هجرة الحبشة ودعاء خاص: اللهم اغفر للنجاشي… اللهم اغفر للنجاشي… اللهم اغفر للنجاشي

 


وكان هذا الإذن بمثابة الحل العاجل الوحيد لاضطهاد قاسٍ طال ليلة وتنوعت أساليبه.
وتجهز كثير من المسلمين السابقين إلى الله ورسوله… وأخذوا يعدون العدة للسفر سراً تحت جنح الظلام، وفي غفلة من قريش، حتى لا تحول بينهم وبين مبتغاهم، فما يشك أحد منهم أن قريشاً لو علمت بخروجهم ساعة فعلوا ذلك لوقفت تأبى وتعاند!! لما ترى في ذلك من تحد لها واستخفاف بها.
ولم يكن أولئك المهاجرون الأوائل رجالاً فقط، بل كانوا رجالا أزمعوا الرحيل مع بعض أهلهم… ولم يكونوا كلهم أو عامتهم إلا من الضعفة الفقراء ـ ولم يسلم بعد غيرهم ـ اللهم إلا بعض السراة (الأشراف) الذين غمر الإيمان بضيائه بيداء قلوبهم، فأسلموا راغبين واحتملوا الأذى مع الضعفة طائعين…

حتى الأشراف… خرجوا

ولم يدر في خلد أحد أن عثمان بن عفان، وهو سيد من سادات قومه، وتاجر من تجار مكة ممن أسلموا قد عزم على الرحيل مع الراحلين، إذ لم يعد يطيق مضايقات أبي جهل له في تجارته، وسخريته منه في شخصه وكرامته ، لذا فقد عزم على الهجرة بنفسه وبزوجته الحبيبة الجميلة رقية ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي طالما تغنى بجمالها المغنون: أجمل ما رأت العينان رقية وزوجها عثمان


وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكن لبناته كل حب وحنان، فهو لهن أب وأم، ولذا فلنا أن نتصور مدى حزنه ولوعته لسفر رقية… ولكن لا بد مما ليس منه بد.


يقول أنس بن مالك مصوراً حالة رسول الله صلى الله عليه وسلم النفسية إذ ذاك:
ـ خرج عثمان بن عفان ومعه امرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض الحبشة ـ فأبطأ على رسول الله خبرهما، فقدمت امرأة من قريش فقالت:
ـ يا محمد… رأيت خَتَنَك (زوج أبنتك) ومعه امرأته، قال: على أي حال رأيتهما، قالت: رأيته قد حمل امرأته على حمار من هذه الدبابة (الحيوانات) هو يسوقها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
ـ صحبهما الله… إن عثمان أول من هاجر بأهله بعد لوط عليه السلام.

الطريق الطويل

وتجمع بضعة عشر رجلاً وامرأة من المسلمين على شاطئ البحر الأحمر مما يلي جزيرة العرب, وكانوا هم الدفعة الأولى من المهاجرين الأبرار, وبنصف دينار حملتهم سفينة إلى الشاطئ الآخر للبحر مما يلي أرض الحبشة، حيث بدأت رحلة البحث عن الموطن الآمن في بلد الغربة…
ولولا لطف الله بهم لنجحت قريش في استرجاعهم والانتقام منهم, فقد كانت حريصة كل الحرص على ذلك مهما كلفها من ثمن.
ونترك الحديث لإحدى المهاجرات المؤمنات، لتروي لنا محاولة قريش الماكرة, تقول أم سلمة رضي الله عنها:
ـ فلما رأت قريش أنا قد أصبنا داراً وأمناً غاروا منا, فاجتمعوا على أن يبعثوا إلى النجاشي فينا ليخرجنا من بلاده وليردنا عليهم… فبعثوا عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة فجمعوا له هدايا ولبطارقته, فلم يدعوا منهم رجلاً إلا هيأوا له هدية على حدة, وقالوا لهما:
ـ ادفعوا إلى كل بطريق هديته قبل أن تتكلموا فيهم, ثم ادفعوا إليه هداياه, فإن استطعتم أن يردهم عليكم قبل أن يكلمهم فافعلوا.

محاولة خبيثة

فقدما عليه فلم يبق بطريق من بطارقته إلا قدموا إليه هديته فكلموه فقالوا لهم:
ـ إنما قدمنا على هذا الملك في سفهائنا, فارقوا أقوامهم في دينهم, ولم يدخلوا في دينكم, فبعثَنا قومنا ليردهم الملك عليهم, فإذا نحن كلمناه فأشيروا عليه بأن يفعل, فقال البطارقة:
ـ نفعل.
ثم قدّموا إلى النجاشي هداياه, وكان من أحب ما يهدون إليه من مكة الأدم (الجلود) وذكر موسى بن عقبة أنهم أهدوا إليه فرساً وجبّة ديباج… فلما أدخلوا عليه هداياه, قالوا:
ـ أيها الملك إن فتية منا سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك, وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه, وقد لجأوا إلى بلادك, وقد بعثنا إليك فيهم عشائرهم: آباؤهم وأعمامهم وقومهم لتردهم عليهم فإنهم أعلى بهم عيناً (معرفة) , وإنهم لم يدخلوا في دينك فتمنعهم لذلك.
ويبدو أن هذا الطلب المؤكد، ثم إلحاح أمراء النجاشي وبطارقته الذين قبضوا الهدايا من قبل على تنفيذه بسرعة, قد أثار غضب النجاشي من جهة, وأثار رغبته في الاستفسار عنهم والاستيثاق من أمرهم من جهة ثانية… فقال صارخاً:
ـ لا لعمر الله, أردهم عليهم حتى أدعوهم, فأكلمهم وأنظر ما أمرهم… قوم لجأوا إلى بلادي واختاروا جواري على جوار غيري, فإن كانوا كما يقولون رددتهم عليهم, وإن كانوا على غير ذلك منعتهم ولم أدخل بينكم وبينهم ولم أنعم عيناً.

لقاء الملك العادل

واستُدعي المهاجرون للقاء ملك الحبشة, فتقدمهم جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفقه المهاجرين, فرد على أسئلة الملك سؤالاً سؤالاً, ووضح له استفساراته عن دين الله واحداً واحداً, وأسمعه شيئاً من كلام الله من سورة (كهيعص) فبكى النجاشي تأثراً حتى أُخضلت لحيته, وبكى معه بعض أساقفته.
وعلى الرغم من تكرار محاولة وفد قريش في استرجاع هذه الفئة المهاجرة, إلا أنهم كما تقول أم سلمة لم يظفرا أخيراً من النجاشي إلا بشرّ طردة, قال أخيراً:
ـ ردوا عليهما هداياهم فلا حاجة لي بها, واخرجا من بلادي…
فخرجا مقبوحين مردوداً عليهما ما جاءا به.
وأقام المهاجرون إلى الحبشة من الصحابة في خير دار وأحسن جوار… كانوا يزدادون حيناً ويقلون حيناً… وكانوا يذوقون طعم الفرح بمواليد جدد ينضمون إلى موكب الغرباء… كما كانوا يودعون في أحيان أخرى من لم يستطع تحمل الغربة وآلامها, بل ساقه وهج الشوق لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المجازفة والعودة وتحمل مشاق الطريق واحتمالات المستقبل.

آل البيت والحبشة

ولم تكن رقية رضي الله عنها بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وحدها من قرابته بين المهاجرين, بل كان كما رأينا في الركب جعفر بن أبي طالب الفتى الشاب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم, الذي هز الحنين أباه أبا طالب كبير قريش, فأرسل إلى النجاشي ملك الحبشة أبياتاً من الشعر يحضه فيها على الإحسان إلى ابنه وصحبه, يقول أبو طالب:
ألا ليت شعري كيف في النأْي جعفر وعمروٌ, وأعداءُ العدو الأقاربُ
وما نالت أفعال النجاشي جعفراً وأصحابه, أو عاق ذلك شاغبُ
تعلّم ـ أبيتَ اللعن ـ أنك ماجد كريم فلا يشقى إليك مجانبُ
ونعلم أن الله زادك بسطة وأسباب خير كلُّها بك لازبُ
وتدور رحى الأيام… ويهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة, وتبقى في الحبشة بقية من المهاجرين… ولكن عين رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تكن غافلة عنهم أو ساهية… بل كان دائم التفكير بهم والاستفسار عن أحوالهم.

صلات لم تنقطع

وعادت رقية مع زوجها عثمان رضي الله عنهما قبل غزوة بدر… ولم تلبث بعد هجرتها الثانية إلى المدينة طويلاً, فقد وافتها المنية ورسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه في غزوة بدر, قبل أن يعودوا منتصرين إلى المدينة… وانشغل عثمان بموارتها في الثرى عن حضور بدر.
وكانت صلة النبي عليه السلام بالنجاشي قائمة رغم البعد… حتى إن النجاشي بلغ من تودده لرسول الله أن دفع عنه صداق زوجته حبيبة بنت أبي سفيان رضي الله عنهما, التي فارقت زوجها بعد لحاقه بالنصرانية وتخليه عنها ـ فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي ليخطبها, فزوجها منه عثمان بن أبي العاص أقرب عصوبتها إليها, ودفع النجاشي أربعمائة دينار صداق الزوجة, ثم جهزها وبعث بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم معززة مكرمة.
وأكثر من هذا فقد بلغ من بر النجاشي بالمهاجرين وحرصه عليهم أنْ أعلن للعامة من شعبه: أنْ لا يتعرض أحد منهم لهؤلاء الغرباء بسوء, ومن آذى منهم واحداً فأغرموه أربعة دراهم, ثم عاد فأضعفها تطييباً لخاطر المهاجرين.

الأوامر تقضي بالعودة

وجاء بعد حين رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحبشة يأمر المسلمين أن يعودوا إلى المدينة, بعد أن يودعوا النجاشي, فقد آن الأوان لهم أن يلحقوا بركب الهجرة الأعظم, ويشاركوا في بناء الدولة الإسلامية الفتية.
ودخل جعفر وصحبه إلى النجاشي فقالوا له:
ـ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ظهر وهاجر إلى المدنية, وقتل الذين كنا حدثناك عنهم, وقد أردنا الرحيل إليه فردّنا… فقال النجاشي موافقاً بعد أن رأى إصرارهم على الرحيل:
ـ نعم. فحملهم وزودهم بمئونتهم وأرسل معهم ابن أخيه, ثم قال لجعفر مودعاً في أسى:
ـ أخبر صاحبك بما صنعتُ إليكم, وقل له يستغفر لي… وهذا صاحبي معكم ـ يشير إلى ابن أخيه ـ أشهد أن لا إله إلا الله وأنه رسول الله.!!

ركب الأحباب يعود

وانطلق الركب المهاجر مرة ثانية يشق عباب البحر في هجرة جديدة إلى المدينة, وانضم إليهم في سفينتهم جماعة من مسلمي اليمن من الأشعريين… ووصلوا المدينة في وقت كان فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتح أكبر حصون اليهود ومعاقلهم : حصن خيبر, ويقضي فيه على آخر مستوطنة لهم.
فلما وافى مهاجرو الحبشة المدينة تلقاهم النبي صلى الله عليه وسلم بالبشر والترحاب, وأقبل على جعفر بن أبي طالب مرحباً ومعانقاً في شوق, مما حمل جعفر ـ كما يذكر الرواة ـ أن يحجل طرباً ويمشي على رجل واحدة فرحاً بعد أن قبّله النبي صلى الله عليه وسلم بين عينيه… وقال له:
ـ أشبهتَ خلقي وخلقي يا جعفر.!
وهاجت عبرة حارة عصفت بالحاضرين الأحباب الذين طال انتظارهم واشتد الشوق للقياهم, ثم قال النبي عليه السلام:
ـ ما أدري بأيهما أنا أسر وأفرح… بفتح خيبر أم بقدوم جعفر.
وتقدم رسول النجاشي, فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم, وقدم إليه هدايا عمه الملك, والتفت إلى جعفر فقال:
ـ هذا جعفر, فسله ما صنع به صاحبنا, فرد جعفر:
ـ نعم… فعل بنا كذا وكذا, وحمَلنا, وزودنا, وشهد أن لا إله إلى الله وأنك رسول الله, وقال لي: قل له يستغفر لي.

النبي صلى الله عليه وسلم والنجاشي

فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوضأ, ثم دعا ثلاث مرات:
ـ اللهم اغفر للنجاشي… اللهم اغفر للنجاشي… اللهم اغفر للنجاشي. والمسلمون يرددون وراءه:
ـ آمين آمين آمين.
ولم يكتف النبي بهذا, بل قام بنفسه يخدم وفد النجاشي ويتفقد شئونهم ويرعى حالهم, فقال له بعض أصحابه:
ـ نحن نكفيك يا رسول الله ذلك, فرد النبي صلى الله عليه وسلم في إصرار قائلاً:
ـ إنهم كانوا لأصحابي مكرمين, وإني أحب أن أكافئهم,
يقول جعفر: فقلت لرسول النجاشي.
ـ انطلق فأخبر صاحبك بما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وتوزع المسلمون الجدد في المدينة يفرحون وينعمون بعطف النبي صلى الله عليه وسلم وحنّوه عليهم, حتى غار بعض المهاجرين من مكة منهم, فأخذ يعرض بهم بقوله:
ـ نحن أولى برسول الله صلى الله عليه وسلم منكم… هاجرنا وحاربنا.
وشكوا ذلك إلى رسول الله, فقال مظهراً فضل مهاجري الحبشة:
ـ ليسوا بأحق بي منكم, لهم هجرة واحدة, ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان.
نعم, كانت عودتهم ساعة فرح لا تنسى… ظهر فيها الشر والسرور طافحاً على وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومحياه… لم يكونوا منسيين, بل كانوا من النبي على بال وخاطر.

مهاجرون قبل الهجرة …غــرباء في أرض الحبــشة

 

 

 الشيخ/ عبد الله نجيب سالم الباحث العلمي بالموسوعة الفقهية

 

 http://alkeltawia.com/site2/pkg09/index.php?page=show&ex=2&dir=dpages&lang=1&cat=383