من شروط الطريقة التجانية الفاصلة والحازمة: أن يعتقد المريد أن الشيخ محبوب لله إصطفاه الله واجتباه لحضرة قدسه ونصبه لتربية الواردين وتأديبهم بآداب الشريعة وتجريدهم مما سوى جمال حضرة الله وتحليتهم بوظائف المماليك بين يدي سيدهم وأنه طبيب ماهر في كيفية التصفية فلم يلحقه أحد لأنه بالإذن من ربه، فيلزم مريد الدخول في حضرته أن يقصر عليه همته ظاهرا وباطنا في الدنيا وفي الآخرة

وأن ينسب كل ما عنده له بحيث لا يتحرك ولا يسكن. بقبضة يده، فيحب شيخه لأنه محبوب الله لا غير، ويصحبه للدلالة على الله لا غير، وهذه المحبة هي محبة الذات، وهي التي تنفع الواردين، لأنه أحبه لله من غير غرض دنيوي ولا أخروي، بل لأنه مظهر محبة الله. وصحبه لله، للدلالة عليه لا غير.
فقصد الشيخ إيصال الواردين الى حضرة ربه بالله لله من غير غرض بل امتثالا لأمره، لأن الله أنابه له ونصبه لذلك، وتصحيح نيتهم ووجهتهم الى حضرة ربهم، بحيث يجب عليه أن يدلهم على ربهم ويعينهم بالإرشاد وبالقوة والعدة التي استولى عليها من بحر النيابة عن الله (وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر) فقد استنصره الوارد فيجب عليه نصحه، ومن تمام النصح إرشاده الى حضرة الله لا الى بركة نفسه وسر نفسه وعلمه وولايته ولا إلى خواص الأسماء والطلاسم، ولا إلى العمل الشاق، بل يجرده لحضرة مولاه، لأنه ما نصبه الله إلا له لا لنفسه ولا لغيره. فالشيخ دليل دال الى الله، سائق وحاد الى سيده، وهو فان في مراد سيده، فيحب للواردين ما يحب لنفسه، والذي يحبه لنفسه ما هو عليه من الكمالات الإلهية، فالدلالة للشيوخ، والكمال على الله.

وأما محبة العوارض، كأن يحب الشيخ لعلمه وولايته وكرمه، الى بقية أوصاف الكمال، فإنه لا تغني من جوع في شيء، ولا تنفع بالكلية، لأن حقيقة العارض، ما يجيء ويذهب، كفرح وشبع، فإن الإنسان إذا ركب وبنى محبته على العرض وجعل العرض علة لها، فإن محبته تبقى ببقاء العارض وتزول بزواله. فإذا أحبه لولايته، فقد بنى محبته على غرر، ولا تأثير ولا بقاء لها. فكما أن الله لا يعبد لغرض، لأنه ما خلقنا لغرض، تعالى عن أن تكون له أغراض، دنيويا أو أخرويا كان، بل يعبد لكمال توحيد وجهته الى حضرة سيده لما اقتضته السيادة والملكية أداء لما كلف به من وظائف العبودية الذي تدل على صفاء العبودية. والمقصود توحيد أوجه العبودية لتوحيد حضرة السيادة وهي العبودية الصرفة. وأنواع العبادات تصححها وتدل عليها لا غير، لأنك إن عبدت ربك لغرض من أغراض البشرية الدنيوية والأخروية، تناديك حضرة سيدك: ما عبدتنا لأجلنا وإنما عبدت لأجلك، فلا نصيب لك في جمالنا، لأنك لم ترده وإنما تعرضت لأغراض نفسك، فغرضك تقضيه لك يد بحر الفضل ولا نصيب لك في القدس، لأنك نجس بالأغراض، والغرض شركة، وأنا أغنى عن الشركة والشركاء، فكمل فرحك بشريكك الذي شركته معنا في عبادتك لنا وهو الغرض، فالغرض زبالة إبليس. فكل عبد أو عمل فيه غرض يسكنه لأنه أصله الذي عطب به يوم غضب عليه ربه. فكل من عبد الله لغرض فإمامه فيه إبليس، هو الذي سنه وشرعه للمبطلين، فلا يخلو صاحبه من غوائل حتفه.

فالغرض مع الله من أكبر العوائق عن حضرته ورضاه ومحبته وأنسه، فكذلك الشيخ، لا يعرف ولا يصحب لغرض، لأنه نائب عن الله في الدلالة عليه، وتجريد القلوب من الأهواء المضلة. فكل من صحب الشيخ لغرض نفسه من أغراض بشريته الدنيوية والأخروية، لا ينتفع بصحبته أبدا، ولو صحبه ألف عام، لأن حضرته تقول له: ما أحببتنا لأجلنا وإنما أحببتنا لأجلك. لأن المحبة تزول بزوال الغرض. فالشيخ مكلف بالتجريد من الأغراض، فيبقى متعلقا به عمره كله من غير منفعة تعود عليه منه، لأن غيم الحظوظ يحول بينه وبين حضرة شيخه ونبيه وحضرة ربه، فيبقى مذبذبا بحظوظه، وينسب اللوم لشيخه، بأن يقول مثلا: ما نفعني شيخي ولا ظهر علي أثر بركته. فينسلخ من حضرته طمعا في غيره، وهكذا الى الممات، فيضيع عمره واجتهاده في الأعمال الصالحات. فالأعمال الصالحات، صالحات في نفسها، وهو أخرجها عن موضوعها، بحيث طلب بها أغراض نفسه، وهي مشروعة لعبادة ربه. كمن أخرج المنجل آلة الحصاد للحراثة، أو آلة الحراثة للحصاد. فهو أحمق، فكل آلة تصلح لما خلقت له ووضعت.
فصحبة المشائخ فائدتها الدلالة على الله، وأنواع العبادة مشروعة لآداب حضرة الله، وهو الوقوف بين يديه بما شرعه لنا لا غير. فسياسة الله هي التي أنزلها في كتابه، وتولى رسول الله صلى الله عليه وسلم رياسة تبيينها للأمة، فلما غاب عنا وجهه بأنوار ربه، أناب لنا من يقوم موضعه لتولي رياسة التبيين، فتولى مقامه شيخنا وقدوتنا رياسته الى قيام الساعة من ظهوره، ينقلها في أصلاب كمال أتباعه، بيده الى قيام الساعة، وهو كبيرها الى يوم الدين. فيجب على كل عاقل الانحياش له والانخراط في سلك
عزه وملكه.

من كتاب الإراءة