هل صحيح ان المشركين كانوا مقرين ومعترفين بتوحيد الربوبية؟

1) قال تعالى (قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ *فَذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ * كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُواْ أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ) يونس / 31 – 34.
2) وقال تعالى (قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ* قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ * قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ * بَلْ أَتَيْنَاهُم بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ *عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) المؤمنون / 84 – 92.
3) وقال تعالى (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ * اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) العنكبوت / 61 – 63.
4) وقوله تعالى (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) لقمان / 25- 26.
5) وقوله تعالى (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ) الزمر / 38.
6) وقوله تعالى (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ *الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) الزخرف / 9 – 10.
7) وقوله عز وجل (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) الزخرف / 87

مامعنى إضافة هذه الكلمات (فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ.. أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) أي إن كان الله الفاعل لهذا كله كما تقولون (قول وليس إعتراف) فإتقوه هو وليس أصنامكم أي أنهم يشركون في تقوى الله وخوفه ورجائه أي في العبادة. (فَأَنَّى تُصْرَفُونَ.. فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ.. فَأَنَّى تُسْحَرُونَ) أي كيف تصرفون وتسحرون عن عبادة الله إذا كان الله هو ربكم كما تزعمون (وليس كما تعترفون)

وأضاف ربنا هذا التوضيح والكشف لهم بأنهم كاذبون وفسقوا وتعالى عما يشركون… أنظر هنا:
فَذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ
حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُواْ
هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ
وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ
فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ
بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ
قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ

أخي إن قوله تعالى عنهم (لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) و (فَسَيَقُولُونَ اللّهُ) ليس إعترافا بالربوبية لله كما يزعم بعض من العلماء وكذا بعض من المفسرين بل وفي كتب العقيدة أيضا بل هم يقولون ذلك زعما وكذبا لذا يرد الله عليهم بالتوضيح والفضح لهم الذي أوردناه قبل قليل. والخطأ جاء للبعض غفر الله لهم من التوقف في الآيات عند (فسيقولون الله) أو (ليقولن الله).
وأنت ترى أن الله عز وجل أورد في آيات أخرى زعم المنافقين وقولهم إن محمدا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لكن الله كذبهم ليس في اللفظ بل في اليقين بل في قلوبهم (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (1) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ))

فهل هم كذبوا في القول (نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ)؟ كلا، بل (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ) في اليقين والإعتقاد، فليس كل من تقرب إليك بألفاظ المحبة معترف بحبك بل لعل له مآرب منها أن يريد سرقتك…
ليس كل من قال شيئا يكون إعترافا بل قد يكون نفاقا أو كذبا لهدف التخلص والتملص أو خوفا أو هروبا من إنتصار الخصم… إلخ.
وهناك دليل واضح على شرك الربوبية لديهم وليس إقرارهم بتوحيد الربوبية قال الله عز وجل (قُلْ أتَعبدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَـرّاً ولانَفْعا (المائدة ـ 76 ووقوله سبحانه: (ويَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّه ِما لايَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً من السَّموات والاَرضِ شَيْئاً ولايَسْتَطِيعُونَ) لنحل ـ 73
ونجد لدى من وقعوا في هذا الخطأ الجسيم في نفس الكتاب يعارض مقولته بأن المشركين موحدين في الربوبية عندما لا يجد دليلا لشركهم في توحيد الألوهية سوى توحيد الربوبية إسمع لإبن القيم رحمه الله وعفا عنه عندما يشرح هذه الآية (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ) سبأ : 22 يقول: "فالمشرك إنما يتخذ معبوده لما يعتقد أنه يحصل له به من النفع والنفع لا يكون إلا ممن فيه خصلة من هذه الأربع : إما مالك لما يريده عابده منه فإن لم يكن مالكا كان شريكا للمالك فإن لم يكن شريكا له كان معينا له وظهيرا فإن لم يكن معينا ولا ظهيرا كان شفيعا عنده فنفى سبحانه المراتب الأربع نفيا مترتبا متنقلا من الأعلى إلى ما دونه فنفى الملك والشركة والمظاهرة والشفاعة التي يظنها المشرك وأثبت شفاعة لا نصيب فيها لمشرك وهي الشفاعة بإذنه فكفى بهذه الآية نورا وبرهانا ونجاة وتجريدا للتوحيد وقطعا لأصول الشرك ومواداه لمن عقلها" مدارج السالكين لإبن القيم تحقيق : محمد حامد الفقي

ثم يا أخي إن للإيمان بالربوبية آثار عظيمة، وثمرات كثيرة، فإذا أيقن المؤمن أن له ربّاً خالقاً هو الله تبار ك وتعالى وأن هذا الرب هو رب كلِّ شيءٍ ومليكُه وهو مصرف الأمور، وأنه هو القاهر فوق عباده، وأنه لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات والأرض_أَنِسَت رُوحُه بالله، واطمأنت نفسه بذكره، ولم تزلزله الأعاصير والفتن، وتوجه إلى ربه بالدعاء، والالتجاء، والاستعاذة، وكان دائماً خائفاً من تقصيره، وذنبه؛ لأنه يعلم قدرة ربه عليه، ووقوعه تحت قهره وسلطانه، فتحصل له بذلك التقوى، والتقوى رأس الأمر، بل هي غاية الوجود الإنساني.
ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "ذاق طعم الإيمان من رضي الله ربا وبالإسلام دينا، وبمحمدٍ رسولا"
ومن ثمراته أن الإنسان إذا علم أن الله هو الرزاق، وآمن بذلك، وأيقن أن الله بيده خزائن السموات والأرض، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع قطع الطمع من المخلوقين، واستغنى عما بأيديهم، وانبعث إلى إفراد الله بالدعاء والإرادة والقصد.
ثم إذا علم أن الله هو المحيي المميت، النافع الضار، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن أمره كلَّه بيد الله انبعث إلى الإقدام والشجاعة غير هياب، وتحرر من رق المخلوقين، ولم يعد في قلبه خوف من سوى الله عز وجل.
وهكذا نجد أن توحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية. والكلام في مقتضيات الربوبية وما تثمره من ثمرات يفوق الحصر والعد، وما مضى إنما هو إشارات عابرة يقاس عليها غيرُها.
من تيقن أن الله وحده هو ربه ألا يحبه ويخافه ويرجوه ويعبده وحده؟ لا يمكن أن يشرك من تيقن أن الله ربه! لماا يذهب إلى غير الله إذا كان لايملك نفعا ولا ضرا؟؟؟ والعكس من لم ذهب لغير الله فذلك فقط لأن هذا الغير يملك أمرا مصلحا له…

من المراجع كتاب الربوبية للشيخ عبد الرحمن حبنكة رحمه الله تعالى وصحبة الأخيار من العلماء.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *