وإن عبد لغرض الجنة و أتقن العمل إتقانا محكما بهمة نافدة جادة غير سائمة ويلاحظ بعبادته ما سمعه من لسان الشرع من أنواع النعم الحور و غيرها بحيث لا يريد بعمله إلا ثوابه الآجل الأخروي يدر له الفلك بسهمه الذي هو غلة عمله وسكنى الجنة والتنعم بما فيها من نعم ربه وهو غير عابد ولا أديب بل هو مستوجب بعمله عقاب سيده لولا ما اكتنفه من فضل ربه الذي عليه التعويل فيتلذذ بما تعرض له بعمله و لاسهم له في حضرة ربه و معرفة سيده

بل يشتغل بنفسه في الدنيا و الآخرة منهمكا في شهواتها الحظية و إن كان يكرمه ربه بسماع لذيذ خطابه يوم الجمعة مع عامة الناس على حسب الإفضال لاغير فيبقى مع العامة ساعة ثم يرد إلى نفسه متنعما بشهواتها المألوفة محتجبة عن معرفة ذوق ما ذاقه أهل الحق الذين هم الأكابر من الموحدين عبادتهم لربهم في دار حياتهم الدنيوية وغيرهم بطال و إن كان في نعيم الجنة؛ فجنة الموحدين المفردين لمحض العبودية الأنس بربهم و لا تخطر نعم الجنة ببالهم وإن كانوا غرقى فيها بحسب الإفضال فيجمعون لذة شهودهم لجمال سيدهم في كل نفس من أنفاس الدهر مع لذيذ نعم الجنة فلعنبة واحدة يأكلها العارف أحب وألذ وأشهى من نعيم عامة أصحاب الجنة فالعارف أكرمه سيده بأعظم من نعيم الجنة ويحصل له سيده في نعمة واحدة أعظم ما يحصل لجميع عامة أصحاب الجنة بلا قصد من العارف بل بالفضل الإلاهي و يفاض عليه شهود مولاه الذي أفرد له العبودية * وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون * فالعارفون أفيض عليهم شهود مولاهم بعملهم و تفضل عليهم بلذيذ نعم الجنة بل بأعظم نعمها والعامي أفاض عليه الحق نعيم الجنة الناقصة اللذة عن مرتبة العارف بمراحل بسبب عمله لأنه مشهوده في دار الدنيا و أكرمه الله في نفس واحد يوم الجمعة بسماع كلام سيده ببركة العارفين ورؤية وجه سيده مع الفناء لا البقاء لأنه تعرض لرؤية ربه بعمله فدار له الفلك بسهمه وهو غير عابد فافهم الفرق بين العارفين في الجنة وبين عامتها تجد العامة إنما رحموا ببركة العارفين وهم عيالهم ويتبين لك أن نفس العارف في الجنة لا تقاومه أنفاس العامة كلها سواء كان في الأنس بربه أو في النعيم المقيم وقد علمت أن الله جل وعلا يخلق في عنبة واحدة مثلا للعارف لذة ما لا يجده أهل الجنة من جميع نعيم و جميع أعمار جنتهم، فاذا تمهد هذا فقم بين يدي مولاك بالعبودية الخالصة من غير غرض دنيوي ولا أخروي ولا برزخي بل لما عليه من جمال وجلال الكمال تكن أسعد الناس بمولاك و لا تغتر بزخارف الحظوظ التي هي مهلكة العابدين ومزبلة المطرودين فليكن حظك من مولاك أن جعلك آلة لذكره لا غير؛
وإن عبده لغرض الولاية والفتح والكشوفات و أتقن فيه إتقانا محكما على حسب ما عند أهل الطريقة الثانية المحدثة بعد القرون الثلاثة بعد إدبار القلوب عن الله التي بنوها على الحظوظ من الفتح و الكشوفات قصدا منهم لترقيق الحجاب لا غير لا أنها طريقة جادة بل هي معوجة معلومة الإعوجاج لكل عاقل لكن بنيت على الحظوظ أولا لغرض السياسة والرياضة فإذا رقت الحجب وانفتحت مسام بواطن أهلها يُعَرِّفُ المُسَلِّك أهلَها بسهولة عن قصد الحظوظ الذي هو عين الشرك فيتطهرون ببركة المسلِّك العارف لاغير ولاتحمد عواقب أهل الطريقة الثانية إلا عند اختتام أعمارهم وانتهاء أمرهم فمن بقي منهم حتى يرتاض ويرده المسلك إلى الطريقة الأولى الجادة التي بنيت على إفراد العبودية لسيادة المالك الحق جل وعلا وهي طريقة النبي صلى الله عليه وسلم وطريق أتباعه الصحابة وأتباعهم، فأهل الطريقة الثانية لا يسمون التابعين لرسول الله الإتباع الكلي حتى يتخلصوا للأولى لأنها ليست العبادة مقصودة للمحدثين لها من العارفين بل مقصودهم إطماع القلوب المدبرة عن حضرة الله على وجه السياسة فإذا مالت قلوبهم إلى طلب كرامة الله فطموهم منها وبينوا لهم وجه العبودية فيلتحق بعده بالسعداء بحضرة ربهم وعليه فإن أتقن العمل بوجهه يدر له الفلك بسهم الولاية والفتوحات و الإنفعالات بهممهم وخرق العوائد المألوفات بأضدادها فيعظمون في العالم العلوي و السفلي و ذلك جزاؤهم لأنه ما عبد الإلاه وربما يقطع له رأسه بسيف القدرة و يطاف به في عالم الحس فيقال هذا جزاء من اختار الولاية على خدمة مولاه أعيذ نفسي و إخواني من سوء القضاء اللهم إلا أن تدركه عناية الإلاهية فتخرجه عن حضرة حسه حتى يشهد الحق ويتبرأ من ولايته وقوته ويرجع إلى لبس ثياب العبودية بحيث لا ينازع سيده في ردائه و إزاره الكبرياء والعظمة فيكون حينئذ مرادا له جل وعلا فافهم فإنه موضع زلق موبق لأن كثيرا ممن أفيضت عليه الولاية بحسب عمله المتقن وهو محجوب عن الحق يتصرف بها بلا أدب حتى يطرد بسوء أدبه وربما يخيل له في حال الإنفعال أنه الفاعل وأنه عين ربه فيتكلم بكلمة الكفر نعوذ بالله من سخطه فيهدر دمه على لسان الشريعة محقا أو مبطلا فلا يلومن إلا نفسه ومن تطور في غير شكله فدمه هدر محقا أو مبطلا، إياي و إياك من دعوى الربوبية فإن هذه الدعوى رجس فالعبد عبد وجب عليه ألا يتعدى طوره على أي حال و الولي هو الحق جل وعلا لا غير و إنما أفاض اسم الولاية على غيره لسياسة ملكه لا غير و إياك أن تهمل حق العبودية التي هي أصلك فتغتر مع المغترين و أنواع المغترين كثير و أنت في هذه الحالة غير عابد لمولاك بل إنما حصلت على نتيجة عملك المتقن فكلما ازددت خدمة على هذا الوجه ازددت بعدا من الملك الحق بل إن تجلى فيك الحق على سبيل القهر فانهض بالله لا بك مفوضا مؤتمرا بأمره فافهم

 

الشيخ الأحسن البعقيلي