المشايخ الى القرن الحادي عشر كلهم محمديون بالوجه الأخص والأعم لأنهم تجردوا كما تجرد صلى الله عليه وسلم فكل من عبد من غير غرض فهو محمدي وإنما سلكوا غيرهم لقصد الرياضة لا غير وهم عارفون أنهم في سلوكهم مسيئون ظالمون حيث استعملوا الأذكار من القرآن وغيره لطلب أغراضهم من الأسرار والفتح واستخدام الروحانييين والركون الى غير الله

من المراتب، لكن فعلوا ذلك نصيحة للأمة لما جمدت القلوب عن الظواهر وصارت الشريعة رسما بلا روح وامتلأت وتمالأت الناس على طلب نيل حظ من مراتب الصحابة واجتهدوا بالصيام وأنواع العبادات والتقشف حتى فنيت قواهم التي هي سبب المعاصي وتلاشت أركانهم بالعزوبة والعزلة والصمت والإخلاص الذي يناسبهم
فظهرت رجال بالاجتهاد ومنهم السائحون في الخلوات والبراري وظهرت العشاق وأهل الأحوال والمجاذيب الساقطوا التكليف ووصلوا الى مقصودهم من الفتح في المكونات وصارت الأكوان طوع يدهم يتصرفون بهممهم وتجلت لهم خدام الأسماء بالبينات والكرامات وزادت قواهم وهممهم في طلب الأسرار بأنواع الأسماء وظهرت خزائن القرآن التي تناسب الكون وقرروا في كتاب الله أوقارا وصنفوا تصانيف من خزائن الأسرار التي لا مطمع فيها للعلماء الغير المرتاضين فحكمت العلماء سيف الانتقاد عليهم وزاد ظهورهم على العلماء ففشى القول في الأولياء بسبب شطحاتهم حيث يقولون أمرا مستغربا عند علماء الرسوم واستحلوا المراتب وزادت هممهم في طلب الزيادة وطلبوا زيادة علم مقصود لهم وصاروا يخبرون بالمغيبات ويتشكلون في أي صورة شاءوا
كالروحانيين بسبب رياضتهم ومنهم من جعل الارض في قبضة يده وتنافست الاقوام في نيل فتح كوني وكنوزه وأخبروا بخواص النبات من السيمياء والكيمياء فانبنى عليه السحر وتقليب الأعيان وركبوا الجداول في الأسماء لغرض التصريف بها في المكونات فظهر لهم تأثيرات الطلاسم في العالم فمنهم من قتل بإحراق نور الأسماء عددا من ملوك الجن لطاعته واستخدموا الجن في أغراض نفوسهم زاعمين أنه رجولة وقتلوا بالأسماء عددا كثيرا من بني آدم ليدخل في طاعتهم فخافت الناس منهم والجن واستخدموهم وصار ملكهم ملكا عضودا ظالمين غيرهم بأنوار الأسماء فخدمتهم الناس رغما فيقولون لهم إما أن تعطيني كذا وإما أن أتصرف فيك بهمتي فانقادت لهم السلاطين والأمراء

ثم إن المشايخ لما رأوا قلوبهم رقاقا أخذوا عهدا من تلامذهم وهو بيعة رضوان عندهم على التجريد مبينين لهم أن ما كانوا عليه في حال سلوكهم ليس بإخلاص محض ولا كائد له فمن أراد أن يصل الى حضرة الله فليتجرد عن جميع غيره فيما مضى وينسلخ عن الأكوان متبرئا مما سوى الله فقرروا لهم أن الأكوان وفتوحاتها عين الحجاب وأن ما ظهر لهم في سلوكهم قواطع عن الله وبينوا لهم أنهم ما أرشدوهم إليه إلا لغرض السياسة فمن أراد حضرة الحق فليتبع طريقتنا الأولى السليمة من الأكوان والغير والغيرية فانجابت بعض العقول الذين سبقت لهم الحسنى وقليل ما هم لكن العارف يقنع بواحد من الألف إذا خلصه لله لكثرة الغفلة فخالف الجل على أشياخهم باستحلاء ما ظهر لهم في الطريق فبقوا مع الأكوان أمراء في وسط الكون ولا حظ لهم في معرفة الله فلما تجرد من تجرد وصل في الحين فصار يستقذر ما هم عليه من مشاهدة أسرار الكون ورأوا انقياد الأكوان من أكبر العوائق عن الحق فعدوا كل من بقي في تلك المرتبة الكونية جاهلا لا عقل له حيث زين الوقوف بباب الأكوان من بساتين الدنيا والآخرة مع الانقطاع به عن حضرة مولاه فيا خسارة تجارته حيت اتجر مع نفسه لنفسه بنفسه وهو يعتقد أنه وصل باب الله وهو بمعزل عنه بل أضعف العامة أهل الاستسلام أقرب منه وأعز منه لأنه تجرد من الدعوى ومن انقياد الأكوان له فصار يحترف معولا على مولاه
معتقدا انقطاعه فإذا رأى من كان مجتهدا يخدمه فيربح بنيته فيا بعد من استبدل الاكوان الفانية بحضرة سيده ويا حمقه ولو تمالأت عليه الخلائق بالتعظيم فإنه غير معظم شرعا وعقلا لأنه ما خلقه ربه إلا لخدمته فقدم غيره فلما سحر الكون برياضته انقلبت له الأعيان فظن أنه على شيء ولو انفتحت له شعرة واحدة من مسام المعرفة بالله لاستقذر ما هو عليه وصار يذمه لكراهة رائحته ففطن من قومه الله في علمه في الطريق المستقيم

فأهل الطريقة الثانية في الابتداء لا يزينون إلا غير الله لأنهم يقولون اذكر كذا ليكون لك كذا من الولاية والكشوفات فدلوا على غير الله لكن المشائخ منها مجتهدون فلهم أجر لأنهم ما فعلوه إلا لترقيق الحجب لا غير فرجال الطريقة الأولى يجردون من أول وهلة فلا يدلون على غير الله ورأوا الرياضة من أكبر الدواهي التي نزلت بالناس حيث لم يدلوا على ما دل عليه الشارع صلى الله عليه وسلم من لم تصلحه السنة لا أصلحه الله فالسنة تدل على الله وتجرد مما سواه فهو زبدتها ورأوا أن من مات من أهل الثانية قبل الوصول مات على غير السنة لأنه طلب الولاية التي ليس من شأنه وإن كان مسلما باتباع الأوامر من صلاة وغيرها لكن دخله الفساد من النية (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى) فنوى بعبادته غير الله

الإراءة