فإذا قصر الوارد، وهو مريد الدخول في الطريق، همته وغض بصره وبصيرته عن غير أستاذه، فبايع له مبايعته لنبيه، بحيث ألزم لنفسه على بابه مدة أنفاس الدنيا والآخرة (يوم يدعوا كل أناس بإمامهم) وحرم على نفسه الركون الى غيره من الأولياء، أحياء وأمواتا، لأنه ما جاء اليه حتى أيس من غيره، وعاهد الله عليه عهدا لا ينفصم لا في حال صحته ولا مرضه ولا مكرهه ولا منشطه، فإن ذلك هو الذي أُمر به النبي صلى الله عليه وسلم الشيخ رضي الله عنه. قال له

(قل لأصحابك لا يزوروا أحدا من الأولياء، فإذا مروا بأصحابي فليزوروهم وغيرهم فلا) فجوز صلى الله عليه وسلم زيارة الصحابة، زيارة استمداد والتبرك، لأنهم اخوة أصحاب الشيخ. قال صلى الله عليه وسلم (أصحابك أصحابي وفقراؤك فقرائي وتلامذك تلامذي قل لأصحابك لا يوذي بعضهم بعضا فإنه يوذيني ما يوذيهم) وكذلك جوز صلى الله عليه وسلم زيارة الأنبياء والملائكة، لأنهم لا يشملهم عرفا لفظ الأولياء، لكن قد عرف كل أناس مشربهم. فمشربنا القطب المكتوم من النبي صلى الله عليه وسلم لا غير، فالأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا، فكلهم نحبهم ونعظمهم ونومن بهم وبكتبهم، لكن لا نلتفت عن حضرة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أبدا، لا في الدنيا ولا في الآخرة، فهو إمامنا ونبينا والمكلف بنا والمتولي بتربيتنا ورياسة خدمتنا، فهو نبينا شرفنا الله به، وهو أفضل الأنبياء وأعزهم. فكذلك مع الأولياء، فأقل ما يكون حياً من أولياء التصريف من أمة النبي صلى الله عليه وسلم مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، فكلهم نحبهم ونومن بهم ونعظمهم ونوقرهم، ولا نلتفت عن حضرة شيخنا سيدنا ومولانا أحمد بن محمد التجاني، فهو قدوتنا وهو حظنا ونصيبنا وولينا الذي شرفنا الله به وأكرمنا به وحرم علينا غيره وهو سيد الأولياء وإمامهم وممدهم ورئيس الأمة على الإطلاق. فكل ما عندنا ننسبه له، من نعم الدنيا ونعم الآخرة، وعلى يده جاءنا كل ما رزقه لنا الله، وكل رزق حسي أو معنوي قصدنا من غير حضرته ندفعه ونستنكره، لأنه أمر لا يكون أبداً، لأن حضرة الملك الإلهي مرتبة على الحضرات، فكل من نسب شيئا لغير حضرته، غارت تلك الحضرة، فزال
ذلك الشيء لظلم نسبة الشيء لغير محله فكما أن الزوجة لا تكون شرعا بين زوجين فكذلك المريد لا يكون بين شيخين وكما لا يكون العالم بين إلهين كذلك لا يكون المريد بين شيخين. قال صلى الله عليه وسلم في عالم روحه لعالم سيدنا الشيخ رضي الله عنه: (مسألة أغفلها الشيوخ كل من أخذ عن ولي وزار غيره لا ينتفع بالأول ولا بالثاني). وهذا الشرط هو الركن الأعظم في الطريقة وكذلك مشروط في طريقة الكمال.

وإنما كانت هذه الطريقة صرحت كل الصراح بالمنع من زيارة غير الشيخ لأنها طريقة الصفاء لا تدليس فيها، لأنها مبرمة على يد النبي صلى الله عليه وسلم الذي رباه الله بقوله تعالى (فاصدع بما تؤمر) (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك).

وأما طريقة الأولياء رضي الله عنهم فإنهم ينظرون بنور الله لأن فقراءهم على قسمين: فقراء التبرك، وفقراء الاستمداد. فمن رأوه من أهل الاستمداد منعوه من زيارة غيرهم ومن الاجتماع به، فإن خالفهم خسر الدنيا والاخرة بالمخالفة، ومخالفة الشيوخ سم قاتل، وكل ما فعله المريد يتلقاه عنه شيخه، سوى الميل الى غيره، فهو ذنوب الشيوخ لا تغفر. وإن رأوه من أهل التبرك يطلبون له الزيارة والاجتماع بغيرهم، فإنهم ناصحو الأمة فلا يحل لهم أن يمنعوه، وهم عالمون بأنه لا يربح بما قصده عندهم، ولا يحل لهم أن يسرحوه وهم عالمون بمدده عندهم.

وأما فقراء هذه الطريقة المحمدية، فكلهم فقراء الاستمداد، وكلهم مقصود لحمل أسرار الشيخ رضي الله عنه (به من أجلنا ولله الحمد) قاله رضي الله عنه لما سئل عن فضائل هذه الطريقة، هل هي بصلاة الفاتح أم بغيرها فذكره. فمثاله في عالم الشهادة قواد الرحى لما كتبهم السلطان وقيدهم في كناشه يأمرهم وينهاهم الكبير الفلاني، وكذلك العسكر كل واحد مقيد باسمه ووصفه في كناش قائد الرحى، فلا يحل للعسكري عقلا ولا طبعا ولا شرعا أن يمشي الى غير قائده يطلب عنده المرتب على يد السلطان لأنه موصوف عند قائده فقائده يعطيه ما قيده السلطان، وإن مشى الى غيره يسم خائنا خان السلطان وخان العسكر وخان قائده وخان نفسه بتعريضها للطرد في استعمال الملك. وكذلك قائد رحى إن مشى لغير كبيره خان السلطان وخان الكبير وخان نفسه حيث عرضها للطرد
في حضرة الخدمة السلطانية، قال صلى الله عليه وسلم (من غشنا فليس منا) وهو أكبر الغش. وكذلك المريد مع شيخه فلا يسامح له الشيخ أبدا إن فعل ولا يدخل في حضرة الأولياء أبداً للغيرة عليه حتى يتوب على يد شيخه وجبر حاله بتجديد ممن له الإذن.
 

فكيمياء الطريقة كمال الاعتقاد في الشيخ وأصحابه وزواويه من غير تزلزل عند نزول الأمراض وأخواتها، فلا يغرنك ما يفعل ممن لا خبرة له بالطريقة. فإن كل حرفة لا يعرف فصولها إلا محترفها إذا كان ماهراً فيها.
ثم إن زيارة القبور محرمة في أول الإسلام، ثم أذن فيها صلى الله عليه وسلم قال (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها) فالأمر للإباحة والراجح الندب، وهو ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه، فمن عاتب على ترك الزيارة، فقد عاقب على المندوب وهو جاهل بأصول الشرع، فلا ينبغي للجاهل أن يتكلم في أمر حتى يعلم حكم الله فيه. فلا يحل لامرء مسلم أن يقدم على أمر حتى يعرف حكم الله فيه، وقد علمت حكم الله في الزيارة، وهو الإذن الصادق بالإباحة والندب لمن لم يحجر نفسه على يد شيخ، وأما هو فقد التزم عدم زيارة أحد من الأولياء مطلقا، فالالتزام عهد واجب وعقد متحتم عليه كتحتم عهود الإسلام يأخذها النبي صلى الله عليه وسلم (يا أيها النبي إذا جائك المومنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله) فهذه ستة عهود يشترطها النبي صلى الله عليه وسلم على النساء والرجال بإذن من الله (والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل) الخ

وما دلك الله على خصوصية هذا الشيخ، حتى كنت عند الله من أكابر العارفين، فافهم واثبت وامتثل واستقم واعمل، فإنك إن حبست طرفك عن غير شيخك، تفز بما لا مطمع فيه لأكابر الأقطاب. قال سيدنا ومولانا أحمد بن محمد التجاني رضي الله عنه (لا مطمع لأحد في مراتب أصحابنا حتى الأقطاب الأكابر ما عدا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم) وقال (ليس لواحد من الرجال أن يدخل كافة أصحابه الجنة بغير حساب ولا عقاب ولو عملوا من الذنوب ما عملوا وبلغوا من المعاصي ما بلغوا إلا أنا وحدي) وقال (البيضة منا بألف فرخ والفرخ لا يقوم) يعني العامي منه من الفقراء يعدل ألف مفتوح عليه في غيرهم، والمفتوح عليه منهم لا يقوم بجميع المفتوحين عليهم. قال رضي الله عنه (طائفة من أصحابنا لو اجتمع أقطاب الأمة كلها ما وزنوا شعرة واحد منهم)

فإذا تحقق المشفق على نفسه بأن كل واحد من أصحاب سيدنا رضي الله عنه، له قدم صحيح من الولاية والخصوصية والمحبوبية، يقطع عنه كل العلائق بغير الشيخ، بحيث ينزل جميع حوائجه وحوائج أهله وأحبابه في رحله وفي رحل خاصته، فكما أن سر النبوة اجتمع في النبي صلى الله عليه وسلم، فمن اتبعه فقد اتبع جميع الأنبياء، ومن زاره فقد زار جميعهم، ومن صلى عليه فقد صلى على جميع مراتبهم العلية
 

من الإراءة