نورانية قوية ومركزة تركيزا عاليا (بحكم أنها من إملاء الرسول عليه الصلاة والسلام ) خارقة للحجب وحارقة لكل ما سوى الله تعالى من قلب المريد المتوجه إلى الله، كما أن لها ألطافا خفية تهب نسماتها على المريد من غير شعور منه تستقيم معها أحواله وتعالج بها أمور دنياه، لأن الله تعالى أكرم من أن يحرم عبده الذي قصده بعبادته، وهو القائل في الحديث القدسي:من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين.

إن ما قد يتقلب فيه المريد المندرج في سلك التربية التجانية من منع أو عطاء إنما هي وسائل تربوية يستعملها الحق سبحانه وتعالى ليتعرف عليه فيها بجلاله وجماله اللذان هما وجهان لكماله. فهي أظرفة تحمل بداخلها رسائل ينبغي على المريد فتحها بقلبه وقراءة مضمونها الدال على الله، عوض أن يكتفي بتقليبها بفكره والاهتمام بشكلها و لونها الخارجي (الفرح عند العطاء والجزع عند المنع ).
وقد ترك الشيخ رضي الله عنه لمريديه مفتاحا متعدد الاستعمالات لمن عجز عن قراءة فحوى الرسائل التي تتضمنها الأحداث التي يجريها الله على العبد، ومروحة تخفف عنهم حر القضاء والقدر، وهو صلاة الفاتح مع اسم الله اللطيف و الصدقة.
فقد ورد في بعض وصاياه رضي الله عنه:
" وليكن في علمكم أن جميع العباد في هذه الدار أغراض لسهام مصائب الزمان إما بمصيبة تنزل أو بنعمة تزول أو بحبيب يفجع بموته أو هلاك أو غير ذلك مما لا حد لجمله وتفصيله، فمن نزل به منكم مثل هذا فالصبر الصبر لتجرع مرارتها فإنه لذلك نزل العباد في هذه الدار. ومن كبا به منكم جواده عن تحمل ثقلها ومقاومة ما يطرؤ عليه من أعبائها فعليه بملازمة أحد الأمرين أو هما معا وهو أكمل، الأول: ملازمة يا لطيف ألفا خلف كل صلاة إن قدر، وإلا فألفا في الصباح وألفا في المساء فإنه بذلك يسرع خلاصه من مصيبته، والثاني: مائة من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بالفاتح لما أغلق إلى آخره ويهدي ثوابها للنبي صلى الله عليه وسلم إن قدر مائة خلف كل صلاة وإلا فمائة صباحا ومائة في الليل وينوي بهما أعني يا لطيف والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أن ينقذه الله تعالى من جميع وحلته ويعجل خلاصه من كربته فإنه تسرع له الإغاثة بأسرع من طرفة عين. وكذا من كثرت عليه الديون وعجز عن أدائها أو كثرت عياله واشتد فقره وأغلقت عليه أبواب أسباب المعاش فيفعل ما ذكرنا من أحد الأمرين أو هما معا فإنه يرى الفرج من الله تعالى عن قريب.ومن دهاه خوف هلاك متوقع نزوله به من خوف ظالم ولا يقدر على مقاومته أو خوف من صاحب دين لا يجد له عذرا ولا إمهالا ولا يجد من المال ما يؤديه له أو كلا الأمرين ومن كل مخوف فليلازم ما ذكرنا من أحد الأمرين أو هما معا فإنه ينقشع عنه عن قريب.وإن أسرع مع ذلك بصدقة قلت أو كثرت بنية دفع ما يتوقعه من الخوف أو بنية تعجيل الخلاص من ألمه وكربه كانت أجدر في أسرع الخلاص والفرج"