لماذا لم يظهر الحب الإلاهى مع الصحابة و التابعين ولماذا لم يتحدثوا به


وانظر كيف كانوا يتدافعون، لينالوا من بركته عليه الصلاة والسلام، ومن آثاره وآثار جسده الشريفة، من شعيرات أو قُلامَةِ ظُفْرٍ أو قطعةٍ من ثوبٍ أو غيرها…
وكيف كانوا يلجأون إليه عليه الصلاة والسلام، فى كل شئونهم، لجوء الإبن إلى أبيه.. والمُحِبِّ إلى حبيبه، شوقًا ولهفة واعظاماً وإكباراً…. فى حياته وبعد انتقاله للرفيق الأعلى….
وانظر إلى ما ذكره المؤرخون وأصحاب السِيَرِ عن الصحابة والتابعين، وكيف كان حبهم لرسول اللَّه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ومنها على سبيل المثال لا الحصر:
يقول ” السمهودى ” فى وَفَا الوَفَا ” لَمَّا قَدِم ” بلال ” رضى اللَّه عنه، من الشام، لزيارة رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أتى القبر الشريف، فجعل يبكى عنده ويمرغ وجهه عليه “…
ويذكر “ابن عساكر” فى تحفته ” قال علي إبن أبي طالب: لمَّا رُمِسَ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم جاءت فاطمة رضي اللَّه عنها فوقفت على قبره صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وأخذت قبضة من تراب القبر، ووضعت على عينها وبكت “…
ويذكر الحافظ ” الزبيدى ” فى شرح الإحياء (الجزء العاشر)، أنَّ السيدة عائشة رضى اللَّه تعالى عنها، عندما حضرتها الوفاة، دعت بخرقة من قميص رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وقالت ” ضعوا هذه على صدري، وادفنوها معي، لعلى أنجو بها من عذاب القبر”….
وذُكِر فى كتاب كشف الأستار عن زوائد البزَّار (الجزء الأول) أن ” أنس بن مالك ” رضي اللَّه عنه، كانت عنده عُصَيَّةٌ لرسول اللَّه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فلما مات، دفنت عصاه بين جيبه وقميصه….
وذكر الحافظ الزبيدى فى ” الإتحاف ” (الجزء العاشر) بأنَّ ” معاوية بن أبى سفيان ” كان يختفظ فى خزانته بقميص لرسول اللَّه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وقُرَاضَةٍ من شعره وأظفاره، فأمر عند وفاته بأن يجعلوا كُلَّ هذا فى كفنه، وعلى جسده مباشرة….
ويذكر “ابن كثير” فى البداية والنهاية (الجزء العاشر) أن الإمام “أحمد بن حنبل” كان يحتفظ بشعيرات لرسول اللَّه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم مصرورة فى ثوبه…
ويذكر الذهبىّ فى كتاب السير (الجزء الحادى عشر). قول ” عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل”: رأيت أبى يأخذ شعرة من شعر النبى صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فيضعها على فِيهِ ويُقَبِّلُهَا، ويضعها على عينيه، ويغمسها فى الماء ويشربه ويستشفى به…
وقد قال ” ابن تيمية ” فى كتابه ” اقتضاء الصراط المستقيم ” ما نَصُّهُ: فقد رَخَّصَ أحمد بن حنبل، وغيره فى التمَسُّحِ بالمنبر، والرمانة التى هى موضع مقعد النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ويده.
وراجع كتاب ” المقالات السنيَّةِ ” للحافظ المعاصر ” عبد اللَّه الهرَرِى”، وكذلك مؤلفات الحافظ المعاصر ” الغُمَارى المَغْرِبِى “، وكذلك أمهات الكتب والمراجع التى صدرت فى القرون الهجرية الأوائل بعد القرن الثالث….
وذكَرَ “ ابن كثير ” فى موسوعته البداية والنهاية -الجزء السابع- ما رواه البيهقى بإسنادٍ صحيح قال: ” أصاب الناس قحطٌ فى زمان عمر بن الخطّابِ، فجاء رجلٌ إلى قبر رسول اللَّهِ صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فقال يا رسول اللَّه استسق لأُمَّتِكَ فإِنَّهُم قد هلكوا “، فرأى الرجلُ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فى المنام وقال له ” أقرئ عمر السلام وأخبره أنَّهم يسقون، وقل له عليك الكَيْس الكَيْس ” فأتى الرجُلُ ” عمر ” فأخبره فبكى ” عمر ” وقال: ” ياربّ ما ءالوا إلا ما عَجَزْتُ ” وهذا الصحابى هو ” بلال بن الحارث المزنى “
وقد ذكر مثله فى ” فتح البارى – الجزء الثانى “وقد رواه ” ابن أبى شيبة ” عن ” أبي صالح السمَّان ” عن ” مالك البزار ” خازن ” عمر بن الخطّاب “.
وقد ذكَر القِصَّة ” سيف بن عمر ” عن ” سهل بن يوسف السلمي ” عن ” عبد الرحمن بن كعب بن مالك “، وزاد عليها أن ذلك كان عام الرمادة، فى أواخر عام 17 هـ، وبداية
عام 18 هـ، وأنَّ “بلال بن الحارث المزنى ” قال لعمر بن الخطاب ” أنا رسولُ رسولِ اللهِ إليكَ، يقول لك رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ” لقد عهدتك كيِّسا، وما زلت على ذلك، فما شأنُك ” فدعا عمر إلى صلاة الاستسقاء… واستغاث بالأمصار للعون بالمؤونة…
وذكر ” الحافظ بن الجوزى” فى كتاب” الوفا بأحوالِ المصطفى “.. عن ” أبى بكر المِنَقِّري ” الرواية التالية، وكذلك ذكرها الحافظ “الضياء المقدِسى”:
قال المِنَقّري: كنت أنا والطبرانىّ وأبو الشيخ فى حرمِ رسول ا للَّهِ صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وكنّا على حالةٍ، فأثَّر فينا الجوع، وواصلنا فما أكلنا، فلما كان وقت العشاءِ حضرتُ قبر النبىِّ صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فقلتُ: يا رسول اللهِ.. الجوع.. الجوع.. وانصرفت.. والطبراني جالسٌ ينظُرُ فى شيئ.. فحضرَ عَلَويٌّ، ومعه غلامان، ومع كُلِّ غُلامٍ زنبيلٌ فيه طعام.. فجلس وأكلنا.. وترك ما تبقى منّا… فلمَّا فرغنا قال العَلَويُّ ” ياقوم أشكوتم إلى رسول ا للَّهِ صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم؟؟ فإني رأيت رسول اللَّهِ صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم فى المنامِ، فأمرنى أن أَحمِلَ بشئٍ إليكُم”..
فهل تدلُّ كل هذه الروايات وأمثالها إلا َّعلى شِدَّةِ الحُبِّ لرسول اللَّه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وشِدَّةِ الحُبِّ للَّه تعالى !!!
فكل هذه الوقائع وغيرها صدرت منهم من باب الحُبِّ والمحبَّةِ.. وليست من باب الأمر والنهى.. ولامن باب العبادة وانتظار الجزاء…

أما لماذا لم يتحدث الصحابة والتابعون عن هذا الحب الإلاهى.. وهو الشِقُّ الثاني من السؤال.. فالجواب عنه..
أنهم كلهم كانوا كذلك.. فمع من يتحدثون.!! ولمن يشرحون !!! وكلهم أصحاب حب ومذاق ورؤية وإحسان !!!..
ولم يكن فى ذلك الزمان مجالس متخصصة فى تفسير القرآن.. وأخرى فى الفقه.. وغيره.. بل كان همهم ذكر اللَّه تعالى.. ومجالس علم يتذاكرون فيها حديث رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ويجمعون الحديث.. ويدَوِّنُونَه ويوثِّقُونَهُ ويستنبطون الأحكام، ويجيبون كل سائلٍ عن مسأَلَتِه.. وجُلُّ الصحابةِ قد انتشروا فى الأمصار يجاهدون فى سبيل اللَّه…
وما ظهر تنوع المدارس والمجالس، إلا َّ بعد أنْ صَنَّفَ ” أبو حنيفة ” والإمام “مالك ” رضي اللَّه عنهما، أسس علم الفِقْه.. وكان ذلك فى أواخر القرن الثانى الهجرى..، وتبعهما ” الشافعي” و “ابن حنبل” وغيرهم… وبدأت مصنفات الحديث النبوي تظهر كذلك…. وبدأ تنوّع المجالس مع بداية القرن الثالث… ومن أوائل من تكلم فى هذا الفن.. الإمام الحكيم “الترمذى” رضي اللَّه عنه.. وكذلك ” أبو طالب المكىّ “

مقتطفات من كتاب الإحسان لعبد الله خادم الطريق صلاح الدين القوصي

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *