رجل المهمات الخاصة عبدالله بن أنيس

ثُمَّ قَامَ بي، فأدْخَلَنِي بَيْتَهُ فأعْطانِي عَصًا، فقَالَ: ((أمْسِكْ هَذِه العَصَا عِنْدَك يا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُنَيْسٍ))، قالَ: فخَرَجْت بِها على النَّاسِ فقالُوا: مَا هَذه العَصَا؟ قُلْتُ: أعْطَانِيها رَسُولُ اللَّهِ – صلَّى اللهُ علَيْهِ وسلَّم – وأمَرَنِي أنْ أُمْسِكَها عِنْدِي، قَالُوا: أفَلا تَرْجِعُ إلى رَسُولِ اللَّهِ – صلَّى اللّهُ علَيْهِ وسلَّم – فتَسْأَلَهُ لِمَ ذَلِك؟ قالَ: فَرَجَعْت إلى رَسُولِ اللّهِ – صلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وسلَّم – فقُلْت: يا رَسُولَ اللّهِ، لِمَ أعْطَيْتنِي هَذِهِ العَصا؟ قالَ: ((آيةٌ بَيْنِي وبَيْنَك يَوْمَ القِيامة؛ إنَّ أقَلَّ النَّاسِ المُتَخَصِّرُونَ يَوْمئِذٍ))، قَالَ: فقَرَنَها عَبْداللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ بِسَيْفِه، فلَمْ تَزَلْ مَعَهُ حَتَّى مَاتَ ثُمَّ أمَرَ بِهَا فَضُمَّتْ في كَفَنِه، ثُمّ دُفِنَا جَمِيعًا.

إنَّه رجل المهمَّات الخاصَّة ورجُل المهمَّات الصَّعبة، روى للنبيِّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – أربعًا وعِشْرين حديثًا كما جاء.

"جوامع السيرة" (ج 1 / ص 282).

أمّا قصَّة قتلِه لسفيان بن خالد بن نبيح، فآثرت أن أنقلها كما هي كما جاءت في "سبل الهدى والرشاد" (ج 6 / ص 36)، ولكنَّني أذكر أنَّ المسافة التي كانت تفْصله عن هدفه سفيان بن خالد بن نبيح ليستْ قليلة، إنَّها نفس المسافة تقريبًا الَّتي قطعها عثمان بن طلْحة العبدري موصِّلاً أمَّنا أمَّ المؤمنين أم سلمة إلى زوجها أبِي سلمة في المدينة، وكنت ذكرتُ قصَّته في مقال خاصّ.

أن يسير لأيَّام وأيَّام وبمفرده أمرٌ سجّل للصحابيِّ عبدالله بن أنيس، فرضوان الله عليْه، وإليك القصَّةَ:

خرج عبدالله بن أنيس من المدينة يوم الاثنَين، لخمس خلوْن من المحرَّم على رأْس خمسةٍ وثلاثين شهرًا من مهاجَر رسولِ الله – صلَّى الله عليه وسلَّم.

قالوا – واللَّفظ لمحمَّد بن عمر -: بلغ رسولَ الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – أنَّ سفيان بن خالد بن نبيح الهذلي ثمَّ اللّحياني، وكان ينزل عرنة وما والاها في أُناسٍ من قومِه وغيرِهم، يُريد أن يَجمع الجموع إلى رسولِ الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – فضوى إليه بشَرٌ كثير من أفناء الناس.

قال عبدالله بن أنيس – رضي الله تعالى عنه -: دعاني رسولُ الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – فقال: ((إنَّه بلغني أنَّ سفيان بن خالد بن نبيح يَجمع لي الناس ليغزوني، وهو بنخلة أو بعرنة، فأْتِه فاقتله)).

فقلتُ: يا رسول الله، صفْه لي حتَّى أعرفَه، فقال: ((آية ما بيْنك وبيْنه أنَّك إذا رأيتَه هِبْتَه وفرقتَ منْه، ووجدت له قشعريرة وذكرت الشَّيطان)).

قال عبدالله: وكنتُ لا أهاب الرّجال، فقلت: يا رسولَ الله، ما فرقت من شيء قطّ.

فقال: ((بلى، آية ما بيْنك وبينه ذلك؛ أن تجِد له قشعْريرة إذا رأيتَه)).

قال: واستأذنتُ رسولَ الله – صلَّى الله عليْه وسلَّم – أن أقول، فقال: ((قُل ما بدا لك)).

وقال: ((انتسِب لخُزاعة)).

فأخذت سيْفي ولم أزِد عليه، وخرجتُ أعْتزي لخزاعة حتَّى إذا كنتُ ببطن عرنة لقيتُه يَمشي ووراءه الأحابيش.

فلمَّا رأيتُه هِبْته وعرفتُه بالنَّعت الَّذي نعت لي رسولُ الله – صلَّى الله عليه وسلَّم.

فقلت: صدق الله ورسوله، وقد دخل وقْت العصر حين رأيتُه، فصلَّيتُ وأنا أمْشي أومئ برأسي إيماء.

فلمَّا دنوتُ منْه قال: مَنِ الرَّجُل؟

فقلتُ: رجُلٌ من خزاعة، سمعتُ بِجمعك لمحمَّد فجئتك لأكون معك عليْه.

قال: أجل، إنّي لفي الجمع له.

فمشيْتُ معه وحدَّثتُه، فاستحلى حديثي وأنشدته، وقلت: عجبًا لِما أحدث محمَّد من هذا الدِّين المحدث، فارق الآباء وسفَّه أحلامهم!

قال: لَم ألْق أحدًا يُشبهُني ولا يحسن قتاله.

وهو يتوكَّأ على عصا يهدّ الأرض، حتَّى انتهى إلى خبائه وتفرَّق عنه أصحابه إلى منازل قريبة منه، وهم يطيفون به.

فقال: هلُمَّ يا أخا خزاعة، فدنوت منه.

فقال: اجلس، فجلستُ معه، حتَّى إذا هدأ النَّاس ونام اغتررتُه.

وفي أكثر الرّوايات أنَّه قال: "فمشيْتُ معه حتَّى إذا أمكنَني حملْتُ عليْه السَّيف فقتلته، وأخذتُ رأسه، ثمَّ أقبلتُ فصعدت جبلاً فدخلت غارًا، وأقبل الطَّلَب من الخيل والرّجال تَمعج في كلّ وجْه، وأنا مكْتمِن في الغار، وضربتِ العنكبوت على الغار.

وأقبل رجُل معه إداوته ونعله في يدِه، وكنت خائفًا.

فوضع إداوته ونعله وجلس يبول قريبًا من فم الغار، ثمَّ قال لأصحابِه: ليس في الغار أحد، فانصرفوا راجعين، وخرجت إلى الإداوة فشربْت ما فيها وأخذت النَّعلَين فلبسْتُهما.

فكنتُ أسير اللَّيل وأكمن النَّهار حتَّى جئت المدينة، فوجدت رسولَ الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – في المسجد، فلمَّا رآني قال: ((أفْلح الوجه)).

فقلت: وأفلح وجْهُك يا رسول الله.

فوضعت الرَّأس بين يديه وأخبرتُه خبري، فدفع إليَّ عصا وقال: ((تخصَّر بها في الجنَّة فإنَّ المتخصِّرين في الجنَّة قليل)).

فكانت العصا عند عبدالله بن أُنيس حتى إذا حضرته الوفاة أوْصى أهلَه أن يدرجوا العصا في أكفانِه، ففعلوا ذلك.

بقي أن أذكر أنَّ هذا الصَّحابي الشّجاع فارس وشاعر، قال في قتْلِه لابن نبيح كما قَالَ ابْنُ هِشامٍ:
أَقُولُ لَهُ وَالسَّيْفُ يَعْجُمُ رَأْسَهُ *** أَنَا ابْنُ أُنَيْسٍ فَارِسًا غَيْرَ قُعْدُدِ
أَنَا ابْنُ الَّذِي لَمْ يُنْزِلِ الدَّهْرُ قِدْرَهُ *** رَحِيبُ فِنَاءِ الدَّارِ غَيْرُ مُزَنَّدِ
وَقُلْتُ لَهُ خُذْهَا بِضَرْبَةِ مَاجِدٍ *** حَنِيفٍ عَلَى دِينِ النَّبِيِّ مُحَمَّدِ
وَكُنْتُ إِذَا هَمَّ النَّبِيُّ بِكَافِرٍ *** سَبَقْتُ إِلَيْهِ بِاللِّسَانِ وَبِاليَدِ

وقال في نعي النبيِّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – كما جاء في "سبل الهدى والرشاد" (ج 12 / ص 278):
تَطَاوَلَ لَيْلِي وَاعْتَرَتْنِي القَوَارِعُ *** وَخَطْبٌ جَلِيلٌ لِلبَلِيَّةِ جَامِعُ
غَدَاةَ نَعَى النَّاعِي إِلَيْنَا مُحَمَّدًا *** وَتِلْكَ الَّتِي تَسْتَكُّ مِنْهَا المَسَامِعُ
فَلَوْ رَدَّ مَيْتًا قَتْلُ نَفْسِي قَتَلْتُهَا *** وَلَكِنَّهُ لا يَدْفَعُ المَوْتَ دَافِعُ
فَآلَيْتُ لا آسَى عَلَى هُلْكِ هَالِكٍ *** مِنَ النَّاسِ مَا أَوْفَى ثَبِيرٌ وَفَارِعُ
وَلَكِنَّنِي بَاكٍ عَلَيْهِ وَمُتْبِعٌ *** مُصِيبَتَهُ: إِنِّي إِلَى اللَّهِ رَاجِعُ
وَقَدْ قَبَضَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ قَبْلَهُ *** وَعَادٌ أُصِبيَتْ بِالرَّزَى وَالتَّبَابِعُ
فَيَا لَيْتَ شِعْرِي مَنْ يَقُومُ بِأَمْرِنَا؟ *** وَهَلْ فِي قُرَيْشٍ مِنْ إِمَامٍ يُنَازِعُ
ثَلاثَةَ رَهْطٍ مِنْ قُرَيْشٍ هُمُ هُمُ *** أَزِمَّةُ هَذَا الأَمْرِ وَاللَّهُ صَانِعُ
عَلِيٌّ أَوِ الصِّدِّيقُ أَوْ عُمَرٌ لَهَا *** وَلَيْسَ لَهَا بَعْدَ الثَّلاثَةِ رَابِعُ
فَإِنْ قَالَ مِنَّا قَائِلٌ غَيْرَ هَذِهِ *** أَبَيْنَا وَقُلْنَا اللَّهُ رَاءٍ وَسَامِعُ
فَيَا لَقُرَيْشٍ قَلِّدُوا الأَمْرَ بَعْضَهُمْ *** فَإِنَّ صَحِيحَ القَوْلِ لِلنَّاسِ نَافِعُ
وَلا تُبْطِئُوا عَنْهَا فُوَاقًا فَإِنَّهَا *** إِذَا قُطِعَتْ لَمْ يُمْنَ فِيهَا المَطَامِعُ

جاء في "الاستيعاب في معرفة الأصحاب" (ج 1 / ص 261) في التَّعريف بهذا الصَّحابي صاحب المهمَّات الخطرة:

وقال الكلبي: عبدالله بن أنيس صاحب النَّبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – هو: عبدالله بن أنيس بن أسعد بن حرام بن حبيب بن مالك بن غنْم بن كعب بن تيْم بن نفاثة بن إياس بن يرْبوع بن البرك بن وبرة، أخي كلب بن وبرة، والبرك بن وبرة دخل في جُهَيْنة.

قال ابنُ الكلبي: كان عبدالله بن أنيس مهاجريًّا أنصاريًّا عقبيًّا، وشهِد أُحدًا وما بعدها، يكنَّى أبا يحيى.

مصطفى شيخ جزاه الله خيرا

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *