الشعر فى الحب الإلاهي


فنفى الله تعالى عن رسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم هذا الاتهام، وبين سبحانه أنَّه قرآنٌ كريمٌ، ليس بالشعرِ… وأنَّ رسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ما ينبغى له أن يقول الشعر، كما أنَّه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أراد له سبحانه أن يكون أمِّيًّا، لا يقرأ ولا يكتب.. فما علمه ربُّهُ القراءة، ولا الكتابة، ولا فن الشعرِ… وما علَّمه إلاَّ من عنده تعالى.. وما أقرأه سبحانه إلاَّ ما شاء له من الآيات والذكر الحكيم….ِ
يقول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم  ” إِنَّ مِنَ البَيَانِ سِحْرًا، وإنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكماً “، رواه أحمد فى مسنده وأبو داوود عن ” إبن عباس “.
ومنذ القدم، والشعراء يتغنون بالحبيب… ويعبرون عما فى قلوبهم من شوقٍ ولهفةٍ بالشعر…
وقد كان الشعراء زمن رسول اللَّهِ صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم يتبارون فى مدحه، والدفاع عن الإسلام، والرَّدِّ على المشركين، وكان رسول اللَّهِ صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم يستمع إليهم، ويدعو الناس إلى استماعِهم، ويكرِّمُهم بالعطايا والهباتِ ويدعو لهم…. وكان يضعُ ” لحسان بن ثابت ” كرسيًا يجلسُ عليهِ فى المسجِدِ، وهو يقولُ شِعره.
وممن أنشد الشعر بين يدى رسول اللَّهِ صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وفى مسجده وفى غيرِ مسجده، ” حَسَّان بن ثابت ” و ” عبداللَّه بن رواحة ” و “كعب بن زهير ” و ” العباس بن عبد المطلب “و “عمرو بن سالم الخزاعى ” و ” فُضَالةُ الليثى ” و ” العبّاس بن كرداس “،  ” كُلَيْبُ بن أسيد الحضرمىّ ” و “مالِكُ بن النمْط “و ” قُرَّة بن هُبَيْرة ” و ” قِيَلَة بنت الحارث ” أخت ” النضر بن الحارث “.
وممن رثا رسول اللَّهِ صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم من الصحابة شعرا بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى – وهم أكثر مِنْ أنْ يُحْصَوا:
” أبو بكرٍ الصديق ” و “عمر بن الخطاب ” و ” عثمان بن عفَّان ” و ” علي بن أبى طالب “، و” السيدة فاطمة الزهراء ” و ” السيدة صفية بنت عبد المطَّلِب ” و “أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلِب “… وانظر إلى سير الصحابة لتعرف المزيد…
وميزة الشعر هى القدرة على التعبير المعجز المقتصر للمعانى العريضة..، وكذلك موسيقاه الداخلية والخارجية وما يحتويه من فنون التعبير من تورية.. واستعارات وكنايات وغيرها. كل هذا فضلاً عن تَقَبُّلِ الناس للشعر والتغَنِّى بِه، مما يؤَثِّرُ فى الإحساس والوجدان والقلب والروح.. ويجعله محبوباً، سريع الانتشار بين الناس..
وقد جرى أهل العشق الإلاهى على هذا النمط.. وانتَحَوا هذا المنحى.. فصارت لهم خزائنهم الشعرية… وثروتهم الروحية…
ويلجأ شعراء هذا الفَنِّ إلى رموز وإشارات متداولة بينهم فى أشعارهم حتى لايدركها إلا أهلها وأصحابها… وجميعهم تقريباً يتحدثون عن “ ليلى ”… وإشراقها.. وحجابها.. وبرقعها.. وخمارها.. وعيونها.. وسهم لحظها… وشرابها.. وكأسها..  ووصلها.. وهجرها….
وهم فى كل هذه العبارات يشيرون إلى الأنوار الإلاهية. والإشراقات العالية.. وحضرات الأسماء والأفعال والصفات والذات.. وما يمُرُّ بهم من حالات الحضور، والغيبة عن الأكوان.. ويصفون إحساسهم ومشاعرهم، خلال كل هذه المراحل… ولايخلو بعض شعرهم من ” شَطْحٍ ” عندما يغلبهم حال من هذه الأحوال، فيستغرقون فيه.. فتضيق بهم أنفسهم  وذواتهم.. فينطلقون بأرواحهم، متحررين من قيودهم… فلا يخلو شعرهم من بعض المبالغة، على قدر ما يشعرون به….
وقد يكون سبب هذه المبالغة والشطح، هو عجزهم عن التعبير الدقيق، لتصوير ما هم فيه، وما يكابدونه ويعانونه…. وجمال الشعر عموما فى صُوَرِهِ وكناياته واستعاراته… فهذا الأمر لايؤخذ عليهم، ممن يستشعر، ما هم فيه…
ولايجوز لنا أن نأخذ شعرهم على ظاهر معناه.. بل كما قلنا إنما هى كنايات واستعارات… ولذلك وقع الكثير فى سوء فهم أشعارهم، وحملها على محمل بعيدٍ كُلَّ البُعْدِ عن مقصد من يقولونه…
والشعر عموما هو مَلَكَةٌ فى النفس المرهفة الحساسة، تليها قدرة على التعبير الموسيقى المنتظم… فليس كُلُّ من قرأَ شِعرًا يستطيع أن ينظِمَهُ، وليس كُلُّ من قرأَ شِعرًا يستطيع أنْ يفهَمَهُ…  فلا يجب أن يكون حكمنا على الشعر حكما عقلانيا محضًا.. بينما هو أصله ومصدره الإحساس والشعور….

أما لماذا يلجأ هؤلاء الشعراء إلى هذه الكنايات والاستعارات بالذات وهى أمثال ” ليلى”.. والخمر.. والكأس.. وغيرها !!
نقول أن كل مُحِبٍ فى الكون مهما كان مستوى حُبِّهِ مادياً أو معنوياً – هو فى الحقيقة ما أحبَّ إلا وجهاً من أوجه خلق اللَّه تعالى.. وفيه أثرُ قدرته وأثر عظمته جَلَّ شأنه…
وكل خلق اللَّه تعالى لايصلون الى الكمال.. ولابد أن يكون فيهم نقص ما… – وان لم يكن فيهم نقص جدلاً – فإنهم فانون.. ترابيون.. والكمال كله للَّه تعالى… وما كَمُلَ منْ خلقه إلا محمدٌ صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ….
وقد جرى عُرْفُ الناس وقانون الطبيعة البشرية، على أن يكون بين الرجل والمرأة جذبة طبيعية، واحتياجٌ شديدٌ، يتم بهما لقاؤهما.. ولو لم يتم هذا الالتقاء لانتهت الحياة البشرية.. وفنى الجنس البشرى كله…
فهذه العلاقة هى أصل الحياة على الأرض… وفيها الأخذ والعطاء.. وفيها السالب والموجب.. وفيها الفعل والانفعال.. وفيها التكامل والتوازن…. فالشاعر عندما يلجأ إلى الرمز بليلى وغيرها.. فما هذا إلا تعبير منه عن شوقه وانفعاله.. وسكنه… وأنسه.. وغير ذلك مما يجرى على ألسنة المحبِّين…
وكذلك ما يكون فى المرأة من جمال.. ودلال.. وحجاب.. ونقاب وغيرهم، يساعد الشاعر على استعارة هذه المسميات لِمَا يمرُّ به من حَجْبٍ ومَحَبَّةٍ وغيرهما.
ولو سمعنا شاعراً رجُلاً يَتَغَزَّلُ فى رجلٍ مثلِهِ لاستهجناه، وعِبْنا عليه شعره !!!
وكذلك شعر الشعراء عن الخمر والكأس والشراب….
فالخمر يصل بالشارب إلى السكر.. والنشوة.. وينسى ما هو فيه من أحواله… وما يعانيه فى واقعه… فالخمر يذهب العقل.. ويطيش بالفؤاد…
وما علم الشعراء مُسْكِراً آخرَ غير الخمر يفعل بهم هذا… وهم ما أرادوا من تشبيهاتهم هذه، إلا أن يوصلوا للقارئ والسامع مدى نشوتهم.. وغيبتهم بالأنوار عما هم فيه من واقعهم… وهم ما شربوا الخمر ولامدحوها كما يفهم بعض الناس….
وهذا ليس دفاعاً عنهم.. ولكنه فهمٌ وإدراك لما قصدوه.. وهم ما مدحوا إمرأة.. ولاشكروا فى الخمر المعروف… إِنَّمَا هو خيال الشعراء وإحساسهم…. وأسلوب تعبيرِهِم رمزاً وكنايةً لا غير….
وعلى العموم لَوْ خَلا شعرهم من هذه المشبهات لكان أفضل لهم.. بدلا من تحمُّلِهِم لغمز الغامزين.. وقدح القادحين…

ونختتم كلامنا بشعر “ لبيد ” وبيت الشعر الذى كان يتمثل به رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم كثيراً ويقول أنَّهُ أصدق ما قاله الشعراء.. ألا وهو:

أَلا كُلُّ شَيْئٍ مَا خَلا اللَّهُ بَاطِلُ *** وَكُلُّ نَعِيمٍ لا مَحَالَةَ زَائِلُ

 

 

فسبحان من حياة كُلِّ شيئٍ بتسبيحه… ودوامُ كُلِّ حَىٍّ بِتَقْدِيسِهِ سبحانه وتعالى لانحصى ثناء عليه… وله الحمد فى الأولى والآخرة والحمد للَّه رب العالمين
وبعْد…
فقد عَرَجْنَا فى ملكوتِ السموات والأرض.. وسَمَوْنا عن عوالم الحُجُبِ… وسَبَحْنَا فى بُحُورِ التوحيد… وتعرَّضْنَا لِنَفَحاتِ اللَّهِ تعالى وأنواره… وخُضْنَا فى عوالم أسمائِه وصِفَاتِهِ… وطُفْنَا حَوْلَ أنوار ِرسولِ اللَّه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم… محاولين جاهدين أن يكون لنا شرف الانتهال من هذا المعين الذى لاينضب… عسى أن يكون لقارئه دليلا له إلى ربِّهِ.. وعسى أن يكون لقارئه خيرًا مما كان لكاتبه…
ويعلم اللَّهُ أنَّنَا ما قصدنا إلا وجه اللَّه تعالى فيما كتبنا.. ولولا الأمر ما سَطَرْنَا منه حَرْفًا.. واللَّهُ على ما أَقُولُ وكيلٌ… ووقفنا على أبواب الكريم.. بلا علمٍ ولاعملٍ ولا حولٍ ولا قوةٍ… وِقفةَ الحائر.. الفقير.. العاجز.. المستجير.. اللاجئ إلى اللَّه باللَّه.. العائذ باللَّه من اللَّه…المستشفع إلى اللَّه بحبيب اللَّه “محمد ” صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أشرف خلق اللَّه.. وأكرمهم على اللَّه….
راجيا عفو اللَّه عن ذنوبٍ نعلمها ولانعلمها.. مِنْ فعلٍ، أو قولٍ أو نيَّةٍ لاتُرْضِى اللَّه…
تائباً إليه سبحانه.. عن كل ما سواه….
نادمًا مستغفراً عن كل لحظة شُغِلْنَا عنه بغيره جَلَّ شأنه…. ومستجيرًا به سبحانه عن كل قاطعٍ عنه سواه…
معترفًا مُقِرًّا له سبحانه وتعالى بجهلى وتقصيرى وعجزى وظلمى وغفلتى…
غير يائس من رحمته التى وسعت كل شئ… وغير قانط من فضله الذى غمر كل شيئ…
قصدتُ وجهك العظيم… ورجوت فضلك العميم.. بِحَقِّ صفاتك العظمى… وحَقِّ أسمائك الحسنى.. وحَقِّ طُهْرِ قُدْسِكَ الأَقْدَس.. ونور نبيك الأعظم..
أن تجذبنى إليك جذبةً لا أفيق منها حتى ألقاك.. وأن تُمِدَّنِى بأنوار ذاتك القدسية وأنوار حبيبك النبوية.. تنير بها ذاتى ونفس وروحى.. وأنْ تجعلنى نورا بين خلقك وعند موتى.. وفى قبرى.. وعند حشرى.. وفى معِيَّتِكَ ومَعِيَّةِ رسولك عليه الصلاة والسلام، وألاَّ تحجبنى عن مقام كرَّمتَهُ فيه.. وأنعمت عليه به..
يا أعظم من سُئِلَ.. ويا أكرم من أجاب..
ولك الحمد فى الأولى والآخرة.. ولك الحكم وإليك يرجع الأمر كله.. وإليك المنتهى ولاحول ولاقوة إلاَّ بك..
وأشهد ألا إله إلا اللَّه وأن محمدا رسول اللَّه و الحمد للَّه رب العالمين.

مقتطفات من كتاب الإحسان لعبد الله خادم الطريق صلاح الدين القوصي

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *