نعم.. لا تغمض عينيك حالة الذكر، فإنه مكروه كالصلاة، كراهة تحريم هنا، لتتميز لك الطريق الأولى (طريقتنا) من الطريقة الثانية، فإن الثانية بنوها على الرياضة لطلب المراتب والواردات والأسرار، وشرطوا للذاكر أن يغمض عينيه لتجتمع قوته الباطنية في إزالة الحجب بإشارة بذكر الله إلى القلب ليهزم نوره ظلام الحجاب، كما علم في تنفيذ هممهم في طلب الفتح الكوني من المراتب والعلوم والأسرار. فما شرطوه لما طلبوه بقي مع طلبهم.


وأهل هذه الطريقة لا طلب لهم ولا إرادة، لوصولهم إلى المنتهى {وأنّ إلى ربك المنتهى}. فالله
لايوصل بحاسة بملامسة وبمباشرة لاستحالته،

وإنما معنى الوصول: وصول العبد غاية العبودية بتفريده حقيقته إلى حقيقة سيادة ربه، وهو فناء العبد في نفسه الذي هو الحدوث وبقاؤه مع أصله وتسليم الأمر لما اقتضاه ربه في حدوثه. فالحدوث يستلزم محدِثاً ممِداً مربياً عالماً قادراً مريداً حياً سميعاً بصيراً متكلماً. فإن ترك نفسه لأصله، تظهر فيه صفاته تعالى، ويشاهدها بإلقاء عصى الإرادة، فتعمل فيه الصفات مقتضياتها ولا مزيد عنه. ففنيت صفاتهم بصفاته تعالى، فانجلت مرآتهم بصفاته تعالى، فلا يتعرضون ولا يدفعون ولا يجلبون، وإنما شأنهم الوقوف بباب سيدهم، فتركوا جوارحهم كما كانت. فإنها تأخذ حقها من أنوار ربها، فيحرم عليه أن يحرمها من جمال ربها حال الصلاة والذكر. والسيد لا يحب من العبد المعدّ لحضرته أن يكمش صورته بتغميض عين أو بكثرة خوف. فإنه إن أظهر الخوف وهو في الحضرة يطرد، لأنه لا يصلح للحضرة إلا من زهد عن نفسه راضياً بربه بما قدّره، فتستوي عنده النعم والنقم والحلو والمر، لما عليه من جمال وجلال الله. فإن كان يتهرب من سيده عند ضربه، فليس بشيء عند العارفين، بل هو من الباقين مع نفوسهم. فيجب عليه أن يقف مسروراً ناشطاً ناعماً نظيفاً أديباً قوياً مظهِراً كلَّ الفرح وكل كمال بسيده فلا طلب له لكمال نعمة سيده عليه بإغنائه عن الغير والغيرية. فلا يتعرض لوارد، فإنه سوء أدب في سوق العارفين، أهل العقول الربانية. فإن الوارد غير، والسر غير، والفتح غير، والحجاب غير، فلا يميل إلى غير سيده. لكن يقبل ما أكرمه به سيده بلا طلب، ويراه منحة منه بلا سبب. فالعبد وسببه لمولاه، فلا يحرك رأسه ولا أطرافه إظهاراً للحلاوة، فإنه ضعف عقل، بل يكون كجبال تراها {جامدة وهي تمرّ مرّ السحاب} وهي قلوبهم.

ولا يظهِر بكاء، لأنه شأن العاشقين والمحبين، والعارفون محبوبون، زالت محبتهم ولوازمها كما زالت ثياب الصغار عن الكبار، فإن السيد إذا نظر إلى عبده في الحضرة يبكي، يُخرجه لأنه إما أنه خائف فهو مع نفسه، وإما أنه راغب في مماسة السيد وهو محال، وإما أنه لم يرضَ بمقامه. وعلى كل حال فلا يناسبه، وإنما يناسب السالكين الطالبين.
 

من كتاب الإراءة