قولوا: (اللهم صل على سيدنا محمد الهادي) -جزء من صلاة الفاتح- الذي جعلتُه أنا في الأزمنة كلها هادياً وموصلاً ومرشداً (إلى صراطك) أي الطريق الموصل إليّ ويوقف العبد في حضرة ذاتي وهي جنة معرفتي. فالصراط الموصل هو عين ما أنزلتُه عليه وبلّغَه لكم، وهو إيجاب القيام بوظائف العبودية من كل ما يراد منكم مما فصّله لكم خليفتي وبيّنه لكم بأوضح عبارة وأصرح إشارة، وهو الوقوف مع مراداتي بترك مرادكم،

فإنكم عبيد. فإن معرفة وفهم العبد هو الهروب من حضرة سيده، فتلك عادة الله أن العبد لا يريد إلا الإباق، وهو أحلى عنده من كل لذيذ، وهو عين هلاكه. فمرادي أن أكون لك سيداً قائماً بشئونك، فإن أطعتني أطعتك، وإن عصيتني منعتُكَ من حضرة قدسي، وأنت بمعزل عن مقام الأدباء. فياعجباً السيد العظيم يطيع عبده بكمال الإحسان في كل حال، والعبد ينكر إحسانه ويابق منه، فهل له من يكرمه مثل سيده، فما بعد الإباق إلا حتف نفسه بأنياب إبليس، فهو سبع ضاري، أعددته لكل هارب مني، يفترسه ويجرّه إلى حضرة غضبي، والأبالسة سباعي، أسلّطهم على الآبقين من حضرتي، المنكرين جزيل إحساني. فالعبد ينعم عمره من خزائن سيده ويهرب إلى غيره فاعتبروا في سفاهة عبد هرب من سيده وعرّض نفسه للسخط الدائم أو منقطع، فكفاه عاراً إن قلتُ له في حضرة رجوعه: هربتَ مني يا عبد السوء. وإن عفوتُ عنه، أفلم يكن ذلك يكفيه من النار، فنار المغفرة كنار السجن لمن كان له قلب يفهم به، واستقامة الصراط إنما تكون بالأدب بترك الأغراض في معاملته مع الله.
والقصد "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله" فمن عبد لغرض من الأغراض الدنيوية والأخروية بأن يقصد سراً أو فتحاً أو ولاية أو تصرفاً فهجرته إلى نفسه لا غير ولا مطمع له في جنة معرفتي {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ} بأن تعبد الله لما عليه من كمال الملك والعز عليك، لا خوفاً فقط، فإنك إن عبدت خوفاً لا غير صرت عبد العصى لا عبد ربك. فلو أمنت منه لتركت، وذلك طريق معوج، إما للجنة وإما إلى النار. فالجنة كون، فهل الكون هو الذي رزقك وملك ناصيتك. أفلم تستحيي مني لما خلقتك وضمنت لك رزقاً بقوة الملك، فلو كنتَ عاقلاً لفهمتَه، فإن المالك مكلّف بأرزاق عبيده، والعبد مكلّف بالطاعة وبالتجرّد من لوازم السيادة. فإنما أمرتك بالأسباب لترتاح عندها، لا بها. فأنت جعلت السبب رباً يرزق، فلا تعد فإنه فسق ورجس من عمل الشيطان، واجتنبوا سوء الأدب مع المالك الحق، واتبعوا سنّة عبدي محمد، فإنه ما أمرته إلا بالطاعة، وما أمركم بعبادة الأسباب، وقد بيّن ما هو عليه قولاً وفعلاً وتقريراً، فالشريعة التي دلّكم بها إلى حضرة الله، لا أنه دلّكم على الشريعة المجردة من الأدب والنية الصالحة. فالشريعة طريق لا غير، والمقصود حضرتي. والنبي دالّ بالشريعة إلى حضرتي، فلا تعبدوا الشريعة واعبدوني بالشريعة، فهي الصراط المستقيم، ومن تخلّف عنها أهلك نفسه بظلمة الأماني الباطلة والدعاوى الكاذبة، فيخسر جملة وتفصيلاً، فإنه إما الصراط وإما الفلاة، فالفلاة أسكنت فيها الغيلان تُضلّ التائهين، وتحّير الضالين، فتقوده إلى حضرة غضبي وسخطي، فالسخط أشد نار، فإنها أثره لا غير،

فنبيي محمد عين الصراط، فالدال على الطريق هو عين الطريق وعين الهدى. فمن عرف محمداً نبيي وصراطي وتبعه وعلم أنه الواسطة في إيمانه ووجوده وهو الشافع فيكم أولاً وآخراً: أدخلته جنة محبتي. فإذا أحببته طهرته مما تنجس به من الأغراض. فالغرض نجس، فاجتنبوه لعلكم ترحمون، واتركوا مخالفة أمره {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} فمن أحبه الله أدخله جنة إضافته إليه. فقد أكرمك الله بنسبتك إليه، وأعظمَ أمرَك حتى قال: يا عبدي فهل رأيت الخير من الشيطان الذي نصبتُه للإضلال إذا أشار لك بأمر اتبعته فهل أنت حبيب نفسك أم عدوها، تترك ما أمرتك به على يد حبيبي، وتمتثل أمر من لعنته وجعلته إماماً للخاسرين، أفلا تفيق من سكرة غفلتك، أفتحرق نفسك بنار وأنت تدعي العقل، فالخير كله في موافقة محمد، والشر كله في مخالفته. لقد خسر من ترك طريقاً واتبع أهل الضلال، فمحمد هو نائبي في الدلالة والإعانة والإرشاد، والكمال عليَّ، فاتبعوه بالله.


((والهادي إلى صراطك المستقيم)) معناه: اللهم صل على سيدنا محمد الذي جعلته هادياً أي دالاً وموصلاً إلى طريقك المستقيم، وهو الطريق الموصل إلى معرفة الله، ولا يكون إلا العلم والعمل بالشريعة المنزلة عليه صلى الله عليه وسلم بلا قصد من العالم العامل. فقد عرّفتني يا رب ذلك بما أعطيته لي من الكشف والعيان، فلك الحمد على كل حال، وبما أنزلته من برهان.

فلم يدلّ على طريقة النار ولا على طريقة الجنة، ولا على طريقة الدنيا، وإنما يدلّ على الله، مع ضميم إنهاض همم السائرين بذكر فضلك على المخلصين، من الجنة ونعيمها، ومع التنفير عن طريقة النار لما فيها من المخالفة لك، وزيادة تخويفهم بذكر صواعق مطارق غضبك تنفيراً لهم عن ساحة معصيتك لا غير. فلو كان الناس كاملين ما بشّرهم بالجنة ولا خوّفهم بنارك، ولكن أرسلتَه إلى الأخلاط من خلقك، ففهم مقصوده العارفون، فعبدوا محبة وامتثالاً واستحقاقاً وغلبة. وجَهِلَهُ الضعفاءُ فعبدوك للجنة وللخوف من نارك. فكلهم عبيدك، امتثلوا أمرك، وإن جهلوا بحقيقة العبودية. فأنت تكرمهم بجنتك، وتحفظهم من نارك، لأنهم امتثلوا نبيك، فإنهم فهموا من خطاب نبيك أن المقصود هو الجنة وأن المفلح من لم تحرقه بنارك، فذهل عن زبدة الخطاب الشرعي. فالجنة حضرتك، والنار هرب منها بالأعمال خوفاً من جلالك، فقد أطاعك بالأعمال وإنما منعه رؤية أغراض نفسه ذاهلاً عن حقيقة العبودية التي تقضي بوجوب العبادة بلا غرض. فلو أعلمتَه بأنك تحرقه لوجب عليه القيام بشكر نعمتك، فالإحراق بالنار مع قيامه بوظائف العبودية: جنة. وجنته امتثال أمرك وأما الإمداد والرحمة فمن لوازم سيادتك، فالسيد يمدّ ويرزق، والعبد يستمدّ ويُنعَم. وأعظم النعم رضاك.


وأما باعتبار أصل الكلام فمعناه: قولوا: (اللهم صل على سيدنا محمد الهادي) الذي جعلتُه أنا في الأزمنة كلها هادياً وموصلاً ومرشداً (إلى صراطك) أي الطريق الموصل إليّ ويوقف العبد في حضرة ذاتي وهي جنة معرفتي. فالصراط الموصل هو عين ما أنزلتُه عليه وبلّغَه لكم، وهو إيجاب القيام بوظائف العبودية من كل ما يراد منكم مما فصّله لكم خليفتي وبيّنه لكم بأوضح عبارة وأصرح إشارة، وهو الوقوف مع مراداتي بترك مرادكم، فإنكم عبيد. فإن معرفة وفهم العبد هو الهروب من حضرة سيده، فتلك عادة الله أن العبد لا يريد إلا الإباق، وهو أحلى عنده من كل لذيذ، وهو عين هلاكه. فمرادي أن أكون لك سيداً قائماً بشئونك، فإن أطعتني أطعتك، وإن عصيتني منعتُكَ من حضرة قدسي، وأنت بمعزل عن مقام الأدباء. فياعجباً السيد العظيم يطيع عبده بكمال الإحسان في كل حال، والعبد ينكر إحسانه ويابق منه، فهل له من يكرمه مثل سيده، فما بعد الإباق إلا حتف نفسه بأنياب إبليس، فهو سبع ضاري، أعددته لكل هارب مني، يفترسه ويجرّه إلى حضرة غضبي، والأبالسة سباعي، أسلّطهم على الآبقين من حضرتي، المنكرين جزيل إحساني. فالعبد ينعم عمره من خزائن سيده ويهرب إلى غيره فاعتبروا في سفاهة عبد هرب من سيده وعرّض نفسه للسخط الدائم أو منقطع، فكفاه عاراً إن قلتُ له في حضرة رجوعه: هربتَ مني يا عبد السوء. وإن عفوتُ عنه، أفلم يكن ذلك يكفيه من النار، فنار المغفرة كنار السجن لمن كان له قلب يفهم به، واستقامة الصراط إنما تكون بالأدب بترك الأغراض في معاملته مع الله
 

منقول من الإراءة