خليفة الله في الأرض، وأهل الخصوص من الأمة


وخلفاؤه الأربعة رضي اللَّه عنهم..، هم حملة لوائه ولقد قال صلى الله عليه وسلم” الخِلافَةُ بَعْدِى في أُمَّتِى ثَلاثُونَ سَنَةً ثُمَّ مُلكٌ بَعْدَ ذَلِك ” حديث صحيح، رواه أحمد والترمذى وابن حبان…. وهذا التاريخ كان نهاية خلافة الإمام علي كرَّم اللَّه وجهه وتنازل أبنه الحسن عنها…. أمَّا من بعدِهم فقد انفصلت الخلافة الأرضية عن الخلافة الروحية.. فكان لكل منهما شأنه،

فإذا قُلْتَ لِى أنَّ الخِلافَةَ كانت لآدم في الأرض.. قُلْتُ لك وهل في القرآن نصٌّ يدل على أن الخليفة هو سيدنا آدم !! وهل هناك ما يمنع أن يكون الخليفة المقصود هو من نسل آدم وليس آدم !!
وقد خلق اللَّه آدم، ثم أسكنه الجنة بنصِّ القرآن الكريم…، ثم أنزله إلى الأرض ليتناسل ويتكاثر.. ليخرج من ذريته عندما يريد اللَّه تعالى الخليفةَ المقصود… وقدم لمجيئه بالأنبياء والرسل، على قدر عقول أقوامهم في تلك الفترات والعصور، وما استتمَّ الدين ولا اكتملت الرسائل السماوية.. إلا بخاتم الأنبياء والمرسلين.. الذى تظلُّ شريعته إلى يوم الدَّين، وينكشف خلال فترة رسالته من أسرار الكون وقوانينه ما تنضج به البشريةُ كلها، ويكون دينه ورسالته هي الأصل سابقا، والأساس حتىى ومِ الدِّين، وإنَّ الدِّين عند اللَّه الإسلام….
وحتى عندما خاطب اللَّه تعالى سيدنا داود عليه السلام وقال له: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ)، فاللَّه سبحانه وتعالى لم يخاطب رسله بهذه الخلافة..، وخطابه لسيدنا داود عليه السلام، هو تكليف محدود بالحكم بين الناس بنص القرآن، وهى ليست خلافة مطلقة كما ترى.

ورغم هذا فالخلافَة لها إطلاقٌ… ولها تقييد…
فآدم وذريتُهُ لهم الخلافة في الأرض… الخلافة على إطلاقِها.. فإن الله تعالى قد سخَّر له الأرض وما فيها وما عليها… بل وجعل له الشمس والقمر والنجوم مسخراتٍ بأمر اللهِ تعالى له… ولكن ليس كُلُّ فردٍ من أولاد آدم له القدرة على استخراج ما في باطن الأرض.. ولا استغلالِ ما في البر والبحرِ.. بل كُلٌّ على قدر طاقتِهِ…
فنقولُ إذاً أنَّ الله تعالى قد سخَّر الأرض وما فيها وما عليها للبشرية كُلِّها.. ثم كُلُّ جيلٍ.. أو كُلُّ طورٍ من أطوار البشرية.. أو كُلُّ فردٍ فيها خليفةٌ فيما يستطيعُ الخِلافة فيه… فَهِى تصيرُ خِلافةً مُقيَّدةً لِكُلِّ فردٍ من ولدِ آدم… وعلى قدرِ طاقاتِهِ…

ولكن يسوقنا الكلام هنا إلى نُقطةٍ دقيقةٍ.. تلك أنَّ هذه الخلافة هي في الحقيقةِ وثيقة الصِلةِ بالعُبوديّة… وكيف كان ذلك ؟؟؟…
فلننظُر سويًّا….
العبودية تقتضى الطاعة المطلقة للخالِقِ جَلَّ و علا… فلا يُعْبَدُ سِواه.. ولا يُرْجَى غيره… وحقيقةُ هذه العبودية هي“ الحرية الكاملة ”…. ذلك أنَّ العبد يتخلَّص من هوى نفسِهِ.. ورِقِّ الشيطان.. وحُبِّ الدنيا فلا تتملَكُهُ رغبةٌ ولا هوى.. بل هو عبدٌ للَّهِ تعالى.. فهو إذاً قد تحرر من عبوديَّة نفسِهِ والهَوى والشيطان…
وإذا صار العبد خالصا للَّه تعالى… أفاضَ اللَّه عليه من قُوَّتِهِ وقدرته.. فيصبِحُ عبدًا ربَّانيّا… تستجابُ دعوَتُهُ،… ويهابُهُ الخلقُ…، ويُحِبُّهُ أهلُ السماءِ والأرضِ من الصالحين…، وينظُرُ بنور اللَّه…، ويتحدَّث بحكمة اللَّه… ويقدِرُ بِقُدرة اللَّه… فعلى قدر صِدقِ عبوديَّتِهِ.. على قدر ما يكتسبُ من أنوار صِفاتِ اللَّه…. فإذا اكتملت فيه العبودية، الكمال الذى ليس فوقه كمال.. فقد استنار بالأنوار الإلاهية الاستنارة التى ليس بعدها استنارة… وأخذ من صِفاتِ سيدِه ومولاه بالحظ الأوفى.. فصار بذلك ظِلاّ لسيدِه وربِّهِ…

ألا ترى إلى سيدنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كيف خاطب الشجر.. والحجر.. و الجبلِ.. والناقة.. و الضبَّ.. والذئب.. وانشقَّ لهُ القمر !!!
خلافةٌ مطلقَةٌ… سببها عُبُوديَّةٌ مطلقةٌ… أدّت إلى حُرِيَّةٍ مطلقةٍ.
وتنبّه إلى أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم هو إمام الأنبياء والمرسلين حتى من قبل بعثته البشرية المباركة… يقول صلى الله عليه وسلم” كُنْتُ نَبِيًّا وآدمُ بَيْنَ الروحِ والجَسَدِ “.. حديث صحيح، رواه الطبرانى عن ” إبن عباس “..
فنبوة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم هي التى أمدَّت جميع الأنبياء بنبواتهم.. وهو إمامهم وخاتمهم صلى اللَّه عليه وعليهم جميعا…، فهو كنز النور الإلاهي ومنبع الأسرار اللاهوتية…،
فقبل بعثته المباركة أمدَّ جميع الأنبياء بأنوارٍ من أنواره، وأمّا بعد بعثته فإنه يُمِدُّ جميع الأولياء اللاحقين، بأنوارٍ من أنوار روحه صلى الله عليه وسلم..، فلا نبوة بعده، فدائرة النبوة قد ختمت ببعثته صلى الله عليه وسلم..، ودائرة الولاية التى هو أيضاً مركزها وأصلها، لاتختم إلا في نهاية الدنيا.. بأنواره صلى الله عليه وسلم…. وهل يكون الولي وليا إلا بحسن اتباعه لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم شريعةً وطريقةً وحقيقةً !!
فالولاية هي امتداد لنور رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.. فلا عجب أن يكون للكاملين من ورثة أنواره، بعض صورٍ من صورةِ خلافته عليه الصلاة والسلام….

ونعود مرة أخرى لنتحدث عن بعض خصائص أهل الفتح… ونذكر بعض حديث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلمحيث يقول ” إذا ضَلَّ أحَدُكُم أو أراد عَوْناً وهُو بأَرْضٍ ليسَ بِهَا إنْسِي فليقُلْ: يا عِبَادَ اللَّه أَغِيثُونِي (ثلاثا) فَإنَّ للَّه عِبَاداً لا يَرَاهُمْ ” رواه الطبرانى، ويقول صلى الله عليه وسلم” رُبّ أشعثَ مَدْفُوعاً بِالأَبْوابِ لَو أَقْسَمَ عَلى اللَّه لأبرّهُ ” رواه مسلم والامام أحمد عن ” أبي هريرة “، وهو صحيح.
ويقول صلى الله عليه وسلم” الأَبْدَالُ في أمَّتِى ثَلاثُونَ، بِهِمْ تَقُومُ الأَرْضُ، وَبِهِمْ تُمْطَرونَ، وَبِهِم تُنْصَرُونَ ” رواه الطبرانى في الكبير عن ” عُبادة بن الصامت “، وهو صحيح، وذكر مثله الإمام أحمد في مسنده، وهو حسن رواه ” الإمام علىّ “، وكذلك ذكر مثله الطبرانى عن ” عوف بن مالك “، وهو حسن…
ومن أَوْلى من أهل اللَّه تعالى.. وأهل الفتح في استجابة دعوتهم……
ولاحظ هنا دقيقة خفية…
فاللَّه تعالى مُوجِب الموجبات.. وهو سبحانه لايَجِبُ عليه شيئ إلا ما أوجبه سبحانه على نفسه، فضلاً منه وكرماً..، فكيف يَبَرُّ اللَّه قسم عبده إذا دعاه !! والرسول صلى الله عليه وسلم يقول ” رُفِعَتْ الأَقْلامُ وَجَفّتْ الصُّحُف “…
يتبادر إلى الذهن مفهوم واحد.. هو أن هذا العبد لايدعو إلا بما سَبَقَ في عِلْم اللَّه تعالى.. أى أن اللَّه تعالى يلهمه الدعاء المستجاب… ومعنى هذا إن الإلهام والخواطر الرحمانية، لا تنقطع عن هذا العبد… انظر إلى قوله تعالى: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ)( ).
ويقول في آية الكرسى: (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ)، ويقول عن العبد الصالح في سورة الكهف: (فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً).
فعِلْمُ اللَّهِ تَعَالى.. والعِلْمُ باللَّهِ جَلَّ شأنُه… والعِلْمُ عن اللَّهِ سبحانه.. يؤتيه اللَّه لمن يشاء من عباده.. كيفما يشاء وأنَّى يشاء.. ولايسأل عما يفعل.. ولا معقِّبَ لحكم اللَّه!!!..
والعبد الذى يفتح اللَّه تعالى عليه، لايستطيع أن يتعايش مع عوالم ملكوت اللَّه تعالى، إلا إذا أمدَّه اللَّه تعالى بأنواره وأسراره على قدره وقدر طاقته، وكذلك من أمده اللَّه تعالى بأنواره وأسراره فإنه يستطيع أن يتعايش مع بعض هذه العوالم الغيبية…. فالأمر فيه اختيارٌ من اللَّه تعالى… وإكرام لعباده بجوده.. ومنِّه.. وكرمه… وهل على فضل اللَّه حرج !!!.
فلا تحجِّر عقلك وتفكيرك، وتردَّ على ببعض ما تعرفه من عموميات، ونحن نتحدث عن أعلى درجات أهل الخصوص… واللَّه سبحانه وتعالى في كتابه الحكيم كثيراً ما يستثنى من أحكامه العامة أهل العلم ِ.. وأهل الاجتباء ومن أراد اللَّه تعالى… يقول تعالى: (الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ). ويقول: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً (26) إِلاَّ مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً).
ويقول: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ)

وأهل الخصوص.. وأهل الاستثناء موجودون في كل عصر وقد كانوا في حضرة رسوله صلى الله عليه وسلم… ونذكر لك بعضها على وجه السرعة والإجمال، واذا اردت التفصيل فارجع إلى كتب السيرة والسنة النبوية…
• قَبِل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كلَّ مال أبى بكر الصديق.. ونصفَ مالِ عمر بن الخطاب، ولم يقبل من الصحابة تَطَوُّعا إلا في حدود ثُلُثِ أموالهم…. وبهذا أَمَر وشرَّع صلى الله عليه وسلم.
• بشَّر الرسول صلى الله عليه وسلم عشرة من أصحابه بالجنة في مجلس واحد… كما بشَّر غيرهم في حالات أخرى…. فهل المبشَّرون من رسول اللَّه بالجنة هم فقط أهل الجنة من بين صحابة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم!!، أم أن هذه البشريات كانت لخصوصيات يعرفها الرسول صلوات اللَّه وسلامه عليه حيث لم يخش عليهم من أن يفتتنوا بأنفسهم، وهو الذى نهانا عن المدح والإطراء في وجه من نمدح !!. واللَّه أعلم بمراده ومراد رسوله..
• جعل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم شهادة سيدنا ” خزيمة ” تعْدِلُ شهادة رجُلين… وعلى هذا سار أبو بكر وعمر في إثبات وتحقيق آخر سورة التوبة عند جمع القرآن…
• ويقول صلى الله عليه وسلم” إنَّ اللَّه تَعَالى اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرتُ لَكُم ” حديث صحيح، عن ” أبى هريرة ” كما رواه الحاكم في مستدركه…
• وقال صلى الله عليه وسلم” أوَّلُ مَنْ أَشْفَعُ لَهُ مِنْ أمَّتِى أهلُ المدينةِ، وأَهْلُ مَكًّةَ، وأهلُ الطَّائِفِ ” رواه الطبرانى في الكبير عن ” عبد اللَّه بن جعفر “، وهو صحيح…
وغير هذا كثير لا مجال لبسطه الآن… ولكن يجب أن نعرف أنَّنا عندما نتحدث عن هذه الخصوصية، وهذا الاستثناء، فنحن لانعني خصوصيةً أو استثناءً من أوامر اللَّه تعالى لعبيده في شريعته، فلا يطالبهم بما يطالب به غيرهم من العموم… فهذا ما مرَّ حتَّى بخاطرنا….
بل نقصد أنهم أهل الخصوص في الأدب العالى مع اللَّه تعالى ومع رسوله صلى الله عليه وسلم، وكذلك الإيمان الكامل واليقين الثابت باللَّه ورسوله.. أى نحن نتحدث عن صفوة القوم، وعِلية الملأ من أتباع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم…. فتنبّه رحمك اللَّه وإيّانا….

وقد وصلنا في حديثنا إلى أن أهل اللَّه تعالى وخاصَّتَهُ لديهم القدرة على التعامل مع بعض عوالم الملكوت، وأن اللَّه تعالى قد أهَّلَهم لهذا الفضل… ولاشك ان أول هذه القدرات تكون هي رؤية هذه العوالم أو بعضها وإدراك ما فيها…
انظر إلى قوله تعالى: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)
وقال تعالى: (يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ)، فالمخلوق بدايةً كان في ظُلمة.. وأيا كانت هذه الظلمة مادية أو معنوية -كما اختلف فيها المفسرون- فإن اللَّه تعالى ينبِّه إلى أنه جَلَّ شأنه، قد أخرج عباده من هذه الظلمة، وجعل لهم السمع والأبصار والأفئدة… وبهذه النعم الثلاث يتدرَّجُ الإنسان من ظلمة الجهل إلى أنوار المعرفة.. سواءً المادية أو المعنوية…. فإنَّهُ بأدوات الإحساس الظاهرى من سمع وبصر ومنطق وتعقل.. يصبح الانسان مدركاً عاقلاً في الدنيا..
إذا فهى في الحقيقة أنواع من الأنوار الإلاهية التى يدرك الانسان بها وجوده في الدنيا…

ومن يُرِد اللَّه أن يهديه للإيمان والإسلام يزيد من أنواره عليه.. لينير قلبه وعقله بنور المعرفة والإدراك الباطنى… لذلك يقول تعالى:
(أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
فالكافر وإن كان له سمع وبصر وإدراك، وهى أنوار من اللَّه بلا شك ولكنها محدودة بالنفع والإدراك في الحياة الدنيا، لذلك يقول تعالى: (يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنْ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنْ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ)، وهو تعالى الذى أعطى كل شئ خلقه ثم هدى… فاللَّه تعالى قد هيأ لجميع مخلوقاته أسباب معرفتهم وإدراكهم ليعيشوا في الحياة الدنيا…
ولكن الذين كفروا وقفوا عند هذا الحد من استقبال النور الإلاهى.. أما المؤمنون فقد استزادوا من نور المعرفة باللَّه تعالى… فزادهم اللَّه نوراً لمعرفته هو جَلَّ شأنه.. فأخرجهم اللَّه تعالى من ظلمة الجهل به إلى نور المعرفةالإيمانية…
وتتكرر نفس القوانين الإلاهية مع المؤمنين وأهل الاجتباء… فاللَّه سبحانه يخرِجُهُم من بطن الدنيا، ومن بطن عوالمهم الماديَّة الأرضية ليولدوا في عوالم الملكوت.. فيجعل لهم السمع والأبصار والافئدة التى تناسب قوى العوالم الجديدة.. فيرى.. ويسمع.. ويدرك.. فيعرف ويتعلم ويتعامل مع هذه العوالم…
انظر إلى الحديث القدسى الذى ذكره البخارى عن أبى هريرة وهو حديث صحيح يقول ربُّ العِزَّةِ “ مَنْ عَادَى لِى وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إلىَّ عَبْدى بشيئٍ أحبَّ إلىَّ مِمَّا افترضْتُهُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِى يَتَقَرَّبُ إلىَّ بِالنَّوافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الذِى يَسْمَعُ بِهِ، وبَصَرَهُ الذى يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ التِّى يَبْطِشُ بِهَا، ورجَلَّه التى يَمْشِى بِهَا، وإنْ سَأَلَنِى لأُعْطيَّنَّهُ وإنْ استَعَاذَنِى لأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عنْ شَئٍ أنا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِى عَنْ قَبْضِ نَفْسِ المُؤْمِنْ، يَكْرَهُ المَوْتَ وأنَا أَكْرَهُ مُسَاءََتَهُ ”.
وصدق رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.. وصدق اللَّه العظيم في كل ما يقول ويَعِد.. ومن أصدق من اللَّه تعالى قيلاً….
فمن أحبَّه اللَّه تعالى من عباده.. أكرمهم من فضله… وأمدّهُم بسرِّه وقدرته، وجعل سبحانه هذه القدرات وهذه الأسرار.. في أسماعهم وأبصارهم وأيديهم وأرجلهم…، وزادهم رضاً ومودةً ودلالاً بأن لهم ما يشاءون عند ربهم جَلَّ وعلا….
وما ظنُّك بمن أمَدَّ اللَّه قُواه وعقله وإدراكه بقوَّتِه جَلَّ شأنه وأنوار معرفته!!

من كتاب الاجسان لعبد الله/ صلاح الدين القوصي

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *