الخواطر.. هي بداية حركتك فانتبه واستفد


ومن قول رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ” أنَّ القُلُوبَ بَيْنَ إصْبَعَينِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّه يُقَلِّبُهَا ” حديث صحيح، رواه الترمذى وأحمد عن ” أنس ” رضي اللَّه عنه.
فإنَّ أوّل ما يتبادر إلى ذهننا أنَّ عباد اللَّه المخلَصين إليه.. المحبوبون عنده.. لابد وأن يتولى اللَّه تعالى تطهير قلوبهم وتقويتها وأن ينيرها بالخواطر الرحمانية النورانية المتتابعة، وأن يدافع عنها ويحفظها.. ويزيدها قوة على طرد كل خاطر غير نورانى، يقول تعالى: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ)
وقد قلنا من قبل إن الروح عرشُها القلب.. وأن القلب له وجه إلى النَفْسِ ووجه إلى الروح…، وحيث أن اللَّه تعالى ينير القلب بالخواطر النورانية الرحمانية، وبذلك تتأثر قوى النفس الباطنية -والادراك واحدٌ منها- وكذلك تضفى الروح من نورها على النفس لازدياد قابلية الأخيرة لأنوار الروح..
بذلك كله – وأكثر منه – ينير القلب.. وتنير النفس… وتنير حواسها المدركة من باطن.. فيرى العبدُ بنور اللَّه.. ويسمعُ بنور اللَّه.. إلى أن يُمِدَّه اللَّه تعالى بقوةٍ منه.. في يده.. وفى رجَلِه… أى أنه حتى جسده المادي، يخضع أيضاً لقوى الروح.. وقوى النفس الظاهرة…
فأول ما يتغير في العبد في هذه المرحلة.. هو نورانية الخواطر التى تأتيه، حتى يصبح ذا فراسةٍ فينظر بنورِ اللَّه تعالى كما في الحديث الشريف…
ونحن إذا قلنا ” الخواطر “.. فأنت لاتعرف كيف تتلقى هذا الخاطر.. ولاتعلم عن قُوى نفسك الباطنية شيئا.. ولاتدري هل ما يستقبل الخاطر منك هو الوهم أو الخيال أو التفكر او التذكر أو الحِسُّ المشترك.. وكل هذه من قوى النفس….
كل ما تشعر به على الحقيقة.. أنَّ هذا الخاطر.. يزداد عندك قوة حتى يصل إلى مرتبة “ الجَزْمِ ”، فتتعامل معه على أنه حقيقة لا شك فيها، أو هو على الوجه المقابل، يضعف ويزداد ضعفا.. حتى يتلاشى وتنساه…. وأنت لاتدرى أنك في الحالتين تتعامل مع عالم الجبروت أو عالم يمحو اللَّه ما يشاء ويثبت جَلَّ شأنه…
فإذا ازداد هذا الخاطر عندك قوةً ويقيناً… فالحقيقة أنك قد دخلت في مرتبة اخرى.. فما عاد الأمر عندك ظناً… بل قد صار إلهاماً.. ثم يقينا، ثم تتنزل عليك السكينة في القلب…، ليكون الأمر عندك راسخاً رسوخَ الجبل… يقول تعالى: (فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا)
ويقول: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ)
وتأمل هاتين الآيتين…. فيظهر لك جَليًّا أن اللَّه تعالى قد طَمْأَن وَثَبَّتَ وفَرَّحَ قلبَ رسوله صلى الله عليه وسلم وقلوبَ المؤمنين معه بهذه السكينة،.. وزاد إيمانهم بتنزيلها عليهم… ثم ثَنَّى جَلَّ شأنه بالتأييد بجنود له غير مرئية، وفى الآية الثانية عَطَفَ بأن له تعالى جنود السموات والأرض…
فالسكينة هي من جنود اللَّه تعالى.. وهى ضِدُّ ” الرعْب “، الذى هو أيضاً من جنود اللَّه تعالى كما سبق القول… والقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن…
وجنودُ اللَّه تعالى هي من صفاته وتجَلِّيَّاته سبحانه وتعالى…
والسكينة مشتقة في اللغة من سكن.. يسكن.. سكونا.. وسكناً… فهى الطمأنينة.. والأمن.. والاستقرار.. والراحة.
وحذار ثم حذار، أن تفهم من كلامنا هذا أن كل أمر يستقر في القلب ولايتزعزع، أن معه السكينة… فإننا نتكلم عن قلوب صَفَتْ إلى اللَّه تعالى واستنارت بأنواره.. وكذلك عن نَفْسٍ مطمئنة، قد قطعت شوطاً طويلاً في تأدُّبِها بأدب القرآن، وسنة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فساعفتها الروح بأنوارها..
أما من هو ليس في هذه الدرجة، فإن قلبه ونفسه يستكنَّان إلى هواه.. وشهواته… فتنبه رحمك اللَّه وإيانا…….
وننبه أيضاً إلى أنَّ المقصود بجنود اللَّه تعالى.. القُوَى التى ليس لأحد عليها سيطرة ولاتوجيه.. بل المتصرِّفُ فيها هو اللَّه تعالى…
وانظر إلى قوله تعالى: (أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ)… فاللَّه تعالى قد كتب في قلوبهم الايمان.. ثم أيدهم بروح من اللَّه تعالى…
فالأمر الذى نناقشه لانقصد به أمراً عقلانيا، يَستقرُّ رأيك وعقلك على قرار فيه.. ولكننا نتحدث عن إلقاء اللَّه تعالى على قلوب عبيده من السكينة أو الروح، فيتأيد الأمر في القلب ويثق ويؤمن ويستكن ويسكن ويطمئن بما وصل إليه من إكرام اللَّه تعالى له وليس بتفكيره ومنطقه…..
فنحن نتحدث عن سكينة وطمأنينة تحدث في القلب دون سببٍ تعرفه.. لأنك لو وصلت إلى هذه السكينة بالأسباب والعقل… فحينئذ تكون نتيجة طبيعية لمنطقك ودراستك، فهى حينئذٍ مكتسبة بالأسباب.. لك ولغيرك…. وهذه في الحقيقة ليست السكينة التى نتحدث عنها… إنما هي اطمئنان منك لعقلك وتفكيرك…. فلاحظ الفارق بين الحالتين…
وحتى لاتتعجب أو تستنكر قولنا هذا.. والشئ بالشئ يذكر.. نلفت الأنظار إلى قوله تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ)
ومعنى ” من حيث لا يحتسب ” أى أنه لم يتَدبَّر له، ولم يكن في حسبانه وحساباته… ففارق كبير بين المتسبِّب وغير المتسبِّب.. وبين ما جاء بالأسباب.. وما جاء بغير أسباب….
ويكفينا هذا القدر في حديثنا عن الخواطر.. لنأتى بعد ذلك إلى الرؤية.. وهى المرتبة التى تلى الخواطر في النورانية…

من كتاب الاجسان لعبد الله/ صلاح الدين القوصي

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *