شاعر ألماني كبير يمدح النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم

 

ولد جوته في 28 آب سنة 1749م في مدينة فرانكفورت الألمانية، ومن أسرة مترفة مثقفة.

تلقى علومه الأولى على والده، ومن ثم على أساتذة كانوا يأتون إلى منزل الأسرة، فتعلّم الفرنسية والإنكليزية واليونانية واللاتينية والعبرية والإيطالية، علاوة على لغته الأم.

عندما بلغ السابعة عشرة أرسله أبوه إلى جامعة [لايبنرغ] ليدرس القانون، لكنه مال إلى الآداب والرسم، وقضى بضع سنوات لاهيًا عابثًا، حتى أصيب بالمرض، فعاد إلى منزله، وبعد أن تماثل للشفاء انتسب إلى جامعة ستراسبورغ وأنهى فيها دراسة القانون سنة 1771م.

وما لبث أن عاد إلى مسقط رأسه فرانكفورت وافتتح مكتبًا للمحاماة، بيد أن ميوله الأدبية طغت على عمله القانوني، كما أن رغباته الشديدة كانت تشدّه إلى الشعر والقصة.

وبعد استغراق كلي في كتابة القصص والأشعار، أصدر خلال عامي 1773 و 1775م عمله العظيم (آلام فارتر) الذي فتح له باب الشهرة، فصار محجة كبار الأدباء.

وفي سنة 1775م استقرّ به المقام في [فيمار] في قصر الدوق [كارل أوغست]، الذي أنعم عليه وعيّنه وزيرًا، فأهمل الشعر والأدب، وانصرف إلى مهماته الجديدة، ومنها مستشار خاص للإمارة، ومدير للمسرح، ورئيس لمجلس الهندسة المكلّف ترميم القصر، وأخيرًا إدارة مالية البلدة.

ولم ينس خلال تلك المدة نفسه، فدرس العلوم دراسة نظرية وتطبيقية، منها علم النبات وعلم المعادن وشؤون الحساب، ورغم النجاحات بالمناصب التي كان يحصدها، إلا أنها لم تُرضِ طموحه، إذ ضاق صدره بالمناصب الإدارية، فانصرف إلى الأدب، ليعيش في ما خُلق له ووُجد من أجله.

في العام 1796م، قصد إيطاليا وأمضى فيها ثلاث سنوات مطّلعًا على نتاجها الأدبي، ثم عاد إلى فيمار ليتزوج من فتاة اسمها [كريستيان]، رزق منها عدة أولاد لم تكتب الحياة إلا لواحد منهم.

التقى الشاعر الكبير شيللر، وفي سنة 1808م زاره الإمبراطور نابليون بونابرت، وقلّده وسام صليب جوقة الشرق.

ورث جوته عن أبيه الحزم والنظام، وتحكيم العقل والإدارة الصلبة، وعن الأم الخيال وروح القصص وجمال الظرف، وعن جدته لأبيه روح التمثيل والالتفات إلى الكتابة المسرحية، وعن جدته لأمه أجواء الفرح والترف، مما أشاع في نفسه النزعة إلى الحرية والانفتاح.

بعدما تقدّمت به السن، هانت عليه الحياة، فقد مات [هردر] الناقد الكبير الذي تأثّر به جوته خاصة في الميل إلى القرآن الكريم والإسلاميات، ورحل صديقه شيللر والدوق كارل أوغست، فانصرف إلى الكتابة تسليته الوحيدة، ووضع مذكراته وأكمل رواية فاوست، وفي 22 آذار سنة 1832م، أغمض عينيه إلى الأبد، وأمامه الجزء الأخير من رواية فاوست.

والذي يهمنا الإشارة إليه أن جوته كان مهتمًا بالثقافة والأدب العربيين كثيرًا، وتأثر خاصة بالقصص العربي وأدب الرحلات، فمهر اللغة العربية، وتعمّق في دراسة القرآن الكريم، وأشاد بالشعر الجاهلي في تعليقات وأبحاث كثيرة، وأُنجز في نهاية العقد الثاني من القرن التاسع عشر ديوانه الملهم الرائع الذي تنفس أجواء الفكر الإسلامي وأنجز بأجمعه بوحي معالم الإسلام وقيمه، ألا وهو [الديوان الشرقي لمؤلفه الغربي]

علاقته بالإسلام

 

لم تكن علاقة جوته بالإسلام عابرة أو سطحية، إنما كانت ناتجة عن فهم عميق لحقيقة الإسلام الناصعة وإيمان بتعاليمه السمحاء وقرآنه المجيد، وتؤكد هذه الآراءَ قصائدُه الكثيرة المشبعة بالروح الإسلامية والذائبة فيها، حسبه أنه نظم وهو في الثالثة والعشرين من عمره قصيدة رائعة موحية أشاد فيها بنبي الإسلام محمد (صلى الله عليه وآله)، ومعنى ذلك أن روح الإسلام كانت متغلغلة إلى أعماقة، فهذه السن المبكرة التي أفصح فيها عن حبه للرسول دليل واضح على منحاه التفكيري وميوله العقيدية، وهذه القصيدة شهادة أرسى فيها قيمه الدينية أيضًا، والدليل على أنها حفرت في أعماقه أنه استمر على هذا المنوال مدى حياته يرفد الشعر الألماني والعالمي بلآلئ شعره الإسلامي، فعندما بلغ السبعين أعلن على الملأ وبصراحة ووضوح أنه يعتزم الاحتفال في خشوع بتلك الليلة التي أنزل فيها الله القرآن على النبي محمد (صلى الله عليه وآله)، وبين هاتين المرحلتين، مرحلة الفتوة والشباب ومرحلة الكهولة -كما ذكرت آنفًا- حياة طويلة أعرب فيها الشاعر عن احترامه وإجلاله للإسلام، وهذا ما نجده في الكتاب الذي يُعدّ إلى جانب [فاوست] من أهم وصاياه الأدبية وتعاليمه الفطرية للأجيال الصاعدة، ونعني به [الديوان الشرقي للمؤلف الغربي]، بل إن الدهشة والإكبار ليزدادان عندما نقرأ العبارة التي كتبها في إعلانه عن صدور هذا الديوان وقال فيها: إنه هو نفسه لا يكره أن يقال عنه إنه مسلم، ويكرّس هذه المقولة أبياتٌ شعرية دامغة تعتبر مظهرًا من مظاهر إيمان هذا الشاعر واستلهامه الإسلام العظيم وكتاب الله القرآن المجيد، وإقراره التسليم بمشيئة الله وقدرته.

وهذه الأبيات بمثابة رباعية في كتاب الحِكَم، ربط فيها موضوع التسليم بمشيئة الله بالدعوة إلى التسامح إذ قال:

 

من حماقة الإنسان في دنياه

أن يتعصّب كل منا لما يراه

وإذا كان الإسلام معناه أن لله التسليم

فعلى الإسلام نحيا ونموت أجمعين

 

أما إيمانه بالقضاء والقدر، فلا لَبس فيه أبدًا، ويؤكد ذلك ما قاله في سياق شعره:

 

إذا امتحنك القدر

فهو يعلم جيدًا لماذا

إنه يريد منك القناعة، فأطع دونما اعتراض

 

وقد التزم جوته -في سياق دفاعه عن عقيدة التوحيد- بنصوص القرآن الكريم، متبعًا مضمون الآيات فيه، إذ يقول:

 

لقد اختار إبراهيم سيد النجوم

إلهًا لنفسه

وموسى في تِيه الصحراء

صار عظيمًا بفضل الواحد الأحد

كذلك داود

استطاع أن يبرئ نفسه بقوله:

لقد عبدتُ الواحد الأحد

 

كما أقرّ جوته في المقطعين السادس والسابع من قصيدة [أيتها الطفلة الرقيقة.. هذه الأسماط من اللالئ] الرفض الإسلامي للاعتقاد القائل أن المسيح (عليه السلام) هو ابن الله، هذا الاعتقاد الذي يمثل جوهر الخلاف القائم بين الإسلام والنصرانية، وجوته في هذا الأمر واضح وصريح حيث يقول:

 

ويسوع كان ظاهر الشعورِ

ولم يؤمن في أعماقهِ

إلا بالله الواحد الأحد

ومن جعل منه إلهًا

فقد أساء إليه، وخالف إرادته المقدسة

وهكذا

فإن الحق

هو ما نادى به محمد

فبفكرة الله الواحد الأحد

ساد الدنيا بأسرها

 

إذن، يؤمن جوته بأن الدين الإسلامي بقيادة النبي محمد (صلى الله عليه وآله) -وعبر إحدى أهم التعاليم التي تقوم عليها رسالته النبوية وهو التوحيد- حقق غايته الأساسية بالمحبة والإيمان في أرجاء المعمورة كلها.

ويتابع الشاعر الألماني الكبير عرض أفكاره الإيمانية التي اقتبسها من تعمّقه في دراسة الدين الإسلامي، يتابع التركيز على عظمة الخالق سبحانه وتعالى في الكون وفي خلقه، فكل شيء في هذا العالم العظيم يخضع للإرادة العليّة، فالتدبير الإلهي يُدلّل عليه الشاعر في حديثه عن السماء المرصّعة بالنجوم، وعن كل شيء يتحرك في الطبيعة،حتى عن الطيور وحياتها، إذ كل شيء في هذا الكون يجري بإذنه، أجل كل شيء يخضع لإرادته سبحانه:

 

ألا إن كل شيء شاءه الله

رائع

لأنه سبحانه هو الخير الأعظم

وهكذا تنام كل الطيور

في أوكارها الصغيرة والكبيرة

هذا ما علَّمتني إياه

أو شيء مثل هذا

وما سمعته منك، لن يفلت

من قلبي..

 

جوته والقرآن

تأثّرُ جوته بالقرآن الكريم يتضّحُ جيدًا في أبيات شعرية له،تحمل قيمًا وأفكاراً استوحاها منه، ومن ذلك الآية 115 من سورة البقرة {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}، هكذا ألهمته الآية رباعية يقول فيها:

 

لله المشرق

لله المغرب

والأرض شمالاً والأرض جنوبًا

تُسكَن آمنةً ما بين يديه

 

وهذه الرباعية هي المطلع الذي استهل به مقطوعاته الشعرية المسماة [طلاسم] في كتاب المغني، وهو الكتاب الأول في الديوان الشرقي.

كما استوحى من خلال اطلاعه على ترجمة [فون هامر] للقرآن الكريم، الآيتين التاليتين من سورة الفاتحة {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ}، وشعر بميل كبير يحفّزه لتحويلهما إلى مقطوعة شعرية، فنظم رباعية يظهر فيها التزامه بالنص، وإضفاء صيغة الدعاء عليه:

 

يريد الضلال أن يُربكني

لكنك تعرف كيف تهديني

فإن أقدمتُ على عمل أو أنشدتُ

عملاً شعرًا

فأنِرْ أنت لي جادة الطريق

 

وهذه مقطوعة شعرية أخرى من كتاب [المغني]، كان جوته ضمّنها صراحة الآية الكريمة رقم 97 من سورة الأنعام: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}.

قال جوته:

 

هو الذي جعل لكم النجوم

لتهتدوا بها في البر والبحر

ولكي تنعموا بزينتها

وتنظروا دائمًا إلى السماء

 

والحقيقة أن اقتباسات جوته من القرآن الكريم لا تحصى، وهي تعبير واضح عن شغفه وإعجابه بهذه الآيات وإيمانه بما تحمله من معانٍ وأفكار، ومن هذه الاقتباسات الآية الكريمة 112 من سورة البقرة: {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ}.

إن هذا الاهتمام والشغف بالقرآن الكريم وآياته، لم يكن -كما يذكر مترجم كتاب جوته والعالم العربي- مجرد إظهار لتسامح ديني لا يخفي في الغالب وراءه سوى عدم الاكتراث، إن الأمر عكس ذلك تمامًا، فدراسة جوته للقرآن كانت أعمق من ذلك وأكثر احتفاءً، إذ كانت تنبع من ظمئه الشديد للتعرّف على ما يمكنه التوصل إليه من أفكار ومعتقدات دينية، وسيرة حياته تشهد على أنه كان منذ صباه يُفتّش عن ديانة تناسبه.

إن انجذاب جوته للقرآن الكريم، كان يكمن في ميوله الدينية بشكل خاص، فالمعتقدات الإسلامية الواردة في كتاب الله العزيز كانت تتفق مع معتقداته الدينية والفلسفية.

إن صلة جوته الروحية بالإسلام هي حصيلة الميل الشخصي الذي كان يُكنّه للنبي محمد (صلى الله عليه وآله) وللإسلام، والقناعة التامة بحقيقة ما يقرأ، ولهذا فإن تعبيراته ومواقفه وتصريحاته عن الإسلام في ألمانيا تكمن فيها كل ألوان التحدّي والقوة والجسارة.

ولقد توصّل جوته إلى علاقته الإيجابية المفعمة بالمحبة والإعجاب بالإسلام، عن طريق اكتشافه تطابق بعض أفكاره الرئيسة مع تفكيره ومعتقده الشخصيين مما أيقظ في نفسه التعاطف الكبير معه، إلى حدٍ بات فيه يدلي باعترافات حرّة صادقة.

استمع إلى هذا الفيض العرفاني الديني واحكم:

 

وزوجة محمد التي أفاضت

عليه الحنان

وأعانته على تحقيق أروع الأمجاد

وبعدها تأتي فاطمة الزهراء

الابنة الطاهرة والزوج المصون

ذات الروح النقية كملائكة السماء

في جسمٍ من عسل ذهبي مكنون

 

وحديث جوته عن القرآن والإسلام والنبي حديث مُسلِمٍ مؤمن، فمواقفه لا تختلف عن قناعة ومفاهيم أي مسلم آخر:

القرآن ليس دستور الإسلام فحسب، وإنما هو أيضًا ذروة البيان العربي، فسحر اللغة العظيم يشهد على أن القرآن الكريم هو وحي من الله، وأن محمدًا (صلى الله عليه وآله) لم ينشر سلطانه على قومه بالسيف بل نشره في المقام الأول بإعجاز الخطاب، فالكلمة الحيّة لم يكن من الممكن أن تكون ثمرة قريحة بشرية، بل تحتّم أن تكون كلمة نُطقت وكُتبت منذ الأزل في السماء، ومن هنا فإن القرآن هو وحي من الله.

صور إسلامية مع جوته

وتبلغ قمة الوجدانية والحضور المحمدي في يقين الشاعر الألماني الكبير، عندما يحتفي بحوار ثنائي بالسيدة الزهراء وزوجها الإمام علي (صلى الله عليه وآله)، يناجيان فيه سيد البشر “أباهما”، كما تدعو القصيدة الحوار .

يقول جوته بعد أن ينهي المناجاة الروحية بين الزوجين:

“علي وفاطمة، في صوت واحد إلى أبيهم، ذلك البحر العظيم الذي ينتظرهم ليضمهم إلى صدره، وهو يهلل ويكبر زاخرًا بالفرح العظيم”.

وفي كل حديث ينطق به”جوته” شيء من قيم الإسلام وتعاليمه السمحاء حتى غدا الإسلام في قرارته تتأكد ملامحه من تصرفاته وأقواله وأشعاره يقول جوته:

الإيمان بالتدبير الإلهي، والتسليم بمشيئة الله وأهمية أعمال البر والإحسان “الحقيقة أن فينا جميعًا شيئًا من هذه العقيدة”.

والحقيقة أن الشاعر الألماني ارتبط في النصف الثاني من حياته ارتباطًا وثيقًا بالإسلام، عندما شعر بالتطابق بينهما في هذا المجال، لقد آمن إيمانًا راسخًا، مَثلَه في ذلك مثل أي مسلم، بقضاء الله وقدره، واعتقد أن الخضوع لله والإذعان لمشيئته وحكمه، هما أقوى دليل على التقوى والإيمان الصحيح.

وفي روايته (آلام فارتر)، رسالة تصور الافتنان بوحدة الوجود، وبأن جوته كان ومنذ مرحلة الشباب على دراية كافية بالعقيدة القائلة، أن الطبيعة هي انعكاس لله، وقد أدرك بذلك تجلي الله في كل ما هو حي، وفي النص الذي سيرد، سيشعر القارئ، أنه أمام إمام من أئمة الصوفية، وأن ما أمامنا ما هو إلا قطعة أو نص من نصوص الأدب العرفاني الذي شاع وبرز كثيرًا عند شعراء الفرس، يقول جوته:

“وحينما أرى الوادي الحبيب، وقد غشيه من البخار سحاب مركوم، وأفترش الحشيش، وأتأمل العالم الصغير يموج بعضه في بعض تحت وريقة من أوراق الكلأ، وتلك الديدان والبعيضات تتحدى الناظر، وتعاجز المراقب، عندئذ أحس في نفسي حضور القوي القدير، أحس بنفحات أعز المحبوبين، الذي برأنا وقادنا إلى النعيم المقيم بفضله ومنته، كما تنطبع عندئذ في خاطري صورة العالم من حولي، وصورة السماء من فوقي، كما تنطبع صورة المحبوب في الخاطر، ليتني كنت أستطيع أن اشرح كل هذا، فتكون هذه الصورة… مرآة الله.

ولا يخامرك الشك في أن ما ستسمعه من شعر في معركة بدر أنه لشاعر مسلم عاصر الرسول وشهد معه تلك المعركة التي أعزت الإسلام، يقول جوته من قصيدة ترجمها الشاعر الكبير عبد الرحمن صدقي:

 

بعد معركة بدر

تحت السماء المرصعة بالنجوم

“محمد يتكلم”

“ليندب الأعداء قتلاهم، فإنهم من الهالكين”

أما الشهداء من إخواننا، فلا تندبوهم

فإنهم أحياء في أعلى عليين

لقد فتحت السموات السبع أبوابها لهم أجمعين

وهم أولاء يقرعون أبواب الجنة

يدخلونها بسلام آمنين… الخ.

 

والقصيدة طويلة جدًا، وتحس فيها روح الإسلام وعقائده، في نسق صوفي جهادي يحاكي كثيرًا من آيات الكتاب المبين، ولا تشك حين تقرأ هذه القصيدة أن ناظمها مسلم متفقّه بالإسلام، أما خاتمة القصيدة فهي عبير قرآني خلاب، يقول الشاعر مخاطبًا الشهيد المجاهد:

 

فأنعم بهذا الصفو الذي

لا كفاء له ولا عوض منه

بين أسراب من الحور العين

لا يضجر معاشرها

وأكواب من الرحيق المحتوم

لا يسكر معاقرها

نعم الصفو المقيم، ونعمت جنة النعيم.

 

على هذه الشاكلة، يظهر تقدير جوته للإسلام، وتعاطفه الباطني والظاهري معه ومع النبي محمد، وتقديره العالي والعميق للقرآن الكريم، وكما سبق وذكرنا أن الإسلام والقرآن الكريم حظيا بإجلال وتقدير لا مثيل لهما في ديوانه الشرقي، خاصة إذا علمنا أنه كان يتقن اللغة العربية ويمهرها جيدًا.

جوته وحافظ الشيرازي

إن مجرد القول أن الشاعر الألماني جوته كان يقدّر حافظ الشيرازي ويعتبره مميزًا لأنه أقام تفكيره على أساس متين من القرآن الكريم، هذا القول ربما كان كافيًا للإيمان بالمنحى الإسلامي لجوته ولإعجابه العظيم واحتفائه بالقرآن الكريم.

هكذا يعتبر جوته أن حافظ الشيرازي الشاعر الفارسي الكبير أقام تفكيره وفق الشريعة الإسلامية والقرآن الكريم، وأن حافظًا لقبٌ صار بمنزلة اسم للشاعر، وأنه يعبّر عن التشريف الذي يحوزه أولئك الذين يحفظون القرآن عن ظهر قلب.

لماذا هذه الإشادة بكل من يحفظ القرآن الكريم، أليس في الأمر علّة، ربما هو الإيمان العميق واعتبار الشاعرِ القرآنَ نموذجًا فريدًا ليس له مثيل، وهو أيضًا من دعاة التزوّد بالقرآن، يعني أنه ممن يتخذون الإسلام مرشدًا وهاديًا.

وقد استلهم جوته من اقتران اسم حافظ بالقرآن الكريم، قصيدته المسماة (لقب) فأبياتها التي يستهل بها “كتاب حافظ” استهلالاًً رائعًا، تثني ثناء عظيمًا على تديّن حافظ وتقواه، وفي هذه القصيدة يتقابل الشاعران وجهًا لوجه، ويسأل الشاعر الألماني الشاعر الفارسي الذي تفصله عنه مئات السنين عن معنى اسم حافظ، وكان هدفه من سؤاله، هو أن يشرح لقرّائه الأوروبيين المعنى الديني لهذا اللقب.

يقول جوته:

 

قل لي يا محمد شمس الدين

لِمَ سماك شعبك المجيد حافظ

حافظ:

لأني دائم الذكر للإرث المبارك العظيم

وبتقواي وورعي أحمي نفسي وأصون

من عوادي الدهر الغشوم

كنز مبعوث كريم

سمّوني حافظ الذكر الحكيم

 

وجواب حافظ، يثير في نفس الشاعر الألماني شعورًا بالمتعة والفخار، وإحساسًا بوجود أواصر قربى ومودة بينهما، هي هذه القيم التي تجمع الأديان السماوية وتجعلها متوافقة مع بعضها في جوانب كثيرة، إذ كما يستند حافظ على القرآن الكريم، يستند جوته على العهدين القديم والجديد ويعتز بهما، يقول جوته مخاطبًا حافظ الشيرازي:

 

أراني حريًا بمشاركتك في لقبك

فأنا شبيهك حق الشبه

أنا الذي قبست نفسي الصورة البديعة

من كتبنا المقدسة

 

هذا هو التسامح الديني ووحدة القيم الأخلاقية والإنسانية بين الأديان السماوية.

وهنا، لا يكتفي جوته بمحاكاة حافظ الشيرازي، وإنما يقتدي به في استلهام القرآن الكريم، بل ذهب جوته إلى البعيد في قصيدته الرائعة التي افتتح بها الديوان الشرقي، وخاصة كتاب “المغني”، وهو عبارة عن قصيدة عنوانها (هجرة) أشار فيها الشاعر إلى رغبته في أن يهاجر كما هاجر محمد(صلى الله عليه وآله) من مكة إلى المدينة عام 622م، لأنه كان يرغب الحج إلى مكة المكرمة، إلى هذا الشرق الصافي، لكي يَسْتروح نسيم الإباء، إلى حيث الفضيلة والطهر والصفاء، وهذه الأبيات كافية للدلالة على ذلك:

 

إلى هنالك حيث الطهر والحق والصفاء

أودّ أن أقود الأجناس البشرية

وأنْفُذُ بها في أعماق الأصل السحيق

حيت كانت تتلقى من لدن الرب

وحي السماء بلغة الأرض

 

وهكذا يظهر لنا مما ورد ومما نجده بشكل عام في ديوانه أن علاقة جوته بالإسلام ونبيه محمد (صلى الله عليه وآله) ظاهرة مثيرة للدهشة والإعجاب في حياة الشاعر، فكل الشواهد تدل على أنه في أعماق نفسه ووجدانه كان شديد الاحتفال والإعجاب بالإسلام، وأن معرفته بالقرآن الكريم كانت -بعد الكتاب المقدس- أوثق وأشد من معرفته بأي كتاب من كتب الديانات الأخرى، والمتبصّر بحياته وأدبه يرى أنه لم يقصر اهتمامه بالإسلام والتوق إلى معرفته عن كثب على مرحلة محددة من حياته، إنما ينسحب هذا على مراحل حياته جميعها، منذ مطالع الشباب إلى فترات حياته الأخيرة، وقد سبق وذكرنا أنه نظم وهو في الثالثة والعشرين قصيدة رائعة موحية أشاد فيها بالنبي محمد (صلى الله عليه وآله)، وعندما بلغ السبعين أعلن أمام الناس عن شغفه ورغبته بأن يحتفل في خشوع بليلة نزول القرآن على النبي (صلى الله عليه وآله).

هذا غيض من فيض من إسلاميات جوته، ولا ندري إذا كان يخلد في وجدانه، ما لعله لم يصرح به أكثر مما صرحه، ليبقى شغفه بالإسلام وحبه له بعيدًا عن أيّة إيماءات وتخمينات، ولعل تصريحه الواضح وبكل ثقة وإيمان كاف وجلي، وذلك عندما كانت زوجة ابنه تعاني من مرض خطير سنة 1820م، كتب بنبرة مشبعة بالإيمان بالقضاء والقدر إلى أحد أصدقائه قائلاً:

[لا يسعني أن أقول أكثر من أني أحاول أيضًا أن ألوذ بالإسلام].

ونضيف إلى هذا الموقف قولين آخرين، أحدهما صرّح به سنة 1831م إلى صديقةٍ له تطلب منه النصيحة بشأن وباء الكوليرا الذي انتشر في طول البلاد وعرضها: [ ليس بوسع امرئ أن يُقدّم النصح لامرئ آخر في هذا الشأن، فليتخذ كل إنسان القرار الذي يناسبه، إننا جميعًا نحيا في الإسلام مهما اختلفت الصور التي نقوي بها عزائمنا].

وفي ديسمبر سنة 1820م كتب جوته لصديقه فيلمر شاكرًا إياه على إهدائه نسخة من مجموعة حِكَمه المنشورة في فرانكفورت، تحت عنوان [آراء في الحياة كتاب للشباب”، ومما قاله جوته عن الكتاب:

[يحفز على التفكير في كل الآراء الدينية الرشيدة، وأن الإسلام لهو الرأي الذي سنقرّ به جميعاً إن عاجلا أم آجلاً]([18]).

إنه الإيمان العميق الذي نوّر به القرآن قلب هذا الشاعر الملهم الذي عرف العربية والشعر العربي في المرحلة الجاهلية ربما أكثر من كثيرين ممن يعتنون بالأدب العربي.

 

 

ترتيـلة محُمــد


انظروا إلى نبع الصخور،

لمّاعاً من الإبتهاج،

كَوَمضاتِ النجوم!

ومن فوق الغيوم

ملائكة أخيار

تغذي عنفوانه

بين الصّخور في الأدغال.

بحيويّة فتى يافع

يَثِبُ بخِفّةٍ خارجَ الغيمة

وعلى الصّخور المرمر في الأسفل

يبتهل كَرّةً أخرى

إلى السّماء.

عَبرَ الممرّات على القِمم

يلاحق الصَّوانَ الملوّنَ بسرعة ،

وبخطوة قائد سابقٍ لأوانهِ

يكتسح اخوتَه الجداولَ

ويجرفها قُدُماً معه.

ومن تحتُ، في الوادي

تنبت الأزهارُ تحت قدمه،

وتدبّ ُ في المَرج الحياةُ من نَفَسه.

ولكنْ لا يوقفه وادٍ ظليل،

ولا أزهارٌ،

تلك التي تُطَوِّق رُكبتَه،

مُبتَسِمةً بأعينٍ ملؤها الحبّ ُ:

ينطلق انسيابُه نحو السّهل

مُتَعرِّجاً كأفعوان.

ترتبط الجداول به

مرافقة. والآنَ ينبعث

في السّهل كالفضَّة لمعاناً،

ويلمع السَّهلُ معه،

والأنهارُ من السّهل

والجداولُ من الجِّبال

تهلِّلُ وتصيح : يا أخانا!

يا أخانا، خذ اخوتَك معك،

معك إلى أبيك الأزلي،

إلى المحيط الأبدي،

الذي ينتظرنا بأذرع ممدودة،

التي، آه، تمتد دون جدوى،

لتحتضنَ المتشوِّقين إليه؛

لأنَّ الرملَ الجَّشِعَ في الصَّحراء المقفرة،

يفترسُنا، والشّمسَ في الأعالي

تمتصّ ُدماءنا؛ وتلاً يطوَّقنا

ويحوَّلنا إلى مُستنقَع! يا أخانا

خُذِ الاخوةَ من السَّهل،

خُذِ الاخوةَ من الجبال،

معك، إلى أبيك معك!

تعالوا كلّكمْ!-

ويمتلئ الآن

جلالاً أكثرَ؛ عشيرةٌ بأكملها،

تحمل الأميرَ عَليّا،

وفي تدفّقِ مسيرته الظافرة،

يُعطي البلدانَ أسماءَها، والمدن ُ

تُصبِحُ تحت موطئ قدمه.

ومن دون توقّفٍ يزأر مندفعاً،

تاركاً قِممَ الأبراج المتوهِّجة،

البيوتَ المَرمريّةَ، وإنتاجَه

الوَفْرَ، وراءه بعيداً.

يحمل الأطلسُ بيوتَ خشبِ الأرز

على أكتافه الضّخمة;

وآلافُ البيارق الخفّاقة المُرَفرفة

عَبْرَ النّسائم فوقَ رأسِه

إشاراتُ عَظَمَتِه.

وكذا يحمل اخوتَه،

كنوزَه، أطفالَه،

هاتفاً بابتهاج، إلى قلب

خالقه الذي ينتظره!

 

 

 

منقول من عدة أماكن.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *