أنواع الإيمان

الإيمان أنواع وكل نوع له قوته..، وأعلاه هو الإيمان التحقيقي، وذلك هو الذي قد انطبع في القلب شهودا ومشاهدة ويقينا جازما لا شك فيه حتى لو خالفك فيه كل أهل الأرض فانه لا يهتز ولا يتأثر..، وهذا بالطبع هو أعلي درجات الإيمان.، يقول تعالى في سورة آل عمران-18: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ). .، فاللَّه سبحانه وتعالى وهو الشاهد والشهيد قد جمع مع شهادته وشهادة الملائكة شهادة أولي العلم.. وهم خواص خلقه العلماء به تعالى والذين يقول عنهم: (إِنَّمَا يَخْشَي اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) (فاطر-28)
وتلي هذه الدرجة درجة الإيمان الاستدلالي أو العقلاني، وهو ذلك الذي يتكون في قلبك بالأدلة والبراهين العقلية، يقول تعالى: (قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ) (يونس-101) ويقول: (قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (العنكبوت-20) و هذا الإيمان العقلي يزيد وينقص لأنه دائما محل نظر وتفكر واعتبار.


والدرجة الأدني هي الإيمان بالتقليد، وهذا أضعف الإيمان لأنَّهُ ليس له أساس متين يرتكز عليه سوي التقليد لمن حوله، فمن نشأ في قوم فهو عادة يدين بمعتقداتهم ويسمع لكلامهم دون تمحيص منه أو تدبر فيه، فإن كانوا مؤمنين فهو مؤمن، وان كانوا كافرين فهو مثلهم، انظر إلى قوله تعالى في سورة الزخرف: (بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا على أُمَّةٍ وَإِنَّا على آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ)، فهذا الإيمان هو محل فتن وتغيير لأنه تقليد أعمى، فلا هو بالمشاهدة اليقينية ولا هو بالدليل العقلي.
اللَّهم إلا من نقله اللَّه برحمته منه إلى العقلي أو رزقه اللَّه اليقين من عنده كإيمان عوام المسلمين فهم على الفطرة الطاهرة، وفيها خير عظيم لأنها فطرة اللَّه التي فطر الناس عليها.
وضد الإيمان هو الكفر، فالإيمان هو الاعتقاد، والكفر هو الإنكار، فكافر النعمة هو منكرها غير المعترف بها.
والكفر نوعان، كفر اعتقاد وإلحاد بحيث لا يري الكافر النعمة أصلا أو يراها ولا يقدرها حق قدرها فهو كالأعمي تماما، يقول تعالى في سورة المائدة: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ).. ويقول: (يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ) (الأنعام-25).
والنوع الثاني هو كفر جحود ولجاجة واستكبار مع معرفته بالنعمة، يقول تعالى في سورة النحل: (يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمْ الْكَافِرُونَ)، ويقول: (فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) (النحل-112)، ويقول: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) (النمل-14)
فليس الإيمان كله واحدا، وكذلك ليس الكفر كله واحدا، ومن البدهي ان يكون الإيمان في قلبك هو إيمان بمعلوم لديك، وليس إيمانا بمجهول، صحيح أن هذا المعلوم يكون له في نفسك درجات كثيرة من العلم به، ولكنه ليس مجهولا تمام الجهل، والمعرفة درجات من درجات العلم، واليقين هو اعلي درجات العلم.
فإذا كان العلم هو الإلمام والإحاطة بالمعلوم، فإن اليقين هو ملامسة هذا العلم للقلب والانفعال به بحيث يصبح مهيمنا على كل أفعال وأحوال القلب وتقلباته، انظر إلى قول اللَّه تعالى في سورة الأنعام: (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنْ الْمُوقِنِينَ)، فالعلم عن طريق الرؤية قد أثمر اليقين، فإن اليقين هو ثمرة المعرفة.
ولتبسيط الأمر نقول إن كل إنسان يعلم بلا أدني شك أنَّهُ سوف يموت يوما ما، ولكنَّهُ في زحمة حياته وانشغاله بأمور دنياه وشهوات نفسه ينسى هذه الحقيقة، ويزداد يقينه بها إذا اتبع جنازة أو حضر شخصا وهو يموت، فتراه لفترة قد تطول وقد تقصر قد عزف عن الدنيا وحدثه قلبه باحتمال موته القريب وما ينتظره بعده، فتتبدل صفاته مؤقتا، فإذا ضعف عنده هذا اليقين عاد إلى انشغاله بدنياه وشهواته ناسيا الموت مرة أخري، مع علمه الكامل في جميع أحواله بأن الموت حقيقة وأنَّه سيموت بلا جدال.
فعلمه بالموت لم يزد ولم ينقص، ولكن يقينه به وهو ملامسة هذا العلم للقلب والانفعال به، هو محل الزيادة والنقص.

من كتاب الايمان لعبد الله/ صلاح الدين القوصي