وأمّا الشيخ الّذي هذه صفته كيف يتّصل به وبماذا يُعرَف؟ فالجواب: "أنّ الشيوخ المتّصفين بهذا الأمر كثيرون وأغلبهم في المدن الكبار فإنّها مقرّهم، وأما معرفتهم والاتصال بهم فإنّه عسي أغرب وجودا من الكبريت الأحمر لأنّهم اختلطوا بصُوَرِ العامّة وأحوالهم، ومَن سألهم عن هذا الحال نفّروه وطردوه وحلفوا له ما عندهم من هذا الأمر شيء، والعلّة الموجبة لهم لهذا أنّه قد فسد نظام الوجود بمشيئة الحقّ سبحانه وتعالى التي لا منازع لها وليس لكلّ آدميّ إلاّ السّعي في أغراضه وشهواته بالإعراض عن الحضرة الإلهية وما تستحقّه من تَوْفية الحقوق والآداب، وليس للعامّة في هذا الوقت مِنَ السّعي للأولياء إلاّ لأغراضٍ

فاسدة يريدونها مِنَ التمتّع بالدنيا ولذّاتها وشهواتها والنّجاة من المصاب والعطب في هذه الدّار مع إقامتهم وإصرارهم على الدّواهي المهلكات العظام من الكبائر الفاحشة التي لا عقبى لصاحبها إلاّ دار البوار وليس لهم عن هذا الميدان خروج ولا لهم رجوع إلى الحضرة الإلهيّة وُلُوج، فلمّا عرف العارفون ما في العامّة من هذا الأمر احتجبوا عن العامّة وطردوهم بكلّ وجه وبكلّ حال، وكان اقتضاء ذلك أن يسكنوا في البراري والقفار، وكان مراد الحقّ منهم أن يبقوا في وسط العامّة ويسكنوا في وسطهم لأمور أرادها الحقّ منهم سبحانه وتعالى وحَكَمَ بها عليهم فلا منازع له في حكمه، ولم يجدوا مَساغا في الخروج عن العامّة في البراري والقفار لِمَا عليهم من حُكْمِ الله الذي لا خروج لهم عنه ولا يجدون سبيلا إلى إصلاح العامّة وردّهم إلى الحضرة الإلهية، فَهُمْ بمنزلة مَن أُقِيمَ بين جماعة الحمقاء يرمونه بالحجر وكُلِّفَ بالصبر والإقامة بينهم. فَهُمْ في عذاب، فلهذا احتجبوا عن العامّة وطردوهم بكلّ حال، وربّما شمّ العامّة روائح أصولهم من وراء الحجب فنهضوا إلى التعلّق بهم في ما يريدونه من أغراضهم فخلط العارفون عليهم بِوُجُوهٍ مِنَ التخليط استتاراً عن العامّة بإظهار أمورٍ مِن الزنا والكذب الفاحش والخمر وقَتْلِ النفس وغير ذلك مِنَ الدّواهي التي تحكم على صاحبها أنّه في سخط الله وغضبه، والأمور التي يقتحمها العارفون في هذا الميدان إنّما يُظْهِرُونَ صُوَراً مِنَ الغيب لا وجود لها في الخارج إنّما هي تصوّرات خيالية يراها غيرهم حقيقة فيفعلون في تلك الصور أمورا منكَرةَ في الشرع وهُمْ في الحقيقة لم يفعلوا شيئا، فاستتروا بذلك عن العامّة حفظاً لمقامهم وتحريراً لآدابهم.
وإذا عرفتَ هذا فقد اختلط الصادقون والكاذبون في هذا الميدان، ولا يُعرَف هذا مِنْ هذا، ولا حيلة لأحدٍ في معرفة العارف الواصل أصلاً ورأسًا إلاّ في مسألةٍ نادرة في غاية الندور وهو أنّ بعض الكُمَّل ظهروا في مظاهر الصُّوَر الشرعيّة الكاملة فمن ظهر بهذا المظهر وادّعى المشيخة بالمعرفة فيه أنّه يعرف بدلالته على الله تعالى والرجوع إليه والتزهيد في الدنيا وأهلها وعدم المبالاة بها وبوجودها مع ظهور صفة الفتح في غيره على يديه، فإنْ ظهر للمريد على هذه الصفة فلْيُلْقِ نفسه إليه بمجرّد اللقاء. والذي يجب على المريد في حقّه أنْ لا يُلقِ نفسه إليه حتّى يتعرّف تواتر أخباره مِن ثقات الواردين والمجاورين له، فإنْ ظهرت الصفة المعروفة عليه فليصحبه وإلاّ فلا.
ومَن رام الوصول إلى شيخ في هذا الوقت ولمْ يجد حيلة في معرفته وخاف من الوقوع في حبائل الكذّابين فعليه بالتوجّه إلى الله بصدق لازم وانحياز إليه بقلب دائم ودوام التضرّع إليه والابتهال إليه في الكشف له عن الشيخ الواصل الذي يخرجه من هذه الغمّة وأنْ يدلّه عليه وأنْ يوفّقه لإمتثال أمره حتّى يقع في الغرق في لجج بحره، فلا حيلة له إلاّ هذا.
وأكبر من ذلك وأوْلى وأنفع وأبلغ للوصول إلى المراد وأرفع لِمَن لم يجد حيلة في العثور على الشيخ الكامل استغراق ما يُطيق عليه من الأوقات في كثرة الصلاة على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بالتأدّيب والحضور وتَوَهُّم القلب أنّه جالس بين يديه صلّى الله عليه وسلّم،
ولْيداومْ على ذلك فإنّ مَنْ داوم على ذلك، وكان اهتمامه بالوصول إلى الله تعالى اهتمامَ الظمآن بالماء، أخذ الله بيديه وجذبه إليه إمّا أنْ يُقيّض له شيخا كاملا واصلا يأخذ بيده، وإمّا أنْ يُقيّض له نبيّه صلّى الله عليه وسلّم يُرَبِّيهِ، وإمّا أنْ يفتح له باب الوصول ورفع الحجب بسببِ ملازمته للصلاة على حبيبه صلّى الله عليه وسلّم فإنّها أعظم الوسائل إلى الله تعالى في الوصول إليه، وما لازمها أحدٌ قطّ في طلب الوصول إلى الله تعالى فخاب قطّ.

القطب المكتوم الخاتم المحمدي سيدي أحمد التجاني
من كتاب جواهر المعاني