السير إلى الله ينتهي بالوصول إلى مشارف حضرته، والسير في الله يبتدئ بعد الوصول إلى مشارف حضرته . فالسائر إلى الله هو كالمسافر في بيداء قاحلة يبحث عن شجرة يستظل تحتها ، والسائر في الله يكون تحت الشجرة فيتسلقها ليقطف من ثمارها.
و تتميز الطريقة التجانية عن غيرها من الطرق بكونها طريقة سير إلى الله وفي الله . ذلك أن المريد التجاني بمجرد انخراطه

في هذه الطريقة المباركة وتصديقه في شيخها يجد نفسه تحت الشجرة وليس في طريق البحث عنها ، و يجد رهن إشارته سلما يتسلق به الشجرة ليقطف من ثمارها المتنوعة ، وهو سلم الأوراد اللازمة وغير اللازمة .
ذلك أن نقطة انطلاق الطريقة التجانية هي "الحقيقة المحمدية " التي هي نهاية سير العارفين و نجد معناها مبثوثا في صلاة الفاتح وفي جوهرة الكمال وهما من الأذكار اللازمة في الطريقة ، بينما نقطة انتهائها هي "الحقيقة الأحمدية" (باطن الحقيقة المحمدية ) التي نجد معناها مبثوثا في الصلاة الغيبية في الحقيقة الأحمدية .
فمشكاة ختمية الشيخ (ض ) تعتبر الغطاء المباشر الذي يحجب "الحقيقة المحمدية " في ظاهرها المحمدي وباطنها الأحمدي ، لذلك
ئيجد المريد التجاني نفسه بمجرد انتسابه للطريقة على أبواب هذه الحقيقة ؛ يبقى عليه أن يتسلق شجرة هذه الحقيقة المتعددة الفروع والأغصان و الممتدة في عنان السماء ليقطف من ثمارها المعرفية المتنوعة .
يقول سيدي عبد العزيز الدباغ في الإبريز :
"ولو كان الإختيار للعبد وكان عمره تسعين سنة مثلا؛ لاختار في جميع هذه المدة؛ أن لا يشاهد إلا النبي صلى الله عليه وسلم؛ وقبل موته بيوم يفتح له في مشاهدة الحق سبحانه؛ فإنه يحصل له في هذا اليوم من الفتح في مشاهدة الحق سبحانه لأجل رسوخ قدمه في مشاهدة النبي صلى الله عليه وسلم أكثر مما يحصل لمن فتح له في المشاهدتين معا في تلك المدة، من أولها إلى آخرها." (الذهب الإبريز، الفصل التاسع )
ويشير سيدي أحمد التجاني إلى مستويات المشاهدة النبوية ومراتبها بقوله :"فالأولياء مختلفون في الإدراك لهذه المراتب . فطائفة غاية إدراكهم نفسه صلّى الله عليه وسلّم ، ولهم في ذلك علوم وأسرار ومعارف . وطائفة فوقهم غاية إدراكهم قلبه صلّى الله عليه وسلّم ، ولهم في ذلك علوم وأسرار ومعارف أخرى . وطائفة فوقهم غاية إدراكهم عقله صلّى الله عليه وسلّم ، ولهم بحسب ذلك علوم وأسرار ومعارف أخرى . وطائفة ، وَهُمْ الأعلون ، بلغوا الغاية القصوى في الإدراك فأدركوا مقام روحه صلّى الله عليه وسلّم ، وهو غاية ما يُدرَك ، ولا مطمع لأحد في درك الحقيقة في ماهيّتها التي خلقت فيها ."
ومن انتسب إلى الطريقة التجانية ثم تركها إلى غيرها يكون كمن غادر الشجرة التي كان يتفيؤ ظلالها ويقطف من ثمارها ليتيه في بيداء قاحلة بحثا عن شجرة كان يجلس تحتها .