ماذا نريد من رمضان؟؟

 ومن أهم المحطات التي تمر على المسلمين مرة واحدة كل عام: شهر رمضان، فها هي الأيام تمضى ويهل علينا الشهر الكريم بخيره وبركته … ولقد جعله الله عز وجل موسمًا لاستباق الخيرات، النافلة فيه كالفريضة والفريضة كسبعين فريضة في غيره…. شعاره يا باغي الخير أقبل…. الشياطين فيه مصفدة، وأبواب النيران مغلقة، والأجواء مهيأة لنيل المغفرة والرحمة والعتق من النار. تزينت فيه الجنة ونادت خطابها أن هلموا إلى وأسرعوا الخطى فالسوق مفتوح والبضاعة حاضرة، والمالك جواد كريم.

فهيا بنا نحسن الاستعداد لاستقباله حتى لا نفاجأ بقدومه.

 ومما يعنينا على ذلك معرفة ماذا نريد من هذا الضيف الكريم؟ وما الوسائل التي سنستخدمها؟

 وهذه الصفحات التي بين أيدينا هي محاولة للإجابة عن هذا السؤال

 

هل من مشمر للجنة

يقول صلى الله عليه وسلم «ألا هل من مشمر للجنة، فإن الجنة لا خطر لها، هي ورب الكعبة نور يتلألأ، وريحانة تهتز، وقصر مشيد، ونهر مطرد، وثمرة نضيجة، وزوجة جميلة، وحلل كثيرة، ومقام في أبد في دار سليمة، وفاكهة وخضرة وحبرة ونعمة في حلية عالية بهية» قالوا: نعم يا رسول الله نحن المشمرون لها، قال: «قولوا إن شاء الله» فقالوا إن شاء الله

إن دخول الجنة يحتاج بعد التعلق برحمة الله إلي كثير من المجهود نبذله في طاعة الله، ولم لا؟ وما هي إلا أيام معدودات نمكثها في هذه الحياة الدنيا ثم يعقبها سنوات طوال – لا نهاية لها – في القبر والدار الآخرة.

إن أغلى أماني أهل القبور أن يعودوا إلى الدنيا ولو للحظة: يسبحون الله فيها تسبيحة أو يسجدون له سجدة واحدة.

فهل لنا فيهم من عبرة؟!

 أما آن لنا أن نفيق من غفلاتنا ونستعد لمواجهة المصير الذي ينتظرنا ؟!

إننا ما زلنا في الدنيا والفرصة سانحة أمامنا للتزود لما بعد الموت، وها هو شهر رمضان يدعونا لذلك.

هيا بنا نشمر عن سواعدنا ونهجر فراشنا ونوقظ أهلنا ونرفع راية الجهاد ضد أنفسنا وشهواتها ورغباتها.

هيا بنا نجيب داعي الله: ]اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾.

أحوال الناس مع رمضان:

نعم.. رمضان فرصة عظيمة لا تأتي إلا مرة واحدة في العام، ولكن هل يتعامل معها المسلمون بنفس المستوى؟

فمن الناس من يعتبر مجيء هذا الشهر عبئًا ثقيلًا عليه يتمنى زواله فلا يرى فيه إلا الحرمان.. هؤلاء دخل عليهم رمضان ثم خرج دون أن يترك فيهم أثر أو يحدث لهم ذكرًا.

ومنهم من أستشعر قيمته فشمر سواعد الجد واجتهد غاية الاجتهاد في الإتيان بأكبر قدر من الطاعات فأكثر من ختم القرآن وأداء الصلوات والقربات دون الاهتمام بحضور القلب فيها …

تعامل مع كل وسيلة علي أنها هدف في حد ذاته، ولم ينظر إلى الهدف الأسمى الذي يرنو الصيام إلي تحقيقه.

هؤلاء قد يشعرون بأثر طيب في قلوبهم .. هذا الأثر سرعان ما يزول بعد انتهاء رمضان بأيام قلائل.

 وهناك صنف من الناس اعتبر رمضان فرصة نادرة لإحياء القلب وإيقاظه من رقدته وإشعال فتيل التقوى وجذوة الإيمان فيه. نظر إلى مستهدف الصيام فوجده في قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:183] فتقوى الله عز وجل هي مقصود العبادات ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 21] وعلى قدرها في القلب يكون قرب العبد أو بعده من الله عز وجل ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات:13] وعلم هذا الصنف أن شهر رمضان ما جاء إلا ليقرب الناس من ربهم ويزيد من صلاتهم به، ويقطع عن قلوبهم صلتها بالدنيا فهو يزود القلوب بخير زاد ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة:197] فشمر عن سواعد الجد وجمع بين عمل القلب وعمل الجارحة..

 ومما لا شك فيه أن الصنف الأخير هو الفائز الأكبر من رمضان فلقد أصلح من خلاله قلبه وانطلق به في طريق السائرين إلي الله ….

علامات صلاح القلب:

فإن قال قائل: وما علامة صلاح القلب التي ينشدها رمضان؟

عندما يستيقظ الإيمان، وتشتعل جذوته في القلب فإن أمارات الصلاح تظهر بوضوح على الجوارح مصداقًا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب» فترى صاحب هذا القلب مسارعًا في الخيرات معظمًا لشعائر الله مصداقًا لقوله تعالى: ] وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴾ (الحج:32) تتحقق فيه المبادأة والذاتية: ﴿ لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ﴾ (التوبة:44) سريع الاستجابة للتوجيه والنصح: ﴿ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِر﴾ (البقرة:232) وتراه كذلك زاهدًا في الدنيا راغبًا فيما عند الله.. قال صلى الله عليه وسلم: «إذا دخل النور القلب أنشرح وأنفتح» قالوا: يا رسول الله وما علامة ذلك؟ قال: «الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزوله»

فإن كانت هذه بعض علامات تحقق الهدف فكيف السبيل للوصول إليه؟

إن الوسائل معروفه لدينا، بل مارسنا أغلبها من قبل، ولكن الجديد هو كيف نتعامل معها، ونستفيد منها لنصل إلي الغاية المنشودة من رمضان.

 

ويمكن تقسيم هذه الوسائل إلى قسمين رئيسيين: قسم يصلح من خلاله العبد ما بينه وبين الله، وهو ما يمكن أن نطلق عليه الجانب الشعوري الوجداني.

 أما القسم الأخر فيختص بعلاقة الفرد بمجتمعه ويسمى الجانب السلوكي الاجتماعي.

ولا يمكن الاستغناء بأحد القسمين عن الأخر، فكلاهما له دور في إنجاح مهمة المسلم على الأرض، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ (النساء:125) فإسلام الوجه لله – وهو أمر شعوري ووجداني – لابد أن يصاحبه إحسان إلى الخلق، ومن الخطأ الذي يقع فيه البعض التركيز على جانب دون الأخر … فالذي يعطى جل جهده فيما يصلح بينه وما بين الله تاركا كل ما يعود بالنفع على الناس: إيمانه ناقص، فالإيمان قول وعمل .. بل إن من أهم نتائج الأعمال الصالحة أنها تزيد إيمان صاحبها وتثبت قواعده في قلبه، قال تعالى: ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ (فاطر:10) جاء في بعض الأثر: إن العبد إذا قال لا إله إلا الله بنية صادقه نظرت الملائكة إلي عمله، فإن كان موافقًا لقوله، صعدا جميعًا، وإن كان العمل مخالفًا وقف قوله حتى يتوب من عمله

وفى المقابل فإن الانشغال بالعمل والحركة وسط الناس لقضاء حوائجهم، وحل مشكلاتهم، وإسداء النفع لهم دون أن يصاحب ذلك وجود قلب حي متصل بالله أمر خطير من شأنه أن يحدث أثر سلبيًا في نفس صاحبه، ولقد حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الأمر فقال: «مثل الذي يعلم الناس الخير، وينسى نفسه مثل الفتيلة، تضيء للناس وتحرق نفسها»

ويقول الرافعي: إن الخطأ أكبر الخطأ أن تنظم الحياة من حولك وتترك الفوضى في قلبك

فلا بد من وجود الأمرين معا ليشكل كل منهما طرفا تنعقد به العروة الوثقى كما قال الله تعالى: ﴿ وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [لقمان : 22].


 

 

القسم الأول

مع الله

يتيح شهر رمضان للمسلم العديد من الوسائل التي من شأنها أن تحي قلبه، وتحسن صلته بربه.

·           وأولى هذه الوسائل: الصيام

وهو وسيله عظيمة لامتلاك النفس والسيطرة عليها فالنفس هي العائق الأكبر في سير العباد إلى الله، فمن شأنها دومًا طلب الحظوظ والفرار من الحقوق، ومن أفضل طرق ترويضها الصيام، فبه تضعف مادة شهوتها.

فإذا أردنا أن نستفيد من هذه الوسيلة فعلينا ألا نقضى أغلب النهار في النوم، وعلينا كذلك أن نتوسط في تناول الطعام والشراب عند الإفطار، ولا نتوسع في الأصناف فيكفى صنف أو اثنان، قال الحليمي: وكل طعام حلال فلا ينبغي لأحد أن يأكل منه ما يثقل بدنه، فيحوجه إلى النوم، ويمنعه من العبادة وليأكل بقدر ما يسكن جوعه، وليكن غرضه من الأكل أن يشتغل بالعبادة ويقوى عليها

ومع الصيام عن الطعام والشراب علينا كذلك الإقلال من الكلام والضحك قدر المستطاع ولنرفع شعار «أمسك عليك لسانك » وليكن كلامنا بعيدا عن اللغو وسائر آفات اللسان.

·                  ثانيا: التعلق بالمساجد:

المسجد له دور كبير في تنوير القلوب … ففي ختام قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يقول تعالى: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (النور: 35) وفى الآية التي تلتها حدد سبحانه أعظم مكان لتلقى نوره بقوله: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ﴾ (النور: 36) ففي المسجد تربط القلوب على طاعة الله وتحبس النفس عن معصيته.. يقول صلى الله عليه وسلم: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات، قالوا بلى يا رسول الله، قال: إسباغ الوضوء على المكارة وكثرة الخطى إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط فذلكم الرباط»

إن قلب المؤمن كثير التقلب من حالة إلى حالة نتيجة التنازع المستمر بين داعي الإيمان وداعي الهوى، وهو بحاجه إلى ربطه وتثبيته على حالة الإيمان .. وهنا يأتي دور المسجد، قال أبو هريرة  في قوله تعالى: ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ (آل عمران: 200) لم يكن في زمان النبي صلى الله عليه وسلم غزو يرابط فيه ولكن انتظار الصلاة بعد الصلاة

فلنبكر بالذهاب إلى المسجد ولا نترك أماكننا بعد الصلاة إلا لضرورة كي ننعم بصلاة الملائكة علينا.. قال صلى الله عليه وسلم: «الملائكة تصلى على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه ما لم يحدث: اللهم اغفر له اللهم ارحمه»

 وعلى الأخت المسلمة أن تخصص مكانًا في بيتها تتخذه مسجدًا فتبكر في الذهاب إليه وانتظار الصلاة وترديد الأذان وطول المكث فيه كلما سنحت ظروفها.

·                  ثالثاً: القرآن الكريم

 إن القراءة باللسان فقط – دون حضور القلب – كالنخالة كبيرة الحجم قليلة الفائدة، وهذا ما كان يؤكده الصالحون على مر العصور، قال على رضي الله عنه: لا خير في قراءة ليس فيها تدبر، وقال الحسن، كيف يرق قلبك وإنما همك أخر السورة؟ ويؤكد هذا المعنى ابن القيم فيقول رحمه الله: لا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر والتفكر، فإنه جامع لجميع منازل السائرين، وأحوال العالمين، ومقامات العارفين .. فلو علم الناس ما في قراءة القرآن بالتدبر لاشتغلوا بها عن كل ما سواه، فقراءة آية بتفكر خير من ختمة بغير تدبر وتفهم.

فليكن رمضان هو البداية الحقيقية للتعامل الصحيح مع القرآن.

كيف ننتفع بالقرآن؟

هذه بعض الوسائل العملية التي من شأنها أن تيسر لنا – بعون الله – الانتفاع بالقرآن:

1- قبل بدء القراءة: دعاء الله والإلحاح عليه بأن يفتح قلوبنا لأنوار كتابه، وأن يكرمنا ويعيننا على التدبر والتأثر، فهذا الدعاء له دور كبير في تهيئه القلب لاستقبال القرآن ﴿ وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ * فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ (غافر: 13 ،14).

2- الإكثار من تلاوة القرآن ، وإطالة فترة المكث معه ويفضل أن يكون اللقاء بالقرآن في مكان هادئ – قدر المستطاع – وبعيداً عن الضوضاء ليساعد المرء على التركيز وعدم شرود الذهن، ولا ننسى الوضوء والسواك قبل القراءة.

3- القراءة من المصحف وبصوت مسموع وبترتيل: فالترتيل له وظيفة كبيرة في الطرق على المشاعر ومن ثم استثارتها وتجاوبها مع الفهم الذي سيولده التدبر، لينشأ بذلك الإيمان حينما يتعانق الفهم مع التأثر.

4- القراءة الهادئة الحزينة: علينا ونحن نرتل القرآن أن نعطي الحروف والغُنَّات والمدود حقها حتى يتيسر لنا معايشة الآيات وترنمها وتدبرها والتأثر بها، وعلينا كذلك أن نقرأ القرآن بصوت حزين لاستجلاب التأثر.

5- الفهم الإجمالي للآيات: من خلال إعمال العقل في تفهم الخطاب، وهذا يستلزم منا التركيز التام مع القراءة، وليس معنى إعمال العقل في تفهم الخطاب أن نقف عند كل كلمة ونتكلف في معرفة معناها وما ورائها، بل يكفى المعنى الإجمالي الذي تدل عليه الآية أو الآيات حتى يتسنى لنا الاسترسال في القراءة، ومن ثم التصاعد التدريجي لحركة المشاعر فنصل إلى التأثر والانفعال في أسرع وقت.

6- الاجتهاد في التعامل مع القرآن: كأنه أنزل عليك، وكأنك المخاطب به، والاجتهاد كذلك في التفاعل مع هذا الخطاب من خلال الرد على الأسئلة التي تتضمنها الآيات، والتأمين عند مواضع الدعاء،…… وهكذا.

7- تكرار وترديد الآية أو الآيات التي حدث معها تجاوب وتأثر قلبي حتى يتسنى للقلب الاستزادة من النور الذي يدخل، والإيمان الذي ينشأ في هذه اللحظات.

8- لا بأس من وجود تفسير مختصر بجوارنا: لجلاء شبهة أو معرفة معنى شق علينا فهمه، وإن كان من الأفضل الرجوع إليه بعد انتهاء القراءة حتى لا نخرج من جو القرآن والانفعالات الوجدانية التي نعيش في رحابها، إلا إذا ألحت علينا كلمة نريد معرفة معناها في التو واللحظة.

·                     رابعًا: قيام الليل   

قيام الليل من الوسائل المهمة في إحياء القلب.. يقول صلى الله عليه وسلم: «عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، وقربة إلى الله تعالى، ومنهاة عن الإثم وتكفير للسيئات ومطردة للداء عن الجسد»

إن التعرض لنفحات الليل واقتسام الغنيمة مع المجتهدين لمن أعظم وسائل غرس الإيمان في القلب…

لقد افترض الله قيام الليل على رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام قبل أن تنزل الفرائض، وقبل أن تشرع الحدود، بل قبل أن تفرض الصلوات الخمس، لأن الإنسان إذا خلا بربه واتصل قلبه به في جنح الليل طهر القلب ونزلت عليه الفيوضات.

قال بعض الصالحين: ليس في الدنيا وقت يشبه نعيم أهل الجنة إلا ما يجده أهل التملق في قلوبهم بالليل من حلاوة المناجاة.

فجهز مطالبك، وحدد أهدافك وكن خفيف النوم تنتظر دقات الساعة للخلوة بالحبيب ….

 

·                     خامسًا: الاستفادة من الأوقات الفاضلة

يقول ابن رجب: جعل الله سبحانه وتعالى لبعض الشهور فضلاً على بعض، كما جعل بعض الأيام والليالي أفضل من بعض، وجعل ليلة القدر خيراً من ألف شهر.. وما من هذه المواسم الفاضلة موسم إلا ولله تعالى وظيفة من وظائف طاعاته يُتقرب بها إليه، ولله فيها لطيفه من نفحاته يصيب بها من يشاء بفضله ورحمته، فالسعيد من أغتنم مواسم الشهور والساعات وتقرب فيها إلى مولاه بما فيها من وظائف الطاعات فعسى أن تصيبه نفحة من تلك النفحات يسعد بها سعادة يأمن بعدها من النار وما فيها من لفحات.. يقول صلى الله عليه وسلم «إن لربكم في أيام دهركم نفحات فتعرضوا لها لعل أحدكم أن يصيبه منها نفحة لا يشقى بعدها أبدا»[14].

هذه النفحات بلا شك ستصيب من يتعرض لها أما الغافل عنها فأحسن الله عزاءه.

ومن هذه المواسم أيضا: موسم العمرة فهي في رمضان تعدل حجه، فلنحرص علي القيام بها..

وليعمل كل منا على أن ينظم أموره بالطريقة التي تعينه على الاستفادة من هذه الأوقات الفاضلة، فإن فاته وقت منها لم يترك الاجتهاد في البقية الأخرى.

·                     سادساً: الاعتكاف

الاعتكاف هو لزوم المسجد لطاعة الله، وهو مستحب في كل وقت في رمضان وغيره وأفضله في العشر الأواخر من رمضان ليتعرض العبد فيها لليلة القدر والتي هي خير من ألف شهر. ولقد ذهب الإمام أحمد أن المعتكف لا يستحب له مخالطة الناس حتى ولا لتعليم علم وإقراء قرآن، بل الأفضل له الانفراد بنفسه والتخلي بمناجاة ربه وذكره ودعائه. وهذا الاعتكاف هو الخلوة الشرعية التي لا يترك معها الجمع والجماعات، فعلينا أن نغتنم أي وقت – مهما قصر – في نهار رمضان أو ليله ننوى فيه الاعتكاف ونختلي فيه بالله عز وجل..

 ولنحرص على الاعتكاف في العشر الأواخر فإن لم نستطع فليكن ذلك في لياليها وبخاصة الوتر منها، ولنحظر من الخلطة والكلام وكل ما يقطع علينا خلوتنا بالله عز وجل.

 يقول ابن رجب: «فحقيقة الاعتكاف قطع العلائق عن الخلائق للاتصال بخدمة الخالق».

وللأخت المسلمة أن تعتكف في مسجد بيتها استناداً على رأى الأحناف في جواز ذلك ولتقتطع من يومها وقتاً تلازم فيه مسجدها وتقبل فيه على الله عز وجل.

·                     سابعا : الدعاء

الدعاء هو العبادة، ولا يرد القدر سواه، ففيه يتمثل فقر العبد وذله وانكساره إلى من بيده ملكوت كل شيء.. وهناك أوقات مخصوصة يفضل فيها الدعاء منها: بين الأذان والإقامة، ودبر الصلوات، وفي الثلث الأخير من الليل، ويوم الجمعة منذ أن يصعد الإمام المنبر حتى تنتهي الصلاة وكذلك في الساعة الأخيرة من هذا اليوم، وفي ليله القدر.. وعند نزول المطر .. وللصائم دعوة مستجابة، وكذلك المسافر .. وفي كل ليلة من رمضان عتقاء من النار وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فعلينا اغتنام تلك الأوقات نتذلل فيها لله ونتبرأ من حولنا وقوتنا.. نستعطفه ونتملقه ونسترضيه ونسأله من خيري الدنيا والآخرة، ولنحذر من الدعاء باللسان دون حضور القلب. قال صلى الله عليه وسلم «واعلموا أن الله لا يستجيب الدعاء من قلب غافل لاه»

 ولنكثر من الدعاء لإخواننا المسلمين المضطهدين في كل مكان ولنخص المرابطين في فلسطين بحظ وافر من الدعاء.. ولندع كذلك علي الطغاة الظالمين الذين يحادون الله ورسوله في كل مكان عساه – سبحانه – أن يفرج الكرب ويكشف الغمة وينزل نصره الذي وعد، قال تعالى: ﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الروم: 47).

·                     ثامنا: الصدقة

إن المتأمل لكتاب الله عز وجل يجد الكثير من الآيات التي تحث المسلم على الإنفاق في سبيل الله، ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان يقول تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا (التوبة: 103) فالمستفيد الأول من الصدقة هو صاحبها لأنها تخلصه من الشح وتطهره من الذنوب.

فبداية انطلاق النفس نحو السماء وتخلصها من جواذب الأرض هو تطهرها من الشح المجبولة عليه وذلك بدوام الإنفاق في سبيل الله حتى يصير سجية من سجاياها فتزهد في المال ويخرج حبه من القلب.

وللصدقة فضل عظيم في الدنيا والآخرة فهي تداوى المرضى وتدفع البلاء وتيسر الأمور وتجلب الرزق وتقي مصارع السوء وتطفئ غضب الرب وتزيل أثر الذنوب، وهى ظل لصاحبها يوم القيامة وتحجبه عن النار وتدفع عنه العذاب..

وللصدقة علاقة وثيقة بالسير إلي الله، يقول تعالى: ﴿ فَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ (الروم: 38) ولا عذر لأحد في تركها، فالله عز وجل لم يحدد لنا قدر معيناً نتصدق به، فالباب مفتوح أمام الجميع كلٌ حسب استطاعته.

ولكي تؤتى الصدقة ثمارها المرجوة لابد من تتابعها بصورة يومية كما قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (البقرة: 274) فلنخرج الصدقة كل يوم ولو ما يعادل شق تمرة، ولنخصص صندوقاً في البيت لذلك ليسهل علينا المداومة عليها ثم نعطيها كل فترة لمن يستحقها.

·                     تاسعاً: الفكر والذكر

ذكر الله عز وجل هو قوت القلوب ومادة حياتها، قال صلى الله عليه وسلم: «مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت»

ويقول ابن تيميه: الذكر للقلب مثل الماء للسمك، فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء.

 ودور الجنة تبنى بالذكر، فإذا أمسك الذاكر عن الذكر أمسكت الملائكة عن البناء. فإذا أخذ في الذكر أخذوا في البناء

ولكي يستفيد المسلم من الذكر ويواطئ لسانه قلبه فيحدث فيه الأثر المطلوب لابد من ربطه بعبادة التفكر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (آل عمران: 190،191).

 يقول الحسن البصري: إن أهل العقل لم يزالوا يعودون بالذكر علي الفكر وبالفكر على الذكر حتى استنطقوا القلوب فنطقت بالحكمة.

فالبداية تكون بالتفكر في مجال من المجالات ثم يتبع ذلك بالذكر المناسب له فعلى سبيل المثال.. إذا تفكر المرء في ذنوبه وتقصيره في جنب الله، عليه أن يتبعه بالاستغفار.

 وإذا ما تفكر في بديع صنع الله وآياته في النفس والكون اتبع ذلك بالتسبيح والحمد، وعندما يتفكر العبد في حاجاته الماسة إلي الله وفقره الذاتي إليه ردد بعده ذكر: لا حول ولا قوة إلا بالله، وهكذا في بقية الأذكار.

فعلينا أن نضع لأنفسنا أوراداً من الذكر نلتزم بها ونعمل على مواطأة القلب اللسان فيها، ولنعلم أن الثواب التام على قدر العمل التام، فالأعمال لا تتفاضل بصورها وعددها وإنما تتفاضل بتفاضل ما في القلوب، فتكون صورة العملين واحدة وبينهما في التفاضل كما بين السماء والأرض.

 وفي أذكار الصباح والمساء وكذلك أذكار الأحوال معاني عظيمة علينا أن نتدبرها ونحن نردد تلك الأذكار في أوقاتها.

·                     عاشرًا: محاسبة النفس

بعد مرور عدة أيام من رمضان تصبح النفس سهلة القيادة.. عند ذلك علينا أن نبدأ في محاسبتها علي ما مضى من أعمال. وهناك مجالات كثيرة لمحاسبة النفس تتناول حياة المسلم من جميع جوانبها، على الواحد منا أن يقف أمام كل بند من بنودها ليعرف أين تقع أقدامه بالنسبة إليه. وحبذا لو سجلنا الذنوب وأوجه التقصير ليكون ذلك دافعاً لحسن التوبة وتصحيح المسار.

 مجالات المحاسبة:

أ- عبادات الجوارح: مثل الصلوات الخمس في أول وقتها في المسجد، السنن الرواتب، أذكار الصلاة، صيام رمضان وصيام التطوع، مداومة الإنفاق في سبيل الله، أذكار الصباح والمساء، تحرى السنة في الأقوال والأفعال.

ب- معاصي الجوارح: مثل الغيبة والنميمة، السخرية، الاستهزاء بالآخرين، الجدل والمراء، إفشاء السر، الغمز واللمز، الكذب اللغو والثرثرة، عدم غض البصر، الخوض في الباطل، سرعة الغضب، إخلاف الوعد.

ج- عبادات القلب: الخشوع في الصلاة، الخوف من الله واستشعار مراقبته، الرضا بقضاء الله وقدره، التوكل علي الله، الصبر عند المصيبة، الشكر عند ورود النعم … .

د- معاصي القلوب: الإعجاب بالعمل والتسميع به، الضيق بالنقد، الحسد، الغرور، المباهاة، المن بالعطايا، إتباع الهوى، احتقار الآخرين، وسوء الظن بهم.

و- الحقوق: حقوق الوالدين، والزوجة، والأولاد، الرحم، الجيران، وكذلك حقوق الدعوة والأخوة و… .

ى- السلوكيات وفضائل الأعمال: السعي لقضاء حوائج الناس، لين الجانب، التواضع، عيادة المريض، إتباع الجنائز، الإحسان إلي الآخرين، أداء الأمانات إلي أهلها، دوام التبسم والبشر، إتقان العمل.

وعلينا بعد كل جلسة من هذه الجلسات الإكثار من الاستغفار، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (آل عمران: 135).

وقال صلى الله عليه وسلم: «ما من رجل يذنب ذنبًا ثم يقوم فيتطهر ثم يصلي ركعتين ثم يستغفر الله لذلك إلا غفر له»

 

القسم الثاني

مع الناس

إن السعي بالخير وسط الناس له مردود إيماني كبير في قلب العبد المسلم، فهو يزيد الإيمان ويثبته ويصل بصاحبه إلي أن يكون محبوبا عند الله عز وجل.

قال صلى الله عليه وسلم: «أحب الناس إلي الله أنفعهم، وأحب الأعمال إلي الله عز وجل سرور تدخله علي مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضى عنه دينا، أو تطرد عنه جوعا، ولأن أمشي مع أخي المسلم  في حاجة، أحب إلي من أن أعتكف في المسجد شهراً، ومن كف غضبه ستر الله عورته، ومن كتم غيظاً – لو شاء أن يمضيه أمضاه – ملأ الله قلبه رضا يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه المسلم في حاجته حتى يثبتها له، أثبت الله قدمه يوم تزل الأقدام، وإن سوء الخلق ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل»[1] .

وإليك أخي المسلم بعضاً من أعمال الخير علينا أن نحرص علي القيام بها في رمضان شريطة ألا يكون ذلك على حساب العمل مع أنفسنا، فالتركيز الأكبر في شهر رمضان وغيره ينبغي أن يكون في اتجاه الأعمال الفردية التي تملأ القلب بالإيمان والذي من شأنه أن يدفعنا طيلة العام لبذل الجهد في كافة أوجه الخير والدعوة والبر والصلة.

1-  الإحسان إلى الزوجة والأولاد:

إن الإحسان الحقيقي للزوجة والأولاد إنما يكون بأخذ أيديهم إلي طريق الله والتنافس معهم في السباق نحو الجنان، ولقد طالبنا الله بذلك، فقال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (التحريم: 6) فعلينا أن نستفيد من موسم رمضان في الارتقاء الإيماني والسلوكي بهم، فنجلس معهم قبيل حلول الشهر المبارك ونضع لكل منهم برنامجاً يسير عليه  يراعي جانبي العروة الوثقى، وهما كما مر علينا سابقاً إخلاص العبادة لله والإحسان إلي الخلق.

وعلينا كذلك أن ننظم لهم أوقاتهم ليتمكنوا من القيام بما عليهم من واجبات.

ولتكن لنا معهم جلسة يومية – وإن قصرت – ونختار لها الوقت المناسب للجميع، وفيها نقرأ معا ما تيسر من القرآن مع الاستماع إلي خواطرهم القرآنية.

ومع القرآن علينا أن نتدارس كتابا نافعا في الحديث أو السيرة، ثم نتابع حصيلة اليوم من الأعمال الصالحة فنشجع المحسن ونشحذ همة المقصر، ونختم اللقاء بالدعاء لأنفسنا وللمسلمين.

2- الجود والكرم:

وهذا باب عظيم من أبواب الخير علينا أن نلجه في رمضان «ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة في رمضان، فيدارسه القرآن فرسول الله صلي الله عليه وسلم أجود من الريح المرسلة» فلنُري الله من أنفسنا خيراً في هذا الشهر المبارك فهو سبحانه وتعالى يحب أهل السخاء والكرم، قال رسول الله عليه وسلم «إن الله كريم يحب الكرماء جواد يحب الجودة، يحب معالي الأمور ويكره سفسافها»

ومن سمات أهل الكرم والسخاء أنهم يبذلون من كل ما يملكون بلا حساب سواء كان ذلك مالاً أو علماً أو وقتاً أو جهداً.

ولقد أوصى رسول الله صلي الله عليه وسلم أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها بذلك فقال لها: «لا تحصي فيحصي عليك»

 والمعنى كما يقول ابن حجر في الفتح: النهي عن منع الصدقة خشية النفاد ، فإن ذلك أعظم الأسباب لقطع مادة البركة، لأن الله يثيب علي العطاء بغير حساب، ومن لا يحاسب عند الجزاء لا يحسب عليه عند العطاء ، ومن علم أن الله يرزقه من حيث لا يحتسب فحقه أن يعطى ولا يحسب.

فلنجعل رمضان وسيلة للتعود على الكرم والجود والسخاء، فلا نبخل علي الله بأموالنا ولا أوقاتنا ولا جهدنا، ولنضح بها بغير حساب.

جاء في شعب الإيمان للبيهقي أن يزيد بن مروان جاءه مال فجعل يصره صرراً ويبعث به إلي إخوانه ويقول: إني لأستحي من الله عز وجل أن أسأل الجنة لأخ من إخواني ثم أبخل عليه بالدينار والدرهم.

3- صلة الرحم:

قبل أن نتحدث عن واجبنا في رمضان وغيره تجاه أرحامنا أدعو القارئ إلي التأمل في هذا الحديث النبوي الشريف لنعلم كم نحن مقصرون في حق أنفسنا، زاهدون في خيري الدنيا والآخرة.

قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «ما من ذنب أجدر أن يعجل الله تعالى لصاحبه بالعقوبة في الدنيا مع ما يدخره له في الآخرة من قطيعة الرحم، والخيانة والكذب، وإن أعجل الطاعة ثواب لصلة الرحم، حتى إن أهل البيت ليكونوا فجرة فتنموا أموالهم، ويكثر عددهم إذا تواصلوا»

ولا يتعلل البعض بوجود قطيعة وعداوة قديمة بينه وبين أهله وأرحامه، فلقد أتي رجل النبي صلي الله عليه وسلم: فقال يا رسول الله إن لي قربة أصلهم ويقطعونني وأحسن إليهم ويسيئون إلي ويجهلون علي وأحلم عنهم قال: «لئن كان كما تقول فكأنما تسفهم المل ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت علي ذلك»

4- إطعام الطعام:

وهذا باب عظيم من أبواب الخير غفل عنه الكثير من الناس. قال صلى الله عليه وسلم: «إن من الجنة غرفا يري ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها» قالوا: لمن هي يا رسول الله؟ قال: «لمن أطعم الطعام وأطاب الكلام، وصلى بالليل والناس نيام»

 ولقد كان صهيب – رضي الله عنه – يطعم الطعام الكثير، فقال عمر رضي الله عنه: يا صهيب، إنك تطعم الطعام الكثير وذلك صرف في المال، فقال صهيب: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «خياركم من أطعم الطعام ورد السلام» فذلك الذي يحملني علي أن أطعم الطعام.

 وكان علي رضي الله عنه يقول: لأن أجمع ناساً من أصحابي علي صاع من طعام أحب إلي من أن أخرج إلي السوق فأشتري نسمة فأعتقها

ومن أهم صور ذلك إطعام المساكين ففيه خير عظيم، قال صلى الله عليه وسلم للرجل الذي أشتكي له من قسوة قلبه: «إن أحببت أن يلين قلبك فأطعم المسكين وامسح رأس يتيم»

فلنجهز وجبات الإفطار للفقراء والمساكين ونجلس معهم – إن تيسر ذلك – نشاركهم طعامهم ونشعرهم بإخوتنا لهم..

ومع تذكرنا لهؤلاء علينا ألا ننسي إخواننا المكروبين في كثير من بلدان العالم والتي يعاني أهلها من الظلم والاضطهاد والجوع والحرمان، ولنتذكر بشرى رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من فطر صائمًا كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئًا»

5- الإصلاح بين الناس:

إذا ما نظرنا للأسباب التي من أجلها يتشاحن الناس لوجدناها صغيرة وتافهة نفخ فيها الشيطان حتى أوقع القطيعة بين الأب وابنه، والجار وجاره، والصديق وصديقه..

في هذا الجو المسمم تكثر الظنون وتقطع الأرحام، وتتوارث العداوات، لذلك كان السعي للإصلاح بين الناس فضل عظيم، قال تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ (النساء : 114).

 ولقد وعد رسول الله صلى الله عليه وسلم القائم بهذا العمل الجليل بدرجة أعلى من درجة الصائم القائم المتصدق لما في ذلك من إشاعة جو التراحم والتواد بين أفراد المجتمع. قال صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلي، قال: صلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة»

ولنبدأ بأنفسنا فنعفو عمن ظلمنا، ونحسن لمن يسيء إلينا، ولنكن قدوة لغيرنا في الحلم والأناة وسعة الصدر.

6- قضاء حوائج الناس:

من صور الإحسان العظيمة: السعي في قضاء حوائج الناس. ولأن المحسن رجل قد سعى إلى خدمة الآخرين حباً في الله وشفقة علي خلقه كان جزاؤه من جنس عمله. قال صلى الله عليه وسلم: «أحب الناس إلى الله أنفعهم، وأحب الأعمال إلي الله عز وجل سرور تدخله علي مسلم، أو تكشف عنه كربة ، أو تقضى عنه ديناً، أو تطرد عنه جوعاً، ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في المسجد شهراً، ومن كف غضبه ستر الله عورته ومن كتم غيظاً – لو شاء أن يمضيه أمضاه – ملأ الله قلبه رضا يوم القيامة، ومن مشي مع أخيه المسلم في حاجة حتى يثبتها له، أثبت الله قدمه يوم تزل الأقدام، وإن سوء الخلق ليفسد العمل كما يفسد الخل العسل»

 أما الساعي علي الأرملة والمسكين فله أجر خاص. قال صلى الله عليه وسلم: «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله أو القائم الليل الصائم النهار»

إن هذه الأحاديث لا تحتاج إلى تعليق سوى الاجتهاد في تلمس حوائج الناس والمبادرة إلى قضائها، ولقد كان حكيم بن حزام يحزن على اليوم الذي لا يجد فيه محتاجاً ليقضي له حاجته فيقول: «ما أصبحت وليس ببابي صاحب حاجة إلا علمت أنها من المصائب التي أسأل الله الأجر عليها».

7- أنقذ غيرك:

لقد نجح إبليس في إغواء الكثير من الناس فصرفهم عن عبادة ربهم وشغلهم بزينة الحياة الدنيا، وسار بهم في طريق يؤدي بهم إلى النار، فهل نتركهم وشأنهم أم نحاول إنقاذهم؟!!

يقول تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (فصلت: 33) فلا سبيل لإيقاظ هؤلاء المساكين إلا بدعوتهم إلي الله. ولقد رغب –سبحانه وتعالى– عباده المؤمنين للقيام بهذه المهمة فجعل مقامها: مقام الأنبياء والرسل، أما أجرها فلا حدود له.

 ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا * إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ﴾ [الجن : 22 ، 23].

فهل لنا يا أخي أن ننال شرف هذه المهمة ونعمل علي إنقاذ أنفسنا ومن حولنا من النار؟

هل لنا أن نستفيد من أجواء رمضان حيث النفوس طيعة والشياطين مصفدة؟

يقول صلي الله عليه وسلم:«لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك مما طلعت عليه الشمس»

 فهيا بنا نجتهد لنكون سبباً في هداية وإنقاذ غيرنا.

هيا بنا نوقظ غافلاً، ونهدي حائراً، ونرشد ضالاً.

هيا بنا نبدأ بالأقربين فنعمل على تبصيرهم بحقيقة الدنيا ونجذبهم معنا إلى المسجد.

هيا نردد دعاء الرسول صلي الله عليه وسلم: «اللهم اجعلنا هداة مهتدين».

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *