دع ما ادعته النصارى في نبيهم * واحكم بما شئت مدحاً فيه واحتكم

قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ). وقال صلى الله عليه وسلم: (إنما بعثت رحمة ولم أبعث لعّاناً).. وقال "حسان بن ثابت":
تالله ما حملت أنثى ولا وضعت * مثل الرسول نبيُّ الأمة الهادي
وقال الإمام "البصيري":
ابانَ مولده عن طيب عنصره * يا طيب مبتدأ منه ومختتم
وقال أمير الشعراء "أحمد شوقي":
ولد الهدى فالكائنات ضياء * وفم الزمان تبسَّمٌ وثناء


لقد أرسل الله رسوله رحمة للناس كافة، من آمن به ومن لم يؤمن به على السواء. فالبشرية كلها تأثرت بالمنهج الذي جاء به طائعةً أو كارهةً، وما تزال ظلال هذه الرحمة وارفة، لمن يريد أن يستظل بها، خاصة في هذه الأيام، وأن البشرية اليوم لفي أشد الحاجة إلى حس هذه الرحمة ونداها، وهي قلقلة وحائرة، شاردة في متاهات المادية، وجحيم الحروب، وجفاف الأرواح والقلوب.
إن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف تعبير عن الفرح والسرور بالمصطفى، والرسول نفسه كان يعظّم يوم مولده، ويشكر الله تعالى فيه على نعمته الكبرى عليه، إذ سعد به كل موجود، وكان يعبر عن ذلك التعظيم بالصيام كما جاء في الحديث عن "أبي قتادة": أن رسول الله "صلى الله عليه وسلم" سُئل عن صوم يوم الاثنين؟ فقال: (فيه ولدت وفيه أنزل عليَّ). وهذا في معنى الإحتفال به، إلا أن الصورة مختلفة، ولكن المعنى موجود، سواء أكان ذلك بصيام أو إطعام الطعام أو اجتماع على ذكر، أو صلاة على النبي "صلى الله عليه وسلم"، أو سماع شمائله الشريفة.
كما كان النبي "صلى الله عليه وسلم" يلاحظ ارتباط الزمان بالحوادث الدينية العظمى التي مضت، فإذا جاء الزمان الذي وقعت فيه كان فرصة لتذكرها وتعظيم يومها. وكما صح في الحديث أن الرسول لمّا وصل إلى المدينةورأى اليهود يصومون يوم (عاشوراء) سأل عن ذلك فقيل له: إنهم يصومونه لأن الله نجّى فيه نبيهم وأغرق عدوهم، فهم يصومونه شكراً لله على هذه النعمة، فقال "صلى الله عليه وسلم": (نحن أولى بموسى منهم فصامه وأمر بصيامه).
فالمولد أمر استحسنه العلماء والمسلمون في جميع البلدان، وجرى به العمل في كل مكان، فهو مطلوب شرعاً للقاعدة المأخوذة من حديث ابن مسعود "رضي الله عنه" قال: (ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحاً فهو عند الله قبيح). كما أن معرفة شمائله ومعجزاته وإرهاصاته تستدعي كمال الإيمان به وزيادة في المحبة، إذ الإنسان مطبوع على حب الجميل، خُلُقاً وخَلْقاً، علماً وعملاً، حالاً واعتقاداً، ولا أجمل ولا أكمل ولا أفضل من أخلاقه وشمائله، وزيادة المحبة وكمال الإيمان مطلوبان شرعاً. فالاحتفال بالمولد إحياء لذكرى المصطفى "صلى الله عليه وسلم" مشروع في الإسلام. وأنت ترى أن أكثر أعمال الحج إنما هي إحياء لذكريات مشهورة، ومواقف محمودة، فالسعي بين (الصفا والمروة)، ورمي الجِمار، والذبح بمِنى كلها حوادث ماضية يحيي المسلمون ذكراها بتجديد صورتها في الواقع. وكل ما ذكرناه من الوجوه في مشروعية المولد، إنما هو في المولد الذي خلا من المنكرات المذمومة التي يجب الإنكار عليها. أما إذا اشتمل المولد على شيء مما يجب الإنكار عليه، كاختلاط الرجال بالنساء، وارتكاب المحرمات، فهذا مما لا شك في تحريمه ومنعه لما اشتمل عليه من المحرمات، لكن تحريمه حينئذٍ يكون عَرَضياً لا ذاتياً.
أقوال العلماء في مشروعية الإحتفال بالمولد
قال "ابن تيمية" رحمه الله تعالى: (...... فتعظيم المولد واتخاذه موسماً قد يفعله بعض الناس ويكون فيه أجر عظيم لحسن مقصده وتعظيمه لرسول الله صلى الله عليه وسلم).
وقال "السخاوي" رحمه الله تعالى: (لم يفعله أحد من السلف في القرون الثلاثة، وإنما حدث بعدها، ثم ما زال أهل الإسلام من سائر الأقطار والمدن يقيمون المولد ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات ويعتنون بقراءة مولده الكريم ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم).
وقال "السيوطي" رحمه الله تعالى: (وهو من البدع الحسنة التي يثاب عليها صاحبها، لما فيه من تعظيم قدر النبي "صلى الله عليه وسلم" وإظهار الفرح والاستبشار بمولده الشريف). وقال أيضاً: (يستحب لنا إظهار الشكر بمولده "صلى الله عليه وسلم" والاجتماع، وإطعام الطعام ونحو ذلك من وجوه القربات وإظهار المسّرات). وقال أيضاً: (ما من بيت أو محل أو مسجد قرئ فيه مولد النبي "صلى الله عليه وسلم" إلا حَفَّت الملائكة أهل ذلك المكان وعمَّهم الله تعالى بالرحمة والرضوان).
وقال "الحافظ العراقي" رحمه الله تعالى: (..... ولا يلزم من كونه بدعة كونه مكروهاً، فكم من بدعة مستحبة بل قد تكون واجبة).
وقال "ابن حجر العسقلاني" رحمه الله تعالى: (... وأي نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبي نبي الرحمة في ذلك اليوم، وعلى هذا فينبغي أن يقتصر فيه على ما يفهم الشكر لله تعالى من التلاوة، وإطعام الطعام، وانشاد شيء من المدائح النبوية المحركة للقلوب إلى فعل الخير والعمل للآخرة).
وقال الشيخ "محمد حسنين مخلوف" شيخ الأزهر رحمه الله تعالى: (إن إحياء ليلة المولد الشريف، وليالي هذا الشهر الكريم الذي أشرق فيه النور المحمدي، إنما يكون بذكر الله تعالى وشكره لما أنعم به على هذه الأمة من ظهور خير الخلق إلى عالم الوجود، ولا يكون ذلك إلا في أدب وخشوع وبعدٍ عن المحرمات والبدع والمنكرات، ومن مظاهر الشكر على حبه مواساة المحتاجين بما يخفف ضائقتهم، وصلة الأرحام. والإحياء بهذه الطريقة وإن لم يكن مأثوراً في عهد النبي "صلى الله عليه وسلم"، ولا في عهد السلف الصالح، إلا أنه لا بأس به وسنة حسنة).
وقال "المبشر الطرازي" شيخ الإسلام السابق في (تركستان) رحمه الله تعالى: (إن الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف أصبح واجباً أساسياً لمواجهة ما استجد من الإحتفالات الضارة في هذه الأيام.. والقصد من الاحتفال النبوي هو أن يجعل الناس يوماً من أيّام العام خالصاً لتذكار محمد رسول الله "صلى الله عليه وسلم" أكبر أبناء بني آدم بركة على الإنسانية وأبقاهم وأنقاهم في صحائف التاريخ أثراً).
أقوال هؤلاء العلماء، على تباينها في ألفاظها، إلا أنها تكاد تكون متفقة في أهمية الاحتفال بمولده "صلى الله عليه وسلم"، ولا يشتم منها من قريب أو بعيد رائحة الرفض له. واستناداً إلى آرائهم فإننا نذهب إلى موافقتهم والاطمئنان إلى صحة ما ذهبوا إليه، لأنهم ثقة عندنا، ولا نورد أية شبهة غير موضوعية حول الاحتفال بمولده "صلى الله عليه وسلم" كما فعل البعض.
كيفية الاحتفال
إن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف ليست له كيفية مخصوصة لا بد من الالتزام بها، بل إن كل ما يدعو إلى الخير، ويجمع الناس على الطاعة، ويرشدهم إلى ما فيه منفعتهم في دينهم ودنياهم، يحصل به تحقيق المقصود من المولد النبوي، ولذلك فلو اجتمعنا على شيء من المدائح التي فيها ذكر الحبيب "صلى الله عليه وسلم" وفضله وجهاده وخصائصه، ولم نقرأ قصة المولد النبوي التي تعارف الناس على قراءتها واصطلحوا عليها حتى ظن بعضهم أن المولد النبوي لا يتم إلا بها، ثم استمعنا إلى بعض المواعظ والإرشادات وقراءة القرآن الكريم، فإن ذلك داخل تحت الاحتفال بالمولد النبوي الشريف.
شبهات وردت
الشبهة الأولى: قول القائل: إن الاحتفال بالمولد لم يفعله السلف ولم يكن في الصدر الأول، فهو بدعة محرمة يجب الإنكار عليها.
والجواب على ذلك: ليس كل ما لم يفعله السلف هو بدعة محرمة، ولو كان الأمر كذلك لحّرم جمع "أبي بكر" و"عمر" و"زيد" رضي الله عنهم القرآن الكريم وكتابته في المصاحف خوفاً على ضياعه بموت الصحابة القراء رضي الله عنهم. ولحرم جمع "عمر" رضي الله عنه الناس على إمام واحد في صلاة القيام مع قوله: (نعمت البدعة هذه) وحرم التصنيف في جميع العلوم النافعة.. بل يجب أن يعرض ما أحدث على أدلة الشرع، فما اشتمل على مصلحة فهو واجب، أو على محرم فهو محرم، أو على مكروه فهو مكروه، أو على ما هو مباح فهو مباح، أو على ما هو مندوب فهو مندوب. وللوسائل حكم المقاصد، فكل ما تشمله الأدلة الشرعية ولم يقصد بإحداثه مخالفة الشريعة ولم يشتمل على منكر فهو من الدين، ومن ثم قَيَّد العلماء حديث (كل بدعة ضلالة) بالبدعة السيئة، ويدل على ذلك قوله "صلى الله عليه وسلم": (من سَنَّ سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء).
لذلك قال الإمام "الشافعي" رضي الله عنه: (ما أُحدث وخالف كتاباً أو سنةً أو إجماعاً أو أثراً، فهو البدعة الضالة، وما أُحدث من الخير ولم يخالف شيئاً من ذلك فهو المحمود). حتى أنه نفى اسم البدعة عما له أصل في الشرع، فقال رضي الله عنه: (كل ما له مستند من الشرع، فليس ببدعة ولو لم يعمل به السلف، لأن تركهم للعمل به، قد يكون لعذر قام لهم في الوقت، أو لما هو أفضل منه، أو لعله لم يبلغ جميعهم علم به).
هذا وقد أثبت القرآن الكريم جواز ابتداع ما فيه خير وزيادة قربى إلى الله، فقد قال "أبو إمامة" رضي الله عنه: (إن الله فرض عليكم صوم رمضان ولم يفرض قيامه، وإنما قيامه شيء احدثتموه، فدوموا عليه فإن أُناساً من بني إسرائيل ابتدعوا بدعاً فعابهم الله بتركها فقال: (ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها).
وقال "الحافظ ابن رجب" في شرحه للحديث (كل بدعة ضلاله)، المراد بالبدعة ما اُحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعاً وإن كان بدعة لغةً. فليس هذا الحديث إذاً كلية تقتضي شمول الضلالة لكل محدث، بل هو من قبيل العام المخصوص، أو العام الذي أُريد به الخصوص.
وقال الحافظ "ابن حجر": (هذا الحديث معدود من أصول الإسلام وقاعدة من قواعده، فإن معناه: من اخترع في الدين ما لا يشهد له أصل من أصوله فلا يلتفت إليه).
مما تقدم تبين لنا أنه ليس معنى ترك النبي "صلى الله عليه وسلم" لشيء هو أن ذلك الشيء لا يجوز فعله، فإن القاعدة الأصولية المشهورة بين أهل العلم: (ترك الشيء لا يدل على حرمته) ونقصد بالترك أن يترك النبي شيئاً لم يفعله، أو تركه السلف الصالح، من غير أن يأتي حديث أو أثر بالنهي عن ذلك الشيء المتروك بمقتضى تحريمه أو كراهته. وهذا الترك يكون على أنواع متعددة: مثاله تركه "صلى الله عليه وسلم" أكل لحم الضب لمّا قُدِّمَ له، وفي الحديث سُئل: أحرام هو؟ فأجاب (لا) فدلَّ على أن تركه لم يحرمه.
ولذلك فالترك وحده - إن لم يصحبه نص على أن المتروك محظور - لا يكون حجة في ذلك، بل غايته أن يفيد أن ترك ذلك الفعل مشروع.
الشبهة الثانية: قول القائل: إن الاحتفال بمولده "صلى الله عليه وسلم" في شهر ربيع الأول، وهو نفس الشهر الذي توفي فيه، فلماذا يكون الفرح بولادته ولا يكون الحزن بوفاته؟
والجواب على ذلك: كما قال الإمام "السيوطي" رحمه الله تعالى: إن ولادته عليه الصلاة والسلام أعظم النعم علينا ووفاته أعظم المصائب لنا، والشريعة حثت على إظهار شكر النعم والصبر والسكوت والكتم عند المصائب، وقد أمر الشرع بالعقيقة عند الولادة، ولم يأمر عند الموت بذبح ولا بغيره، فدلَّت قواعد الشريعة على أنه يحسن في هذا الشهر إظهار الفرح بولادته "صلى الله عليه وسلم" دون إظهار الحزن.
الشبهة الثالثة: قول القائل: إن الاحتفال بمولده نوع من الإطراء والتقديس له "صلى الله عليه وسلم" مما يؤدي إلى رفع مقامه عن كونه بشراً. وقد قال "صلى الله عليه وسلم": (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم فإنما أنا عبد الله ورسوله).
والجواب على ذلك: إن هذا الاستدلال غير صحيح لأن الإطراء المنهى عنه هو المشابهة لإطراء النصارى بأن المسيح هو ابن الله حاشاه تعالى عن ذلك. والدليل قول الإمام البوصيري:
دع ما ادعته النصارى في نبيهم * واحكم بما شئت مدحاً فيه واحتكم
وانسب إلى ذاته ما شئت من شرف * وانسب إلى قدره ما شئت من عظم
فإن فضل رسول الله ليس له * حد فيعرب عنه ناطق بفم
فمبلغ العلم فيه أنه بشرٌ * وأنه خير خلق الله كلهم
جزى الله الإمام "البوصيري" خيراً، حيث جاءت قصيدته في مبناها ومعناها بمثابة الرد على هذه الشبهة، لأنها تؤكد وتكّرس على بشرية الرسول وقدره وفضله وخيريته على من عداه من خلق الله كلهم.
أما إطراء النبي "صلى الله عليه وسلم" في الاحتفال بمولده فهو لا يعدو ذكر شمائله وأخلاقه، وقد مدح النبي "صلى الله عليه وسلم" أُناس من الصحابة وأثنوا عليه في حياته وبعد مماته، ولم ينكر النبي "صلى الله عليه وسلم" على أحدٍ منهم ذلك، بل وربما أيدهم.. فهذا "كعب بن زهير" لما قال أمام رسول الله قصيدته المشهورة: (بانت سعاد فقلبي اليوم متبول) نجد أن النبي قد خلع عليه عباءته وألبسه إياها جزاء صنيعه.
وهذا "عبد الله بن رواحة" مادحاً النبي "صلى الله عليه وسلم":
وفينا رسول الله يتلو كتابه * إذا انشق معروف من الصبح ساطع
أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا * به موقنات أن ما قال واقع
فهل كان مدح هؤلاء الصحابة وغيرهم لرسول الله "صلى الله عليه وسلم" وثناؤهم عليه أمراً مخالفاً للشرع؟ وإذا كان كذلك فهل يسكت عنه الرسول "صلى الله عليه وسلم"، فإذا كان يرضى عمن مدحه فكيف لا يرضى عمن جمع شمائله الشريفة.
الشبهة الرابعة: دعوى تلقي الأوامر الإلهية بالاحتفال بذلك اليوم في المنام. فقد ورد في مقدمة مولد السيد "محمد عثمان الميرغني" رضي الله عنه والمسمى (الأسرار الربانية): (رأيت في تلك الليلة النبي "صلى الله عليه وسلم" رؤية منامية، ورؤيته حق كما أورد عنه ثقاة الرواة بطرق الإحصان، فأمرني أن أصنّف مولداً واجعل إحدى قافيتيه هاءً بهية، والأخرى نوناً كما فعلت لأنها نصف دائرة الأكوان، وبشرني أنه يحضر في قراءته إذا قرئ، فسطرت ليتشرف به كلما تلى حكاية نومية، وأنه يستجاب الدعاء عند ذكر الولادة وعند الفراغ منه فنسأل الله الغفران).
والجواب على ذلك: كل الشبه التى أوردها الآخر إنما هي في منام يتعلق بإثبات حكم على خلاف ما يحكم به الولاة.
أما إذا رأى النبي "صلى الله عليه وسلم" يأمره بفعل ما هو مندوب إليه، أو ينهاه عن منهى عنه، أو يرشده إلى فعل مصلحة، فلا خلاف في استحباب العمل على وفقه، لأن ذلك ليس حكماً بمجرد المنام بل بما تقرر من أصل ذلك الشيء . والله أعلم.
القيام عند ذكر مولده
يظن بعض ممّن يحضر المولد النبوي ويقوم مع القائمين أن الناس يقومون معتقدين أن النبي "صلى الله عليه وسلم" يدخل إلى المجلس في تلك اللحظة بجسده الشريف حقيقة، وأن البخور والطيب الذي يوضع، هو له، فهذه الظنون باطلة لا أصل لها.
نعم نحن نعتقد أنه "صلى الله عليه وسلم" حي حياة برزخية كاملة لائقة بمقامه، وأن روحه جواَّلة في ملكوت الله سبحانه وتعالى، ويمكن أن تحضر مجالس الخير وكذلك أرواح الأولياء والصالحين من أتباعه، وقد قال "مالك" رضي الله عنه: (بلغني أن الأرواح مرسلة تذهب حيث شاءت)، وقال "سلمان الفارسي" رضي الله عنه: (إن أرواح المؤمنين في برزخ من الأرض تذهب حيث شاءت).
كما أن القيام في المولد ليس سنة ولا واجباً، وإنما هي حركة جرت عادة الناس بها واستحسن ذلك من استحسنه من أهل العلم.
يقول "البرزنجي" ما نصه: (وقد استحسن القيام عند ذكر مولده الشريف أئمة ذوو دراية فطوبى لمن كان تعظيمه "صلى الله عليه وسلم" غاية مرامه ومرماه). ويقول أيضاً:
وقد سنَّ أهل العلم والفضل والتقى * قياماً على الأقدام مع حسن إمعان
بتشخيص ذات المصطفى وهو حاضر * بأي مقام فيه يذكر بل دان
فأنت تراه يقول: ( بتشخيص ذات المصطفى) أي أن هذا القيام لتصور شخص النبي "صلى الله عليه وسلم" في الذهن، وهذا التصور شيء محمود ومطلوب، بل لا بد أن يتوفر في ذهن المسلم الصادق في كل حين، حتى تزيد محبته فيه "صلى الله عليه وسلم"، فالناس يقومون احتراماً وتقديراً لهذا التصور الواقع في نفوسهم عن شخصية الرسول "صلى الله عليه وسلم"، مستشعرين جلال الموقف وعظمة المقام.
فالقيام أمر استحسنه العلماء، والقصد تعظيم صاحب المولد وجرى به العمل في سائر البلاد، وما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن كما جاء في حديث ابن مسعود "رضي الله عنه"، فالبعض يذهب إلى أن المراد بالمسلمين في حديث "ابن مسعود" هم العلماء وليس عامة الناس، ولكنه رأى متهافت بدليل أن الإمام "تقي الدين السبكي" اجتمع عنده جمع كثير من علماء عصره، فأُنشد قول "البوصيري" في مدحه "صلى الله عليه وسلم":
وأن تنهض الأشراف عند سماعه  * قياماً صفوفاً أو جثياً على الركب
هذا في حق تشخيص شخصية الرسول في الذهن، كيف لا وقد أمر الرسول "صلى الله عليه وسلم" بالقيام لبعض من أصحابه، والدليل ما روته السيدة "عائشة" رضي الله عنها في قصة مجيء "سعد بن معاذ" ليحكم في (بني قريظة) قالت: قال رسول الله (قوموا إلى سيدكم فأنزلوه)، وهذا القيام كان تعظيماً لسيدنا "سعد" رضي الله عنه، ولم يكن من أجل كونه مريضاً وإلا قال: (قوموا إلى مريضكم ولم يقل إلى سيدكم).
أول من احتفل بالمولد النبوي:
لم يكن من سنَّة العرب أن يحتفلوا بتاريخ ميلاد لأحدٍ منهم، ولم تجرِ بذلك سنة المسلمين فيما سلف، فالاحتفال ظهر أيام الدولة الفاطمية.
يقول الدكتور "حسن إبراهيم حسن": (إن المعز لدين الله الفاطمي كان يشترك مع رعاياه في الاحتفال بعيد رأس السنة الهجرية ومولد النبي صلى الله عليه وسلم، وليلة أول رجب ونصفه، وأول شعبان ونصفه، وموسم غرة رمضان حتى لا يثير نفوس أهل السنة، ويقّرب مسافة الخلف بين المبادئ السنية والعقائد الشيعية).
وصاحب أربيل الملك المظفر "أبو سعيد كوكيري بن زين الدين بن بكتكين"، أحد الملوك الأماجد والكبراء الأجواد، قال "ابن كثير" في تاريخه: (كان يعمل المولد الشريف في ربيع الأول، ويحتفل به احتفالاً هائلاً وكان شهماً، شجاعاً عادلاً).
{ الخاتمة: يحسن بنا أن نختم الكلام بالآية التي بدأنا بها وهي قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)، فإذا كانت هذه الآية في مجملها تفيد بأن الله لطفاً ورحمة وكرماً أرسل سيدنا محمد "صلى الله عليه وسلم" للبشرية جمعاء، فبدون شك أن الله قد أكرم البشرية بهذا الإرسال لسيدنا محمد "صلى الله عليه وسلم". وهو بدوره - ومن حيث الواقع - كان مصدر سعادة لهم، حيث نقلهم من ضلالات الجاهلية إلى رحاب وسماحة الإسلام.
ونتيجة لهذا - ومن الناحية الأخلاقية - يجب على المسلمين الاحتفال بمولده "صلى الله عليه وسلم"، وهو أبسط حقوقه عليهم وإذا لم يفعلوا ذلك يكونوا قد قصروا في حقه "صلى الله عليه وسلم".
أما الذين لهم شبهات حول الاحتفال بمولده، فأنا أحسب أنهم لم يكونوا على خلاف مع غيرهم، بل أرى أن حرصهم ومحبتهم لرسول الله هي التي جعلتهم يقولون بهذه الشبهة.
إذن الجميع متفق على مبدأ التعظيم والمحبة لرسوله الكريم، ولكنهم يختلفون في شكل الاحتفال بالمولد وليس مضمون الاحتفال بالمولد، واختلاف الرأي لا يفسد للود قضية، لأنه سنة كونية، ما دام على شكل الاحتفال بالمولد. ولكن المشكلة تكون قائمة إذا اذهبوا إلى أن الاحتفال بدعة ضالة، هنا يكون الاختلاف حقيقة لا شكلاً.
والذي أحب أن أقوله في مختتم هذا الموضوع هو أنه يجب علينا جميعاً أن نحرص وبكل جد واجتهاد على العمل لوحدة المسلمين وتضامنهم في كل القضايا التي تهمهم سواءً الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، أم في القضايا الدينية الأخرى وما أكثرها، وهي تسجل أهمية أكثر مما نحن فيه الآن، خاصة أن المنظمات اليهودية بالتعاون مع الكنيسة المسيحية، تعمل بمنهج علمي مدروس للانتقاص من قدر الإسلام، ونبي الإسلام، بأساليب شتى، سواءً بإشعال الحرب الكلامية، أو الحرب بالبندقية بين المسلمين فقط في عالم اليوم. وما القنوات التلفزيونية عنا ببعيدة، بل البعض منا عندما يسمع النشرات الإخبارية يصاب بنوع من الإحباط والغثيان نتيجة لما يشاهده من أخبار محزنة.
لكل هذا يجب علينا ونحن في هذا الشهر الكريم، الذي ولد فيه نبي الرحمة، أن نتوجه إلى الله ونسأله أن ينزل علينا من رحماته وبركاته وفيضه، وأن ينصرنا على أنفسنا وعلى أعدائنا.
قال الشاعر "د. سيد أبو إدريس أبو عاقلة":
صلى عليك الله يا بدر الدجى * فلأنت بي والعالمين كفيل
صلى عليك مدير الكون خالقنا * ما رتل الذكر أهل الذكر ما ختموا
ثم الصلاة على المختار سيدنا * له المحبة في سري وإعلاني

أ. د. الشيخ أبو عاقلة الترابي
23 صفر 1434ه - 5/1/ 2013م