اعلم أن العبد لله على الحقيقة الأصلية واحد و هو سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم لأنه هو الذي أفرد الحقُّ كُلِّيَّتَهُ إلى الحضرة القدسية إفضالا منه جل و علا لأنه خلق من صفوة النور الإلهي و هو الذي خلقه لنفسه و ما سواه يعبد الله من وراء حجابيته صلى الله عليه و سلم حتى الأنبياء فإنهم خلفاؤه في ذلك فهو العابد لله دائما القائم بحق الربوبية

و العارفون يعرفون الله بما ظهر لهم من العابد الحقيقي صلى الله عليه و سلم و هم غرقى في أنواره متوجهين به لحضرة ربهم فهو قبلتهم و إمامهم من يوم فطر الله الخلق إلى ما لا نهاية لأيام الآخرة؛ فكل من ناب عنه صلى الله عليه وسلم بحلته التي ألبسها له صلى الله عليه وسلم ومن ناب عمن ناب عنه يعبد الله بحسب صفاء الحلة التي ألبسها فهكذا إلى آخر الدهر؛ ثم أكبر الخلق عبودية بعد الأنبياء القطب الجامع الكامل الوارث أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم ثم القطب دونه ثم من ضاهاهم إلى آخر الدهر وسيتبين لك ذلك كله في عرصات القيامة، فمن ورث مقام نبي من الأنبياء يعبد الله بقدر ما ورثه ذلك النبي من حضرة قطب الوسائل صلى الله عليه وسلم فإن كان قطبا مثلا يغترف ويتصرف بحسب عبوديته المكتسبة من موروثه ومن ورث المقام المحمدي يكون كاملا لجمع علم الأولين والآخرين تتفجر منه الشرائع كلها ويعبد الله بجميع شرائع الأنبياء لأنه ورث بالفضل الإلهي مددهم وروحهم ؛ وإنما ألممت بهذا و إن كان مستطردا لتعرف وساطته صلى الله عليه وسلم قبل الوصول وبعده فإن حجبت عنك وساطته صلى الله عليه وسلم فقد حجبت عمن كان قبلك من كبار العارفين مع اعتقادهم واعترافهم بها بل لا يتجلى أحد إلا بحلة شيخه الموروث له وهو صلى الله عليه وسلم قاب قوسين أي دائر بما خلقه الله المسمى بالأمر الإلهي وهو الكون، فاعلم أن الكون من حيث هو مثاله باعتبار عظمة المالك جل وعلا كبيضة صغيرة لا ظهور لها إلا كظهورها في قاب قوسين قشرة البيضة ولها قشور متعددة وكلما يسمى بالمخلوق داخل في باطن البيضة من العوالم كلها الدنيوية والأخروية حتى العرش وما في جوفه فحجابيته صلى الله عليه وسلم دائرة به وما في داخلها محفوظ به صلى الله عليه وسلم وهو مظله بحيث لو أزيل شيئ من حجابيته صلى الله عليه وسلم لتدكدك ما في داخله من عرش وغيره، فكلما خطر في بال العارفين الموحدين فإنما هو من جنس العوالم المحشوة في مرآته صلى الله عليه وسلم ولا سبيل لأحد أيا كان ولو سيدنا إسرافيل الذي هو أكبر العارفين إلى تحقيق مرتبته صلى الله عليه وسلم فضلا عن الإحاطة بها، وقد أعجز الحق جل وعلا جميع الخلائق عن إدراك جوهرة واحدة من جواهره صلى الله عليه وسلم، وقد قطع الحق جل وعلى أطماع الأفكار بالنبي صلى الله عليه وسلم ومنع كل إدراك به و جعله سورا قاهرا لكل عارف،فقاب قوسيته صلى الله عليه وسلم معناها أن الحق جل وعلى خلق صفيه صلى الله عليه وسلم من صفوة نوره جل وعلا فأضائت جوهرته صلى الله عليه وسلم فكل ما وصله نور جوهرته فهو بحر الخليقة المقهور ببحر الألوهية، فركبه الحـــق جل وعلا من نور جوهرته أدوارا ببحور الفيض والسقي الإلهي يظل بحر على بحر ويبرد حرارة السطوة الإلهية تدريجا حتى حصل اللطف الكبير منه جل وعلا؛ فكون الحق الفاعل المختار على حسب ما تعلقة به الإرادة الأزلية لجميع العوالم المترتبة في القوة والضعف فحصل لله الحمد الأمان والهناء لضعيف الأكوان بالقوي منها فهكذا حتى وصلت إلى المرتبة المحمدية فهي ظل الجميع وأصل الجميع وبحر فيوض للجميع كله لطفا من المالك جل وعلا بعباده ليبقي لهم وجودهم المناسب لهم بظل أقوى خلقه صلى الله عليه وسلم؛

فاعرف قدر نبيك تعرف منه قدرك وإنما بينت لئلا تدعي الإستقلال فتدك بسطوة غيرة مرتبة الحق على حبيبه فتحاول محالا لم يرده الله جل وعلا.

فإذا عبدت ربك بما أفاضه عليك من حضرة نبيك صلى عليه و سلم و عرفت و أعطيت للحضرات حقها و الأدب

 فاعلم أن الله عز و جل لما خلق خلقه و من جملته الفلك الدولاب الدائر السائر أبدا علق رزق خلقه بالعمل المتقن لأنه جل جلاله لا نسبة بينه و بين مخلوقه و إنما خلق و قدر و أراد بفضله فكل من عمل عملا متقنا أيا كان صالحا أو غيره و أتقنه بشروطه التي قررها الشارع صلى الله عليه و سلم بأقواله و أفعاله و تقريراته يدور له الفلك بسهم غلة ذلك السبب بعد علمك أن السبب لا تأثير له بل إنما هو أمر مطاع فمن عمل عملا صالحا من صلاة و صوم و ذكر و أنواع قربات و أتقنه بشروطه المقررة من همة نافذة جاهدة في طلبه أو موت دونه، فإن تعرض بعمله لدنيا يصيبها يدر له الفلك بها و هو غير عابد بل مسيئ مستحق في نفس الأمر المقت من الله لأنه لم يفرد العبادة له جل وعلا وإنما عبد لنفسه فهو مشرك في العمل المشروع للعبادة المحضة بحظه الدنيوي لولا فضل الله عليه لأهلكه به لكن قدر أن كل من عمل عملا وتعرض به لأمر وأتقنه يحصل على غرضه الذي هو النتيجة فتنفعل له الدنيا بسر همته ولا حظ له في الأدب مع ربه بل هو مطرود من حضرة القرب ولا يشم رائحة معرفة سيده مالم يتب ويخلص وجهته لحضرة سيده وربما يغتر بما حصل له من الفتوحات الدنيوية بسبب عمله فتنغلق عليه أبواب الرب جل وعلا فالغرور اعتقاد الأمر على خلاف ماهو عليه فقد اعتقد أنه حصل على خاصية الذكر مثلا فيصرف همته عمره كله لمثله ويجعل ذلك عبادة ربه فيعد نفسه من الذاكرين الله كثيرا و يتلذذ بذلك في جميع أوقاته وكلما ازداد خدمة ازداد بعدا من حضرة ربه لأنه إنما يغلظ الحجاب بهمته ونيته وربما يدل العابدين على مثل عمله فهو ضال مضل محجوب بإشراكه في عبادة ربه فتناديه حضرة سيده ما عبدتنا لأجلنا و إنما عبدت نفسك فابق مع نفسك منعما بغلة عملك ولأنت عندي أبعد من كل بعيد لنجاسة مطلبك، فنأمر أخانا في ذات الله أن يرجع إلى ربه تائبا من نجاسة حظوظه ويفرد وجهته لربه ويخلص عمله ونيته له يجده أقرب إليه من حبل الوريد فافهم؛ وإن عبد لغرض الخوف من عتابه وأتقن العمل بشروطه بهمة نافذة جادة أو الموت دونه يدر له الفلك بسهمه أي غلة عمله وهو الحفظ من أليم عقابه وهو غير عابد وغير أديب بل مشرك في الحقيقة لأنه استعمل السبب الذي يقصد به امحاض العبودية والتعلق بالربوبية في حظ نفسه الذي هو الخوف من النار وهو في الحقيقة و ان كان محفوظا من العقاب يستحق البوار بالإشراك * إن الله لا يغفر أن يشرك به * وعدم الغفران بعده من حضرة سيده حتى يفيئ إلى أمر الله ويتبرأ من الشرك في العمل فتناديه الحضرة ما عبدتنا لأجلنا و إنما عبدت نفسك فافهم ترشد