قرب المعرفة وقرب الربوبية

في شرحه للآية الكريمة "وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي" يقول فضيلة الشيخ صلاح الدين القوصي .. أن إطلاق معنى القرب من الله سبحانه وتعالى هنا ليس صحيحا .. فالقرب في الآية الكريمة مقيد بإجابة الدعاء .. والتسلسل الطبيعي لترتيب الكلمات في الآية يشير إلى ذلك بدون تأويل .. فالخلق خلق الله وهو المتكفل بالرزق وإقامة الحياه للمخلوق على الوجه الذي تستقيم به حياة هذا المخلوق: سواءا زادا من الطعام أوشفاءا من الأسقام أوتسخير الكون والعوالم لتكون في خدمة الإنسان بما يمكنه من أداء مهمته والتي أوجده الله من اجلها .. والفطرة التي فطر الله الخلق عليها من ميلادهم بل من قبل الميلاد .. تدفع العبد رأسا إلى الخالق جل في علاه في كل رغباته .. فالدعاء وسيلة العبد إلى ربه في إستجلاب الرضا وتسهيل الأمر وطلب الرزق والشفاء .. فهو سبحانه الخالق والمالك والمجيب .. وليس له ند أونظير .. فهو سبحانه المتفرد ..


والحديث الشريف يقول فيه صلى الله عليه وسلم "يولد المولود على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه" .. بمعنى أن الفطرة في أرواح الخلق .. وأن ما يحدث بعد الميلاد من تغيير يكون في الظاهر .. لذا فالخلق على إطلاقهم مهما إختلفت عقائدهم في الظاهر .. لا ملجأ لهم في أمور حياتهم سوى ربهم ووسيلتهم الدعاء ...
وهذا هو قرب الربوبية .. فالله رب للجميع .. ومسئوليته عن الجميع .. ثم إنه يفتح على غير المؤمن إذا إجتهد وأخلص في عمله فتوحا قد يغير وجه الحياه .. وانظر إلى ما حولك من وسائل الحياه من كهرباء وأجهزة واتصالات وسيارات وطائرات وكلها تمت بأيادي وعقول قد يكون بعضهم لا ديانة له أو من عبدة البقر .. ثم لنقرأ قوله تعالى "ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون" ولفظ الصالحون هنا ينصرف معناه إلى الصالح لعمارة الأرض .. مهما كان إعتقاده .. وليس الصالح بمعنى المؤمن ..
فمعارف الربوبية متاحة لمن ينهل منها إذا إجتهد وكان صالحا لها .. وهذا هو القرب المشار إليه في الآية الكريمة .. وهو قرب إجابة الدعاء .. وهو قرب عوام الخلق من ربهم .. فهم على قدر معرفتهم بربهم يسألون ويطلبون ..
أما عن قرب المعرفة من الله فأمر آخر .. أن تكون عارفا بصفاته وذاته وحكمته العليا .. فهذه درجة من القرب رفيعة المذاق .. وتحتاج إلى معرفة أعلى من معرفة العموم .. وفيها يخاطب المولى جل شأنه أصحاب هذا المذاق الرفيع أو هذه الرغبة السامية في قرآنه قائلا "الرحمن فاسأل به خبيرا" .. فوجود الخبير بالرحمن لمن سمت نفسه في المعرفة الحقيقية بالرحمن تقدس في علاه أمر طبيعي .. وفي موضع آخر يؤكد مولانا المعنى عندما يقول في سورة الكهف "ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا" .. فها هي ولاية الإرشاد إلى الله بنص كلام الله لمن يتنطع في فهم المعنى .. فهنا روح لها شخصية قياديه وإرشاديه بها ولها معارف أعلى بالله تعالى .. حتى ألصق الله بها وصف الخبير .. الخبير بماذا ؟ بالنور الإلاهي .. والصفات الإلاهية .. وحكمة مولانا العليا .. وقضائه وقدره ..... وإلا ما أصبح خبيرا .. فإن سمت نفسك في القرب الأعلى .. وأردت حقيقة القرب من مولانا سبحانه وتعالى .. فابحث عن الخبير .. او كما سماه الله تعالى في الآية الأخرى "مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً " ... فإذا كان القرب في الآية التي نحن بصددها مطلقا .. فلا داعي لأن بكون هناك خبير .. ولكن الآية في القرآن جاءت لتوضح المعنى وتؤكده ..
كل هذا في سبيل عدم خلط المعاني .. وإعطاء كل معنى حقه في الشرح للتعريف وتأكيد المعاني الإيمانية في القلوب .. لأن الساحة عامره بالهواة من الدعاه كثيري الكلام .. يرددون كلاما لغيرهم بلا فهم .. وعوام المسلمين في حاجة إلى معنى حقيقي يلامس القلوب وغير ملفق .. بل ويتقبله العقل بلا إجهاد ..
فالله تعالى قريب منا .... نعم .. ليس في هذا شك .. لكنه قرب إجابة الدعاء .. فالخلق عيال الله بنص الحديث القدسي .. يمدهم ويربيهم ويشفيهم .. فليس لهم سواه .. أما قرب المعرفة والتقديس والتعظيم لله جلالا وكمالا فهذا أمر آخر .. يتطلب معرفة أعلى .. وخبيرا بالرحمن .. أو وليا مرشدا ....
وإن كان هذا الشرح وجها من وجوه الآية بل أبسطها .. فلا مانع أن يكون لها شرحا آخر .. فكل ميسر لما خلق له في الفهم والعمل .. فاحتكار المعاني والتضييق على الخلق دليل الجهل.. والله سبحانه هو الواسع المنان ..
فليست رغبات كل الخلق على درجة واحدة .. لأن العقول كذلك .. بل والقلوب أيضا .. فقرب المعرفة من الله لخصوص خلقه .. وكلما إرتفعت دائرة المعرفة هذه ضاقت حلقتها وقل عددها حتى تصل إلى المخلصين .. وهم من أخلصهم الله لنفسه بنفسه .. وهم الأنبياء أو من اصطفاهم واجتباهم الحق سبحانه وتعالى .. ثم منهم الرسل ذوي العزم وهم الخمسة المعروفين
.. ثم كان من الخمسة هؤلاء السيد الأعظم والعبد المفرد خير الخلق أجمعين .. من لا تكفي الكلمات لوصفه ولا يحيط مخلوق بقدره ( ما عرفني غير ربي ) وهو سبحانه وتعالى لا يسأل عما يفعل .. ويخلق ما يشاء ويختار ...
ويضرب مولانا الشيخ صلاح الدين القوصي مثلا بسيطا لتأكيد هذا المعنى بقوله .. أن الواقف على باب ملك من ملوك الدنيا يستطيع أن يسأل الملك ما يشاء من ملكه مالاً كان .. أو أرضا .. أو زرعا .. فها هي إمضاءاتي وتوقيعاتي للرعية لهم بعض ملكي ... لكن أن تتجاوز بطلبك التعرف على خصوصية حياة الملك وزوجته وأولاده وغرفة نومه وكيف وماذا يأكل .. فهذا تطاول بعيد .. بل هذا للخصوص والأحباب من البطانة وليس كلهم .. أما أنت فمكانك عند الباب بل خارجه حتى تأتي عطية الملك .... ولله المثل الأعلى كي تفهم ما خط القلم ....

كتبه السيد:/ خالد نصر نقلا عن الشيخ صلاح الدين القوصي

البحث

إخترنا لك...

أخي الزائر... لتبدأ من هنا..
حيث بعض الأساسيات لفهم قضية الأمة التى سببت الغمة
وستسأل في القبر في أول لقاء بعد مغادرة الدنيا عن ثلاثة أمور: عن ربك ونبيك ودينك؟
نحن تعرفنا على ديننا في الجامعات وحلقات المساجد وغيرها وبقي الثلثين!!!..:

هل كل مسلم أوعابد أو مصلي مؤمن؟

من يصمد أمام الدجال؟
لماذا نفى الله الإيمان عن قوم مسلمين؟
من أنت؟ هل أنت من يراه الخلق أم أنت أكبر مما يرون؟
ما قصتنا نحن؟ ما أصلنا؟ - هل هناك غير الأجساد
ألست بربكم؟.. إقرار في عالم الذر. وستُسأل: من ربك؟في القبر... فما العلاقة؟
الحياه البرزخيه للرسول صل الله عليه وسلم
الحب والإتباع
جهلنا محمدا فتجرأ الآخرون
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين السر في محبته
المعصوم صلى الله عليه وسلم هل له ذنوب؟ وما معنى فاعلم أنه لا إله الا الله واستغفر لذنبك

الإيمان والأخلاق والصفات الطيبة كيف تنتقل بين الناس؟

تعريف المسلمين أنفسهم برسولهم صلى الله عليه وسلم
كان مفزعا وكان مأمنا وكان غياثا وكان رحمة وكان أمانا، صلى الله عليه وآله وسلم
رسول الله يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين. السر في محبته
يامن يبحث عن السكن والمودة والحب والعناية هلم إلى محمد؟
ليس كل مصل متعبد، ولا كل صائم بزاهد، ولا كل باك بخاشع، ولا كل متصوف بصاف
قرب المعرفة وقرب الربوبية

المرئيات واليوتيوب

More Videos
Watch the video

من ربك؟ أسلمت... لكن هل آمنت!

More Articles

الإيمان أنواع وكل نوع له قوته..، وأعلاه هو الإيمان التحقيقي، وذلك هو الذي قد انطبع في القلب شهودا ومشاهدة ويقينا جازما لا شك فيه حتى لو خالفك فيه كل أهل...

حباك الله بالنَّعما لتشكر فطع في كل ما ينهى ويأمر ورشدك إن أتاك وصرت تحضر تأمل في خلال الأرض وانظر    إلى آثار ما صنع المليك فإنّ الروض فيه فائحات...

من نبيك؟ إعرفه لتحبه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم

More Articles

عبدالله/ صلاح الدين القوصي

More Articles

من أنت؟ إعرف نفسك

More Articles

الحِجَابُ والرُؤْياخلُصنا مما سبق إلى أن الإنسان وهو يعيش فى عالم الملك والشهادة، تُحِيطُه أيضاً عوالم الملكوت الغيبية، وأن هذه العوالم الغيبية متداخلة فيما...