التوحيد الحق بعيدا عن الحلول والإتحاد 2
(137) ما حجبك عن الله وجود موجود معه ولكن حجبك عنه توهم موجود معه
أي ما حجبك - أيها المريد - المحجوب عن الله تعالى وجود موجود من الأكوان الدنيوية أو الأخروية معه إذ لا وجود في الحقيقة لما سواه. كما قال بعض العارفين:
الله قل وذر الوجود وما حوى *** إن كنت مرتاداً بلوغ كمال
فالكل دون الله أن حققته *** عدم على التفصيل والإجمال
واعلم بأنك والعوالم كلها *** لولاه في محو وفي اضمحلال
من لا وجود لذاته من ذاته *** فوجوده لولاه عين محال
والعارفون بربهم لم يشهدوا *** شيئاً سوى المتكبر المتعال
ورأوا سواه على الحقيقة هالكاً *** في الحال والماضي والاستقبال
ولكن حجبك عنه تعالى توهم موجود معه أي توهمك أن ما سواه له وجود. والتوهمات باطلة لا حقيقة لها فلا حاجب لك عن الله تعالى. فإن وجود الآثار كوجود الظلال فمن شهد ظلية الآثار لم يحصل له عائق عن الله. فإن ظلال الأشجار في الأنهار لا تعوق السفن عن التسيار. ولو كان بينك وبين الله حجاب وجودي للزم أن يكون أقرب إليك منه ولا شيء أقرب من الله. فالحجاب حينئذ أمر توهمي بلا اشتباه
(138) لولا ظهوره في المكونات ما وقع عليهم وجود إبصار. لو ظهرت صفاته اضمحلت مكوناته
أي لولا تجليه سبحانه وتعالى من وراء حجاب المكونات أي من وراء حجاب هو هي ما وقع عليها إبصار أي ما وجدت فلا يقع عليها إبصار. ولو تجلى التجلي الحقيقي الذي لا خفاء معه لاضمحلت وتلاشت بدليل قوله تعالى: {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقَاً} (143) الأعراف. كما وضح ذلك بقوله: لو ظهرت صفاته اضمحلت مكوناته لأنه لا ارتباط بين
القديم والحادث. فظهوره سبحانه من وراء حجاب المكونات هو الذي أوجب ظهورها
(139) أظهر كل شيء لأنه الباطن وطوى وجود كل شيء لأنه الظاهر
يعني: أن مقتضى اسمه تعالى الباطن أن لا يشاركه في البطون شيء فلذا أظهر كل شيء أي جعل الأشياء كلها ظاهرة ولا باطن فيها غيره ومقتضى اسمه تعالى الظاهر أن لا يشاركه في الظهور شيء فلذا طوى وجود كل شيء أي لم يجعل لغيره وجوداً من ذاته بل المكونات جمعيها في الحقيقة عدم محض لأنه لا وجود لها إلا من وجوده. فالحق تعالى هو الموجود بكل اعتبار لأنه الظاهر من جهة التعريف الباطن من جهة التكييف
(140) أباح لك أن تنظر ما في المكونات وما أذن لك أن تقف مع ذوات المكونات {قُلْ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ} (101) يونس. فتح لك باب الأفهام ولم يقل انظروا السماوات لئلا يدلك على وجود الأجرام
يعني: أمرك الله تعالى أن تنظر ما في المكونات من آثار قدرته وبدائع صنعته لتستدل بذلك على آثار الأسماء والصفات. وما أذن لك أن تقف مع ذوات المكونات فإنه سبحانه ما نصب لك الكائنات لتراها بل لترى فيها مولاها. كما قيل في ذلك
:
ما أبينت لك العوالم إلا لتراها بعين من لا يراها
فارق عنها رقي من ليس يرضى حالة دون أن يرى مولاها
فقوله سبحانه: {انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ} ب (في الظرفية) المشعرة بأن الاعتبار بالمظروف دون الظرف فتح لك - أيها المريد - باب الأفهام فتفهم أنها موجودة لغيرها لا لذاتها فتنظر في الأكوان لتصل إلى معرفة الرحمن
(141) الأكوان ثابتة بإثباته وممحوة بأحدية ذاته
يعني: أن الأكوان من حيث ذاتها عدم محض ولم تكن ثابتة إلا بإثباته تعالى وإيجاده لها وظهوره فيها. فالثبوت لها أمر عرضي وإلا فهي في الحقيقة ممحوة بأحدية ذاته. فمن نظر إلى أحدية ذاته لم يجد للأكوان ثبوتاً وإنما لها ثبوت عند من نظر إلى الواحداية لأن الأحدية عند العارفين هي الذات البحت أي الخالصة عن الظهور في المظاهر وهي الأكوان والواحدية هي الذات الظاهرة في الأكوان فيكون للأكوان حينئذ ثبوت باعتبار ظهور الحق فيها. ولذا يقولون: الأحدية بحر بلا موج والوحدانية بحر مع موج فإن الحق سبحانه عندهم كالبحر والأكوان كالأمواج التي يحركها ذلك البحر فهي ليست عينه ولا غيره. هذا هو توحيد العارفين. وقد كرر المصنف الكلام عليه في هذا الكتاب وأبرزه في عبارات مختلفة محاولة على أن يحق عندك الحق ويبطل الباطل
وقد أفرده بعضهم بالتأليف وتكلم على وحدة الوجود بما لا مزيد عليه آه شرقاوي
(162) غيب نظر الخلق إليك بنظر الحق إليك وغب عن إقبالهم عليك بشهود إقباله عليك
يعني: إذا أردت أن تكون - أيها المريد - صادقاً في العبودية فغيب نظر الخلق إليك بأن لا يكون لك شهور بنظرهم إليك اكتفاء منك بنظر الله إليك وإقباله عليك فتغيب أدنى الحالين بأعلاهما. فإن نظر الخلق أمر وهمي باطل ونظر الله وإقباله بغية كل عاقل حيث إنهم لا يملكون ضراً ولا نفعاً ولا خفضاً ولا رفعاً
وأما إذا اغتررت بإقبالهم عليك قبل كمالك فإنه يوجب لك التصنع لهم ومداهنتهم ومعاشرتهم بالنفاق ونحوه ذلك
(163) من عرف الحق شهده في كل شيء ومن فني به غاب عن كل شيء. ومن أحبه لم يؤثر عليه شيء
أي من تحقق في مقام المعرفة بالله تعالى شهده في كل شيء لأن العارف إذا كان في مقام البقاء يرى الخلق والحق ويرى الحق ظاهراً في كل الأشياء وقائماً بها مع عدم غيبته عن نفسه وحسه. بخلاف من فني به أي من تحقق في مقام الفناء فإنه لا يرى في الوجود ظاهراً إلا الله تعالى ويغيب عن كل شيء سواه حتى عن نفسه وحسه فلا يكون منه على الأشياء اعتماد ولا له إليها استناد
ومن أحبه تعالى لم يؤثر أي لم يقدم عليه سبحانه في المحبة شيئاً من مراداته وشهواته فضلاً عن غيرهما من الخلق لأن حقيقة المحبة أخذ جمال المحبوب بحبة القلب حتى لا يدعه لغيره في حال من الأحوال. فهذه الأمور علامات هذه المقامات. فلا تقبل ممن يدعيها إلا بهذه الشهادات
(164) إنما حجب الحق عنك شدة قربه منك
يعني: أنه لما كان الحق أقرب إلى العبد من حبل الورد كانت شدة القرب حجاباً لأن الحجاب كما يكون بشدة البعد يكون بشدة القرب. فإن اليد إذا قربت من البصر والتصقت به لم يرها. وكذلك الرب لم نره لإحاطته بنا إحاطة تامة وقربه منا قرباً معنوياً
ثم أكد ذلك بقوله
:
(165) إنما احتجب لشدة ظهوره وخفي عن الأبصار لعظم نوره
يعني: أن شدة ظهوره بآياته عين خفائه عن الأنام بذاته. كالشمس حجبت بالأنوار عن أن تدركها الأبصار. فهو الباطن الظاهر كما أنه الأول الآخر
، والحجاب في الحقيقة إنما هو من الخلق كضعف البصر عن مقاومة فيضان النور. فإن الظاهر لذاته لا يحجب من ذاته؟ وأنشدوا في هذا المعنى:
لقد ظهرت فلا تخفى على أحد إلا على أكمة لا يدرك القمرا
لكن بطنت بما أظهرت محتجبا وكيف يعرف من بالعزة اشتهرا
(214) قربك منه أن تكون شاهداً لقربه و إلا فمن أين أنت و وجود قربه
يعني: أن مقام القرب الذي يشير إليه أهل هذه الطريق إنما هو مشاهدتك لقربه تعالى منك قرباً معنوياً لقوله سبحانه: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} (16) ق فتستفيد بهذه المشاهدة شدة المراقبة وغلبة الهيبة و التأدب بآداب الحضرة بحيث لا يراك حيث نهاك و لا يفقدك حيث أمرك. وإلا نرد القرب المعنوي بل أردنا القرب الحسي فلا يصح لأنه لا مناسبة بين القديم و الحادث فلا يليق بك إلا وصف البعد و شهوده من نفسك. كما سيقول المؤلف: إلهي ما أقربك مني و ما أبعدني عنك
(218) كيف يحتجب الحق بشيء ؟ والذي يحتجب به هو فيه ظاهر وموجود حاضر
هذا كقوله فيما تقدم (كيف يتصور أن يحجبه شيء وهو الظاهر في كل شيء) يعني: أنه سبحانه في كل شيء ظاهر لأن به تعالى قام كل شيء فأهل البصائر يشاهدون أنه في كل موجود حاضر فكيف يكون ما هو ظاهر فيه حجاباً له حتى يستدل به عليه ؟ وما ذاك إلا من عمى البصيرة وعدم الوصول بأنوار معرفته إليه
(244) لولا ميادين النفوس ما تحقق سير السائرين إذ لا مسافة بينك وبينه حتى تطويها رحلتك ولا قطعة بينك وبينه حتى تمحوها وصلتك
يعني لولا شهوات النفوس ومألوفاتها التي تخوض فيها وتتعشقها كما تخوض الفرسان في الميادين الواسعة التي تجول فيها الخيل ما تحقق سير السائرين أي ما تصور سير من أي مريد. فإن الله تعالى أقرب إليه من حبل الوريد ولو تطهرت النفوس لعلمت أنها في حضرة القدوس. فالسير إلى الله إنما هو قطع عقبات نفسك. فإن البعد منسوب إليك لا إلى ربك إذ لا مسافة حسية بينك وبينه تقطعها رحلتك لأنها لا تكون إلا بين متماثلين. ولا قطعة بضم القاف أي لا مقاطعة توجب البعد المعنوي بينك وبينه حتى تمحوها وصلتك لأن ذلك لا يكون إلا بين متعاديين وأين أنت من معاداة ربك. فليس ثم حجاب يمنع وصولك غير نفسك ولا يزول ذلك الحجاب إلا بإماتتها وتطهيرها من كل ما يغضب رب الأرباب ولا يكون ذلك في الغالب إلا بتسليمها لشيخ عارف بما لها من الأحوال فإنك تصل بالانقياد إليه إلى أعلى مراتب الكمال
(245) جعلك في العالم المتوسط بين ملكه وملكوته ليعلمك جلالة قدرك بين مخلوقاته وأنك جوهرة تنطوي عليك أصداف مكوناته
أي جعلك أيها الإنسان عالماً متوسطاً بين ملكه - بضم الميم - وهو عالم
الشهادة وملكوته وهو عالم الغيب. ولم يجعلك ملكياً محضاً ولا ملكوتياً محضاً بل جعل فيك من عالم الملك جسمك ومن عالم الملكوت روحك وسرك ليعلمك جلالة قدرك بين مخلوقاته حيث جمعت بين الظاهر والباطن وبين الجسمانيات والروحانيات ففيك انطوى العالم الأكبر. ومتى تدبرت ذلك علمت أنك جوهرة نفيسة تنطوي أي تحتوي عليك للخدمة والحفظ مكوناته التي هل لك كالأصداف المحيطة بالجوهرة. فإن الله تعالى سخر لك جميع مخلوقاته لنفعك كما قال تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} (13) الجاثية فينبغي لك أن ترفع همتك عن الأكوان وتشتغل بعبادة الكريم المنان فإنه يقبح منك أن تخدم الخدم وتترك عبادة مولي النعم
وفي بعض الكتب المنزلة: يا ابن آدم خلقت الأشياء كلها من أجلك وخلقتك من أجلي فلا تشتغل بما هو لك عمن أنت له. وقد بين العلامة الشرقاوي انطواء العوالم في الإنسان بقوله: ففيه من صفات الملائكة العقل والمعرفة والعبادة. ومن صفات الشيطان الإغواء والتمرد والطغيان. ومن صفات الحيوانات أنه في حالة الغضب يكون أسداً وفي حالة غلبة الشهوة يكون خنزيراً لا يبالي أين يلقي نفسه في حالة الحرص على الدنيا والشره يكون كلباً وفي حالة الاحتيال والخداع يكون ذئباً. ومن صفات النبات والأشجار أنه يكون في مبدئه غصناً طرياً مترعرعاً وفي آخره يابساً أسود. ومن صفات السماء أنه محل الأسرار والأنوار ومجمع الملائكة. ومن صفات الأرض أنه محل لبنات الأخلاق والطباع ومنه اللين والخشن. ومن صفات العرش أن قلبه محل التجلي. واللوح أنه خزانة العلوم. والقلم أنه ضابط لها. والجنة إنه إذا حسنت أخلاقه تنعم به جليسه. والنار أنه إذا قبحت أخلاقه احترق به جليسه
ص 165
(246) إنما وسعك الكون من حيث جثمانيتك ولم يسعك من حيث ثبوت روحانيتك
يعني أنك مناسب للكون - أي العالم السفلي وهو الأرض - من حيث جثمانيتك - بضم الجيم وسكون المثلثة - أي جسمك فقط فلذا وسعك لأن جسمك بعض الكون وله فيه مصالح
وأما روحك فلا تصلح أن تتعلق بالكون لعدم وجود مصالحها فيه وإنما تصلح للتعلق بمكون الأكوان فلذا لم يسعك الكون من حيث ثبوت روحانيتك. فينبغي السعي في تكمينها بإخراجها عن مألوفات بشريتك حتى تصلح للتعلق برب البرية فترقى بمعراج كمالاتها إلى الحضرة القدسية
فنظرك إلى الأكوان يحطك إلى أسفل سافلين ونظرك إلى المكون يرفعك إلى أعلى عليين. فاختر لنفسك ما يحلو
(247) الكائن في الكون ولم تفتح له ميادين الغيوب مسجون بمحياطاته ومحصور في هيكل ذاته
يعني أن من وجد في الدنيا ولم تفتح له خزائن العلوم والمعارف الغيبية الشبيهة بالميادين حتى يستنير بها قلبه ويشاهد أسرار رب العالمين فهو مسجون بمحيطاته - أي بشهواته المحيطة به - ومحصور في هيكل ذاته - أي في هيكل هو ذاته النفسانية - والمراد شهواتها. فهو مرادف لما قبله وأما من طهر نفسه من الشهوات وتخلص من سجن الرعونات فقد وصل إلى أعلى درجات السعادة وفتحت له ميادين الغيوب من عالم الغيب والشهادة
وفي بعض الآثار المروية عن الله عز وجل: عبدي اجعلني مكان همك أكفك كل هم ما كنت بك فأنت في محل البعد وما كنت بي فأنت في محل القرب فاختر لنفسك
(248) أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون فإذا شهدته كانت الأكوان معك
يعني أنك تكون مع الأكوان وعبداً لها ما لم تشهد المكون سبحانه فيها وقائماً عليها ومدبراً لها فإذا شهدته وعرفته حق معرفته كانت الأكوان معك ومسخرة لك ومتبركة بك حتى الحيوانات والجمادات. وهذا حال علي الهمة والإرادة كما قال الشبلي: ليس يخطر الكون ببال من عرف المكون. وقال بعضهم أنا أدخل السوق والأشياء تشتاق إلي وأنا عن جميعها حر وقال بعضهم: أشرفتُ على إبراهيم بن أدهم وهو في بستان يحفظه وقد أخذه النوم وإذا حية في فيها طاقة نرجس تروحه بها. وقال بعضهم كنت مع إبراهيم الخواص فإذا عقرب تسعى على فخده فقمت لأقتلها فمنعني وقال: دعها كل شيء مفتقر إلينا ولسنا مفتقرين إلى شيء
وكان بعض الأولياء يقول للسماء: أمطري. فتمطر
، وكان بعضهم يتعبد في الجبل فإذا أراد الذهاب إلى بيته يأتي إليه السبع خاضعاً فيركبه
(249) لا يلزم من ثبوت الخصوصية عدم وصف البشرية إنما مثل الخصوصية كإشراق شمس النهار ظهرت في الأفق وليست منه. تارة تشرق شموس أوصافه على ليل وجودك وتارة يقبض ذلك عنك فيردك إلى حدودك. فالنهار ليس منك وإليك ولكنه وارد عليك
يعني لا يلزم من ثبوت الخصوصية لأحد الخواص بإيصال الأوصاف العلية إليه وإظهار النعوت القدسية عليه فيتصرف في المكونات وتظهر على يده الكرامات عدم وصف البشرية بالكلية فإن الأوصاف البشرية من العجز والجهل والفقر للعبد من الأمور الذاتية. خلافاً لمن قال: إن الوصول إلى الله لا يكون إلا بذم أوصاف البشرية وزوالها بالكلية والاتصاف بصفات الربوبية فإن في ذلك من قلب الحقائق ما لا يخفى على من له أدنى روية. ولذا ضرب هنا لذلك مثلاً بقوله: إنما مثل الخصوصية كإشراق شمس النهار ظهرت في الأفق أي نواحي السماء وليست منه - أي الأفق - فالنور ليس ذاتياً له وإنما عرض لإزالة الظلمة. فكذلك الأوصاف القدسية ليست ذاتية للعبد وإنما هي عارضة على ظلمة أوصاف بشريته الذاتية لأنه تارة تشرق أوصافه تعالى التي هي
دلائل الأسماء والصفات.. ص 168
كالشموس على وجودك الشبيه بالليل المظلم لما فيه من الأوصاف الدنيئة فتغلب عليها وتظهر خصوصيتك فتكون غنياً بالله بعد أن كنت فقيراً وقادراً بالله بعد أن كنت عاجزاً وعالماً به بعد أن كنت جاهلاً إلى غير ذلك
وتارة يقبض ذلك عنك فيردك إلى حدودك من الفقر والعجز والجهل فلا تظهر خصوصيتك
فالنهار الذي هو الخصوصيات التي ظهرت عليك ليس منك وإليك - أي ليس من أوصافك الذاتية - ولكنه وارد عليك من إشراق شموس أوصافه القدسية
ثم اعلم أن القبض المذكور ليس سلباً بل هو تنبيه للقاصرين على أن الأمر كله لله ليس لهم منه شيء. ولذا ترى بعض الأولياء في بعض الأحيان عنده قوة بطش وفي بعضها يكون عاجزاً
وهذا لا يعارض قوله السابق: ولم تأفل أنوار القلوب والسرائر لأن ما تقدم شمس المعارف وهي لم تأفل. وما هنا ظهور الخصوصية بتبديل صفات البشرية من الفقر وما معه فإنها تارة تتبدل وتارة لا ليعطي الكامل في العبودية كل وقت حقه
(250) دل بوجود آثاره على وجود أسمائه وبوجود أسمائه على ثبوت أوصافه وبثبوت أوصافه على وجود ذاته إذا محال أن يقوم الوصف بنفسه. فأرباب الجذب يكشف لهم عن كمال ذاته ثم يردهم إلى شهود صفاته ثم يرجعه إلى التعلق بأسمائه ثم يردهم إلى شهود آثاره. والسالكون على عكس هذا فنهاية السالكين بداية المجذوبين وبداية السالكين نهاية المجذوبين. لكن لا بمعنى واحد فربما التقيا في الطريق هذا في ترقيه وهذا في تدليه
يعني أنه سبحانه دل بوجود آثاره - أي مصنوعاته - على وجود أسمائه إذ لا يصدر هذا الصنع القويم إلا من قادر مريد عليم. وبوجود أسمائه على ثبوت أوصافه من القدرة والإرادة والعلم وبثبوت أوصافه على وجود ذاته. وعلل ذلك بقوله: إذ محال أن يقوم الوصف بنفسه لأن المعنى لا يقوم بالمعنى
ثم إن عباد الله المختصين بالقرب منه والوصول إليه قسمان: أرباب جذب وأرباب سلوك فأرباب الجذب الذين اختطفتهم يد العناية يكشف لهم أولاً عن كمال ذاته - أي عن ذاته الكاملة - بأن يزيد في قوة معرفتهم حتى يروا ذاته المقدسة بعين بصيرتهم ثم يردهم إلى شهود صفاته فيشاهدون بنور المعرفة ارتباطها بالذات ثم يرجعهم إلى التعلق بأسمائه بأن يشاهدوا بالذوق تعلقها بالآثار ثم يردهم إلى شهود آثاره - أي صدورها عن الأسماء - وهؤلاء هم الذين يستدلون بالمؤثر على الأثر ويقولون ما رأينا شيئاً إلا ورأينا الله قبله
وأما السالكون فهم على عكس هذا لأنهم يستدلون بالأثر على المؤثر فأول ما يظهر لهم الآثار فيستدلون بها على الأسماء وبها على الصفات وبها على كمال الذات وهم الذين يقولون ما رأينا شيئاً إلا ورأينا الله بعده. فنهاية السالكين من شهود الذات المقدسة بداية المجذوبين وبداية السالكين من التعلق بالآثار نهاية المجذوبين. لكن لا بمعنى واحد: فإن مراد السالكين شهود الأشياء لله ومراد المجذوبين شهود الأشياء بالله فالسالكون على تحقيق الفناء والمحو والمجذوبون مسلوك بهم طريق البقاء والصحو فربما التقيا في الطريق - أي في منزل من المنازل - كشهود الصفات
هذا أي السالك في ترقيه من الخلق إلى الحق وهذا أي المجذوب في تدليه من الحق إلى الخلق
(251) لا يعلم قدر أنوار القلوب والأسرار إلا في غيب الملكوت كما لا تظهر أنوار السماء إلا في شهادة الملك
أي لا يعرف قدر أنوار والأسرار التي أشرقت على القلوب من سماء التوحيد والمعرفة إلا في غيب الملكوت - وهو عالم الآخرة -. فمن كان قوي الإيمان كان له هنالك أعظم منازل الامتنان ومن كان إيمانه بالغيب أكمل كان نوره وما يترتب عليه أتم وأشمل. كما أن أنوار السماء - وهي أن أنوار الكواكب - لا تظهر إلا في شهادة الملك - أي الملك المشاهد وهو عالم الدنيا - لحصول المناسبة بين هذه الأشياء فإن نور الإيمان ليس له أفول فيناسبه الدار الباقية وأنوار الكواكب تأفل فيناسبها الدار الفانية
شرح الحكم العطائية للشرنوبي رضي الله عنهم
| < السابق | التالي > |
|---|






![]() | اليوم | 20 |
![]() | أمس | 153 |
![]() | هذا الأسبوع | 20 |
![]() | الأسبوع الماضي | 1289 |
![]() | هذا الشهر | 3853 |
![]() | الشهر الماضي | 4877 |





