وقد علمت أن الإرادة تخصص والقدرة لا تنفد، فلم يرد الله أن يخلق صورة أكمل من صورة الإمكان، وهو عين الحقيقة المحمدية، مرآة مراتب الحق جل وعلا، ومنها أبرز جل وعلا جميع ما سبق في علمه أنه يوجده من أجرام وأعراض الدنيا والآخرة، وجعلها روحاً سارياً في ذرات الخلق سراية الماء من عروق الشجرة إلى أغصانها، ورحمة رحمة الوالدة لأعز أولادها، وأصلاً أصل الماء للنبات، ومقراً قرار الماء في الكوز، وعزاً عز الابن بأبيه. وهي أول التعينات في بحر العمى والطمس. والعمى في اللغة السحاب بين الأرض والشمس، فإذا رأيته حاجباً لقرص الشمس وإذا انغمست فيه لم تره ولا الشمس ولا قدرة على جوازه وإنما يزيد الإحساس بالحرارة، وهي افتتاح الوجود واختتامه، وقوامه وعينه، وبقاؤه وعمدته، وحفظه ومظله وجنته وجنته. ومن عينيتها ظهرت عيون لقلوب الأولياء وأودية لقلوب الأنبياء والعارفين وبحور لطينة جثمانيتها التي هي آخر أطوارها، فإنه تفضلت يد القدرة والإرادة على حسب العلم المنكشف بالحياة بالعين الأول من الحوادث ألبسها إلباسا أرادها فيها تنزلاً لإبراز الحكمة المكنونة في صدفية بطونها فصارت (روحاً)، وألبسها إلباساً أرادها وهي غاية ما يدرك الأنبياء والصديقون، فتنزل نورها فصارت (عقلاً)، فألبسها إلباس التنزل، أرادها منها حكمة فصارت (قلباً)، فألبسها إلباس التنزل فصارت (نفسا)ً، ومن النفس أبرز جل وعلا طينته صلى الله عليه وسلم، فسقاها جل وعلا ما انفرد الله بعلمه، فخلق من خميرة طينته (الصورة الآدمية)، وهي أفضل صورة، والصورة الملكية والجنية، ومن روحه أرواح العارفين، ومن عقله عقول العقلاء، ومن قلبه قلوب الكمّل، ومن نفسه نفس الأوابين، فكلٌ يعمل على حسب شاكلته في مراتبه، ولا يشرب من الحقيقة المحمدية إلا الأنبياء والفرد الجامع السر المحمدي القطب التجاني رضي الله عنه.

ثم إن جميع ما برز من الأمكنة والأزمنة والأجرام والأعراض مندرج في الحقيقة المحمدية، وليست هي مندرجة في شيء، بل هي الأب الأول، أبرزها إيجاداً جل وعلا زمن لا زمان ولا مكان، وهي التي أعبر عنها ببيضة الوجود، وهي في عمى لا فوق ولا تحت ولا جهة، وهي الجوهرة بلا حيز ولا فراغ، أمسكها الحق لنفسه في عمى، وهي مكان لكل متحيز وزمانه ولا مكان لها ولا زمان، بل انطمست الأبصار والبصائر دونها، فلم يخلق الله ولا أراد أن يخلق من يعرفها ولا كيفية سجودها لربها، اختص من أبدعها بها، واختصت به، فتعالت حقيقتها عن الاندراج في عقال العقل، بيد أن العقل أدرك إدراكاً علمياً يقينياً كشفاً ومعاينةً أنها حادثة مفتقرة غايته متذللة عابدة متوجهة كله خاضعة لحضرة الربوبية المالكية لها ملكاً ذاتياً أزلياً أبدياً، مقهورة بقهر الملك، محجورة بإرادة الحضرة المالكية، وهي المقصودة لذلك وعبادتها وعكوفها قائم مقام ما برز منها، وهي موفية فما طلب منها مما اقتدر عليه الإمكان، وإلا فليس في طوق الحادث أن يوفي بحقوق القِدَم، لكن تفضل جل وعلا بحضرة {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها}

من كتاب الإراءة