إعلم أن الله خلق الدارين، وخلق لهما طريقين، وجعل لكل طريق إماماً يدلّ عليها ويبطل غيرها. فللجنة أنبياء وورثتهم.

فالجنة قسمان: جنة المعرفة وجنة النعيم. فمن كان أهلاً للمعرفة دلّوه عليها، ومن كان أهلاً للجنة جنة نعيم دلّوه عليها. وهم ينظرون بنور الله ويعلمون بعلم الله، فيضعون حكمة في موضعها. فأهل الشريعة يدلّونهم على الأعمال ويبينوا لهم ما لهم فيها من فضل الله.

وأهل البصائر يدلّونهم على الأدب في الحضرة ويستقذرون لهم نفوسهم والركون إلى عملهم. وبيّنوا لهم أن العبد لا يتعرض للأجرة عقلاً لكمال ملك سيده له فهو مملوك فكيف يطمع في غير قسمة فضل سيده.

فشأن العبد: العمل بأدب، ورزقه في بحر غنى سيده. فصفي لهم حالهم مع ربهم ونبذوا ما سواه وراءهم، تعويلاً لكمال يقينهم بفضل سيدهم. وإن جاءوا فلا يحسون به لكمال غناهم بما عند سيدهم، فأشرق لهم في قلوبهم شموس صفاته، فألهتهم عن نفوسهم، لسطوة جمالها ولذاتها. وهم يتقلبون في نعيم الصفات، مضربين عما نزل بهم من أثر الخصوصية، الذي هو الابتلاء. فلما شاهدوه عين الخصوصية استكرهوا الراحة ولوازمها، فبقوا مع الله معية ذوقية غير مكيفة، فلم تخلق عبارة ولا إشارة توضحها أنفاس الدنيا والآخرة أبداً.

ولطريق النار إمام مجتهد محيط بكيفية سلوكها وبكيفية الدلالة عليها، وهو إبليس أبو الشياطين، وهو كبير الغواية. فيترك أولاده في طريق النار يزينون البقاء معها لسهولتها ولموافقتها لهوى النفس بسقوط التكليف فيها في زعم أهلها، ويقف هو مع كبار أولاده في طريق الجنة فيغوي من وجده مائلاً إلى الراحة ولوازم النفس في الدنيا، ويزّين له البقاء في الدنيا ويعظّمها بين عينيه ويوسع له في الأمل حتى يصيره كمخلد فيها ويضحك عليه ويبول عليه ليفتنه بريح شقائه ولا يزال به حتى يزّين طريق النار فيدلّه عليها فيجدها مناسبة لهوى نفسه فاستحلاها فاستتمت الفتنة عليه. فمن وجده مجداً في طلب الآخرة مقبلاً كل الإقبال مدبراً عن الدنيا كل الادبار، تركه لقوة عزمه.

وأما طريقة المعرفة، فلم يعرفها إبليس أولاً. فلو عرفها ما مال إلى رياسة وشقاوة، وهي طريقة السعادة، وهي في بحور السعادة ، وقد أحيطت بها جواهر السعادة، فلا ينظرها ولا يعرف أهلها إلا السعداء، وإبليس شقي، فلو اقترب منهم لسعد، وقد اقتضت الحكمة عدم سعادته أبداً، لأنه إمام الشقاوة والاتعاب بالنار.

فالداران دار الله، وما فيهما عبيد الله، والمالك واحد أحد وهو الله، فالفعل فعله والخلق خلقه والأمر أمره والملك ملكه لا شريك له ولا وزير ولا معين ولا غرض، وإنما هو تدبير الحكيم.
 

الإراءة