دائرة الفضل الكنـزية المكتومة. هي أن الله جل وعلا فعل ما فعل بلا سبب ولا عمل ولا قصد ولا مجاهدة. بل إن شؤون الحق قد برزت من بحر فضله على أيدي أسمائه جل وعلا: فيجب عليكَ أن ُتعول على فضله (تعالى) لا على عملك، لأنه هو الفاعل له لا أنت و إلا أتعبت نفسك بلا طائل. فإذا عرفت هذا علمتَ أن مقصودنا أن تسلك الطريقة الأولى التي كان عليها صاحبُ الشرع و أصحابُه.

 

الصحبة والحب فقط:

اعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم وجد الناس في غفلة وإشراك وقتل بنات وأولاد وزنا واستحلال الدماء وغيرها، فنبَّههم بالسياسة الربانية، فساسهم وراضهم حتى ارتاضوا بأنواره وحكمته وبقوة عقله المكتسب من الشريعة، حتى أحبوه وتركوا ما كانوا عليه. وتجنبوا في محبتهم ما نهاهم عنه، وفضلوه على أنفسهم وأولادهم وأموالهم. فامتلأت قلوبهم بمحبته التي هي عين محبة الله، فلم يكن لهم اعتراض، غير امتثال أوامره واجتناب نواهيه. ولم يكن تقدم لهم ذكر جنة ولا نار ولا ولاية ولا كشف ولا سر ولا مراقبة ولا مشاهدة ولا معاينة ولا حال من أحوال السالكين، بل فاجأهم الحق على يد النبي صلى الله عليه وسلم، وصدقوا برسالته، مُمتثلين له مذعنين فانين عن أنفسهم، تاركين ما كانوا عليه ببركته: فتعلموا الشريعة، من أكل وشرب وجماع وحركة وسكون. فلا يعد أحدٌ منهم نفسه عالما كيفية الاستبراء من البول حتى يتعلمها منه، ولا ما دونها أو فوقها، من المعاملات والعبادات والعادات والعقود. فسلموا أنفسهم له وتركوا عقولهم معه. ولذلك ما كان يسألهم عن أي شيء من الأيام والشهور إلا ويقولون: الله ورسوله أعلم. ولم يكن فيهم من يدعى معرفة أقل الأشياء. فاشتغلوا برضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتجنبوا مساخيطه: فهذا دأبهم، إذ لم يقصدوا سلوكا ولا وصولا، وتجردوا من رذيلة الحظوظ النفسية، وصمموا على كتاب الله مفسَّرا بإشارة النبي صلى الله عليه وسلم لا بإشارتهم. فلما تحقق يقينهم، أزال الله الحجاب لكثير من الصحابة، حتى اتضح له ما قرره صاحب الوحي، فلم يزده ما شاهده معاينة على ما عنده من صريح كتاب الله. وعرف كل واحد منهم أنما ذلك ببركة متابعة حدود النبي صلى الله عليه وسلم. فلم يزدهم ذلك إلا متابعة واتصالا بالنبي صلى الله عليه وسلم. فثبت أمرُهم ورسخت أقدامُهم وتفجرت بحورُ صفائهم، من غير تعريج على شيء غيرِ المتابعة: فلم يكن فيهم مجذوب ساقط التكليف، لأنهم كاملون مكَمِّلون مهتدون هادون، واستقرت بحور الشريعة فأمدت قلوبَهم حتى إن أحدا لو بقي يُملي أسرارَ الشريعة عمْـر الدنيا والآخرة ما نفذ عُشُرَ ما فهمه من إشارات وتصريحات وتقريرات وعوائد صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم. وتقوت أشباحُهم وأرواحهم حتى أن أحدا منهم لَيُقاتل أهل جيلنا مثلا وحده وبعده، فلا ينسب شيئا لنفسه. فلا يقول: فهمتُ ولا علمتُ ولا تلقيتُ من حضرة غير النبي صلى الله عليه وسلم شيئا، بل ذلك كله عين الشريعة. وإن فهموا ببواطنهم شيئا، فيردونه لها: فبقيت الشريعةُ محررة، وبقي قصدُهم محررا مجردا من الأغيار، مضربين عما ظهر لهم من حقائق الشريعة، منسبين الحقائَق للنبي- صلى الله عليه وسلم- و إن وقع لهم الفتح الأكبر، وصرَّفهم الله في ملكه، فلا يُعدون أقطابا وأفرادا أو نجباءَ وأولياء وأوتادا فلا يراعونه، ولا يُخرجهم ذلك عن ثباتهم ولا ينطقون إلا بالرواية عن الشارع، فبذلك سموا الصحابة دون غيرهم، فإن الصاحب يشترط اتباع المصحوب فيه.

 

الاتباع والحب:

والتابعون (من القرن الثاني هـ) إنما صحبوا الصحابة لمشاهدة أفعالهم ومشافهة أقوالهم، ولاحظَّ لهم في صحبة النبي صلى الله عليه وسلم لأنهم لم يشاهدوه ولم يتبعوه حق الإتباع، وهكذا للقرن الرابع. فتابع التابعين لبس حُلة التابعين، والتابعي لبس حلةَ الصحابة، والصحابي لبس حلة صاحب الشرع. فشتان ما بين المقامات، وإن كان المورد واحدا. لكن لما عبد القرونُ الثلاثة اللهَ على وجه التجرد من كل حظ زائد عن التعلق بالربوبية بملازمة حد العبودية، سُموا قرونَ الفضل، فلا يوازنهم غيرهم ممن بعدهم، إلا من سلك مسلك إخلاصهم بتوحيدهم ألسنة العبودية لحضرة الربوبية، امتثالا ومحبة واستحقاقا وغلبة، فهذه هي الطريقة الفضلى الأولى الواضحة، الفضلية الخفية السمحة الإبراهمية الأحمدية المحمدية المستقيمة، التي سلكها من أنعم الله عليهم: من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسُن أولئك رفيقا.

 

فضائل الأعمال والثواب والعقاب والخواص:

ثم إن ما ذكره لسان الشرائع من الفضائل والثواب والعقاب والخواص مما ينشط المقرب، ما ذكره إلا لإيضاح ما أفاضه الحق بفضله على قلب نبيه، إظهارا لمرتبته ولخزائن أسرار ملك الله، ولتفجير عيون الجادين بالله لا بالنعم، فعظمت نعمة الله عليهم، ولم تزلزلهم النعم عن إفراد الوجهة لمولاهم، لتمكنهم في رسوخ الشريعة ومعرفتهم مقاصد الشارع. فاعتبروا بالظواهر البواطن، عالمين سر السجود الذي هو التذلل، والإفراغ والوقوف بجميع أجزائه بين يدي مولاه، عالمين منه أن لا فضل للفوق على الأسفل ولا العكس، وإنما الفضل ما فضله الحق. فسرى سرُّ العبودية في بواطنهم، ولم يضرهم ما سمعوا من جنة أو نار ولا قصور، فاستلذوا خطاب سيدهم، واجتهدوا في أمر العبودية، فصار فتحهم هجوميا بلا قصد. فلما تمايلت القلوب على الفتوحات الدنيوية بالجهاد الإسلامي، صار الناس يجاهدون للأموال ولإظهار مرتبتهم لتكون لهم الكلمة السلطانية.