الحب الإلهي


وَرَدَ الحُبُّ الإِلهى فى القرآن الكريم على صورتين…
الأولى: حُبُّ اللَّه لعباده…
والثانية: حُبُّ العباد للَّه تعالى…
ومن الآيات الدالَّة على حُبِّ اللَّه لِعِبَادِهِ:
(إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ).
(إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ)
(فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ)
(إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)
(إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)
(وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ)
ومن الآيات الدالة عدم حب اللَّه لبعض عبيده وأفعالهم:
(وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ)
(إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)
(وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ)
(وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ)
(إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً)
(إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)
(إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ)
ومن الآيات الدالة على حب العباد للَّه تعالى:
(قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ)
(وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ)
(فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ)
وقال صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: ” لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ والنَّاسِ أَجْمَعِين ” وهو صحيح، رواه البخارى ومسلم والنسائى وابن ماجة عن ” أنس “.

والحُبُّ هو الميل الطبيعى من المحِبِّ إلى المحبوب، والأئتناس به…، بحيث لايجد سعادته وراحته إلاَّ بمعرفةٍ.. أو وصل.. أو امتلاك للمحبوب…
الحب يلزمه مُحِبٌّ ومحبوب.. فالمُحِبُّ بدون المحبوب..  ناقصٌ.. مغتربٌ.. وحيدٌ…
والحب مكانه القلب كما نعلم… والقلب محل التقاء النفس بالروح.. لذلك يأتى الحب على أنواع:
– حُبٌّ نفسىٌّ مادىٌّ أو معنوىٌّ…
– حُبٌّ قلبىٌّ نفسى…
– حُبٌّ قلبىٌّ روحىّ…
– والأول حُبُّ نفسىٌّ مادىٌّ أو معنوى… مثاله الحُبُّ بين العوامِّ… فالنفس تميل إلى قضاء شهوتها ولذتها.. ووسيلتها فى ذلك الجسد… فتتعلق النفس بالمحبوبِ، حيث تقضى حاجتها منه، وتنال بذلك سعادتها… وكذلك تتعلق النفس بما يرفع شأنها بين الناس، فتحب الرياسة والجاه والسلطان والمال والعلم أيضا.. وبهذا تنال شرف الرياسة بين الخلق…
– والثانى: حُبٌّ قلبىٌّ نَفْسىٌّ، اختلطت فيه بعض أنوار الروح بالنفس فاعتدلت الأخيرة.. وتعلَّقَتْ بالمحبوب من باب الأنس، والتآلف، والمماثلة، والتجانس، وصارت سعادتها فى التشبُّهِ والتخلُّقِ بأخلاقِ وصفات المحبوب والأنس به..
– والثالث: حُبٌّ قلبىٌّ روحىٌّ، طَغَتْ فيه أنوار الروح على القلب.. فصار هَمُّهُ وهمُّهَا الرىَّ والسُقيا وزيادة الأنوار والتجليات عليهما…

والحُبُّ لايكون لمجهول تماماً.. بل لابد من نظر أو سماع بداية.. فيتكونُ فى الخيال صورةٌ لما رأى أو سمع… وتَدْفَعُهُ هذه الصورة المتخيَّلة إلى استجلاء الحقيقة فيما سمع أو رأى.. وبذلك يحدث التعلُّقُ.. والشوق… فاذا اقترب منه المحبوب، فوجده كما كان يتصور فى خياله، ازداد له حباً… وكان الوصل له شفاءً وسعادة… فينشأ فيه بعد ذلك الاشتياق…

إذاً فالحب ميلٌ وطلبٌ لشئٍ ليس بالمعلوم كليةً ولا بالمجهول كليةً…
ويليه الشوق إلى المحبوب للارتواء منه والراحة والسعادة معه.. وهو منه بعيد….
وَيَلِيهِ الوصل بالمحبوب لتمام سعادته.
وَيَلِيهِ الاشتياق للمحبوب.. ويكون فى حالة القرب، وبعد الوصال…
والعشق هو شدة الحب… والوَلَهُ هو شِدَّةُ العِشقِ..
ومن كان الوَصْلُ له دواءً وشِفَاءً.. فإنَّ هذا لِنَقْصٍ فيه أو فى محبوبه… فان المحب الصادق لايشبع.. ولايزيده الوصل إلا اشتياقًا وحُبا… فهو لا محالةَ مقتولٌ بين البُعْدِ والهَجْرِ بِشَوْقِهِ.. وبين القُرْبِ  و الوَصْلِ باشتياقه…

– لذلك نحن نقول لمن يقول أنه شرب كأساً من الحب فاطفأت ظمأه وسعد بها وارتوى واكتفى… يا مسكين.. ما عرفت الحب ولا المحبين… فواللَّه لوشرب المحب بحاراً تلتها بحارً من المحبوب.. ما ارتوى.. ولا اكتفى… فإذا تكلمنا عن الحب الإلهى وتعلُّقِ الروح به سُبْحَانَهُ.. فماذا نقول.. !!!

لقد ضرب اللَّهُ لنا فى حياتنا أمثلةً لكل شهوةٍ ولذة ترتوى بها النفس وتسعد بها.. والدنيا ترابية فانية.. ناقصة لا أمان لها ولا فيها.. ولكن اللَّه تعالى يقرب إلينا المعانى العلويَّة السامية حتى ندركها بأرواحنا العالية… راحة النفس فى الدنيا.. بالأمن والأمان… واللَّه تعالى هو المؤمن.. السلام…
وسعادة النفس فى الدنيا.. بدوامها بالشراب والطعام… وفى الجنة طعام وشراب… وسعادتها فى الدنيا.. بالزواج والنكَاحِ.. فجعل الحُورَ العين فى الجنة…. وسعادتها فى تمام صحتها وأُنسها.. وجعل نعيم الآخرة ليس فيهِ نصبٌ ولا لُغُوب… وراحتها فى حب الامتلاكِ والغنى.. فأغناها اللَّه فى الجنة ومَلَّكَهَا من نعيمه…
فكل شهوة لها فى الدنيا… وعدها اللَّه بمثلها فى الآخرة…. وكل ما تكرهه فى الدنيا… أمَّنَهَا اللَّه منه فى الآخرة…

ولكن ما أبعد الفرق بين سعادة النفس فى الدنيا الفانية الزائلة.. وبين سعادتها فى الآخرة.. وبما وعدها اللَّه به، من نعيم مقيم من أنوار اللَّه تعالى الدائمة العليَّةِ…. فنحن إذا تكلمنا عن الحُبِّ للأنْفُسِ.. وكان هذا الحُبُّ لمخلوقٍ أيًّا كان… وهو ترابىٌّ فانٍ.. ما بين زوجةٍ.. أو ولدٍ.. أو أى حُبٍّ دُنيوىٍّ… وما يجده المحب من لوعة وشوق يعذِّبُهُ ويضنيه، وبين وَصْلٍ يُسْعِدُهُ.. ورضاً من المحبوب يرضيه وينعِّمُهُ.. ولكِنَّهُ فى النِّهَايَةِ حُبٌّ ليس بالدائم.. ووصلٌّ ليس بالمُطْمَئَنِّ إليْهِ.. ومحبوبٌ فانٍ مآلهُ إلى تراب.

فكيف إذا تعلقت النفس والقلب بالجمالِ كُلِّهِ.. والكمالِ كُلِّهِ.. والطُهْرِ كُلِّه والعظمة كلِّهَا.. والأزلية المطلقة.. والأمن والأنس الدائم.. والسلام الذى ليس بعده خوف ولانصب !!!
يقول تعالى: (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)
فاللَّه سبحانه وتعالى ضرب لك مثلا لحبك وسعادتك بما وبمن تحب فى الدنيا، ولكنه يرفعك من الترابية الفانية.. إلى الأنوار القدسية الخالدة الخالية من كل عيب.. الكاملة فى صفاتها وسعادتها…
وهذا التعلق للأرواح بربِّها وحبها له، قد نشأ منذ أن خلقها اللَّه تعالى وخاطبها ” ألست بربكم ” يوم العهد والميثاق الأول…
واللَّه سبحانه وتعالى كلامه منَزَّهٌ عن الصوت والحرف والكلمة بمفهومنا.. فالكيفية مجهولة، ونحن نسلم بها إيماناً وتصديقاً…
ولكنَّ اللَّه تعالى الجميل.. خالق النعيم.. ورب النعم.. فيه الجمال كله والجلال كله.. والكمال كله.. فاهتزت الأرواح طَرَبا وسعادة بهذا النداء العلوى المقدس.. فبدأ عندها الحب والشوق، وتمنى الوصال والسقيا من هذه الأنوار القدسية والجمال الأبدى….
ثم كانت الحجب فى البرزخ.. وفى الأرض.. فصارت الأرواح أشد شوقاً ومحبة للَّه تعالى… وعلمت النفس معنى الحُبِّ والأُنس والسعادة…
ولكن النفس لها وجه إلى الروح أو القلب.. ولها وجه إلى الجسد الترابىّ.. فجعلت النفس تبحثُ عن سعادتها.. ووسيلتها فى ذلك الجسد… وتفكيرها محصور فى عالم المادَّة، التى تعيش فيها… فبدأت تُمَارِسُ ألوانا من الحُبِّ بحواسِّ الجسدِ ومشاعره، لِمَا ومَنْ حوله من الكائنات..
ولكنها فى النهاية سوف تَجِدُ أَنَّ حُبَّهَا للدنيا وما فيها هو كالسراب.. وما فيه من حقيقة ولا خلود…
فإذا ارتفعت النفس بأنوار الروح، ومالت عن عالم الجسد.. بدأت تبحث عن سعادتها بالأنس والائتلاف بالأرواح الأخرى المتشابهة معها… وظهر نوع من الحب أسمى من الأول، لخروجه من عالم المادة…
فإذا ما كشفت الروح عن بعض حُجُبِهَا.. وصُقِلَت النفس  بأنوارها.. علمت النفس حقيقةً أنَّهُ لامحبوب يستحق المحبة.. وتجد به سعادتها وسلامها وأمنها.. إلا اللَّه تعالى.. الجمال والجلال والكمال المطلق.. وجَلَّ جلال اللَّه، وعز جاهُهُ، وتقدست أسماؤه وصفاته….

وللحب الإلاهى درجتان.. كما أن للعبودية درجتان….
فالعبودية إما أن تكون ” عبودية افتقار ” وهى التى تكون بين الخوف والرجاء.. وإما أن تكون ” عبودية اختيار “.. وهى التى تكون لعظمة اللَّه تعالى وتقديسه ومَحَبَّتِهِ..

وكذلك الحُبُّ للَّه تعالى…. فإما أن يكون حباً للَّه تعالى… لِما يتفضل اللَّه به تعالى على عباده مِن نعمٍ وأفضال
وإما أن يكون حُبا لجميلِ صفاتِهِ.. وطُهْرِ قدسه.. وعظيم كمالِهِ…. والفرق بينهما واضح… فان الأول معلول.. وللنفس فيه نصيبٌ وطلبٌ… أَمَّا الثانى فهو حب تنزيه للروح وبالروح.
والأول للعموم.. والثانى للخصوص النادر… والنادر لاحكم له.. ولايقدر عليه كل البشر..
ولذلك يخاطب رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم عموم المسلمين والمؤمنين ويعلمهم حب اللَّه وحب رسوله، بقوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ” أَحِبُّوا اللَّه تَعَالى لِمَا يَغْذُوكُمْ بِهِ مِنَ نِعْمَةٍ، وَأَحِبُّونِى لِحُبِّ اللَّه، وأَحِبُّوا أَهْلَ بَيْتِى لِحُبِّى ” وهو صحيح، رواه الترمذى والحاكم فى مستدركه عن ” ابن عباس “.
فرسول اللَّه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم يُذَكِّرُ النَّاسَ بأفضال اللَّه عَلَيْهِم.. ونِعَمِهِ عَلَيْهِم ظاهرةً وباطنةً.. ويدعوهم إلى محبة اللَّه تعالى صاحب الفضل والمِنةِ عليهم…، تَمَاما كَما يدعوهم إلى العمل الصالح، والترغيب فيه بحسن الجزاء من اللَّه تعالى، ويخوِّفهم بعذابه وعقابه..، وهذا حال عموم الخلق… يرجون ويرهبون… ويتاجِرون وينتظرون المكسب والربح… فحببهم اللَّه تعالى إلى ذلك.. وبشرهم بأنها تجارة لاتبور أبداً…
أما الحب الخالص للَّه تعالى.. ولكماله ولجماله ولعظمته.. فذلك تجده مُغَلَّفا بالإِشارةِ إليْهِ، لايدْرِكُهُ إلاَّ من شاء اللَّهُ تعالى لهُ أن يلتقط هذا المعنى السامى والإحساس العالى…
يقول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ” إنَّ اللَّه جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمَال ” وهو صحيح رواه مسلم والترمذى عن ” ابن مسعود “، والطبرانى عن ” أبى امامة “، والحاكم عن ” ابن عمر ” وغيرهم..
وَمَنْ مِنَ الخَلْقِ لا يُحِبُّ الجمال !! ومن منهم لا يُحِبُّ الكمال!!

 

 

ومن خواص المحبين:

أن يعللوا أفعال محبوبهم بأحسن تعليل… ويقبلون منه كل ما يقول ويفعل.. فهو عن محبوبه راضٍ دائماً.. وفى شوق إليه مستمر.. وللَّه سبحانه المثل الأعلى.. فمن أحب اللَّه تعالى، رَضِىَ بِكُلِّ قضائه وقدره… لا استسلاماً لقضائه وحكمه.. بل رضًا ومحبةً.. وما رأى فى قضاء اللَّه تعالى إلاَّ الجمال والكمال.. فكان من العبد الشكر والرضا بأفعال ربِّهِ…. يقول تعالى: (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) ويقول: (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ)

ومَنْ أحبَّ اللَّه تعالى.. أحبَّ عِباده.. وأحبَّ خلْقَهُ.. وأحبَّ كُلَّ شيئٍ يُذَكِّرُهُ بِمَحْبُوبِه.. هُوَ يُحِبُّ ذِكْرَ اللَّه تَعَالَى.. ويُحِبُّ كُلَّ مَنْ أَحَبَّ اللَّه تعالى من الصالحين وعباد اللَّه… وكل ما فى الكون يذكره بِمَحْبُوبِهِ.. وَبِعَظَمَتِهِ.. وصِفَاتِهِ.. لذلكَ تَراهُ مُنْفَعِلاً بِالكون وبِالمَخْلُوقَات.. ويرى فيهم أَثَرَ مَحْبُوبِه، وقدرته، ولطفه، وصفاته العلية كلها…. ويحق عليه قول ربنا: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) أى ترى أثراً لِقُدْرةِ اللَّه.. ورحمةِ اللَّه.. ولطفِ اللَّه.. وصفات اللَّه جمعاء…
فإذا رأيت الآثار.. فكأنك أدْرَكْتَ الصِّفَات.. وإذا عشت فى الصِّفَاتِ.. فأنت فى حضرتها.. وكذلك حضرةِ صاحبها جَلَّ وعَلا…
– والآية الكريمة التى ذكرناها: (فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ).. فيها صنفان من أهل المحبة الإلاهية…
الأول: مُحِبٌّ للَّه تعالى…
الثانى: محبوب عند اللَّه جَلَّ شأنه…
والأول: صاحب جهدٍ.. وسعىٍ.. وتَقَرُّبٍ.. وانتظارٍ وَتَرَقُّبٍ…
والثانى: صاحب رضا.. وإشراق… وإنعام سنىي عليه من اللَّه سبحانه… فإنْ صار العبد ممن يحبهم ويحبونه.. فذلك من درجات الكمال….

وقد سبق ذكر الحديث القدسى أنَّ اللَّهَ تعالى إذا أحب عبداً صار يده التى يبطش بها.. ورجله التى يمشى بها… الى آخر هذا الحديث…
وهذا معناه أنَّ اللَّه تعالى يُلْقِى على من يحبه من الخلق بعض صفاته العلية، على قدر ما يطيق هذا العبد… فَيتخَلَّقُ بصفات سيده التى هى للتخَلُّقِ.. ويزدادا حبا وتقديسًا لِصِفاتِ سيده التى هى للتعلُّق… وصارت له عند اللَّه كرامة وإكراما.. فاذا سأل اللَّه تعالى.. أعطاه من فضله.. وقضى حاجته…

وعلى الجانب الآخر فان العبد إذا وصل الى هذه المرتبة السنِيَّة.. فإِنَّهُ يستحى من اللَّه تعالى حقَّ الحياءِ.. ويغلبه أدبه على حاله وحاجته.. فلا يطلب من اللَّه، إلاَّ ما يرضى اللَّه. ولا يسأل اللَّه الأشياءَ، إلاَّ إذا عرف أنَّهُ مأذونٌ لهُ بالسؤال، ويحقق قوله تعالى: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ).. فمشيئة العبد حينذاك هى تحت مشيئة اللَّهِ تعالى.. وبتوجيه اللَّهِ تعالى له…
ولاتقل لى كيف… فنحن نتحدث عن أهل الدرجات العليا عند اللَّه تعالى.. أهل الإحسان وأهل الرؤيا.. وأهل السكينة.. وأهل التأييد…
يقول رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم: ” مَنْ أَحَبَّ لِلَّهِ، وَأَبْغَضَ للَّهِ، وأَعْطَى للَّهِ، وَمَنَعَ للَّهِ، فَقَدْ اسْتَكْمَلَ الإِيمَانَ ” وهو صحيحٌ، رواه أبو داوود والضياء عن ” أبى أمامة “…
ومن استكمل الإيمان فقد أتقنه وأحسنه.. ودخل فى مقام الإِحسان.. ومقام القُرْبَةِ إِلى اللَّهِ جَلَّ شأنه.. الذين يقول اللَّهُ فيهم : (لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ)

ونعود إلى حديثنا فنقول:
إن المحبوب عند اللَّه تعالى وعند رسوله.. لايعلم أنَّهُ محبوب.. اللَّهمَّ إلاَّ إذا بُشِّرَ بذلك… فمَنْ بَشَّرَهُ اللَّهُ ورسوله بهذا المقام.. فليس له أن ينكره… ومنْ لمْ تَصِلْهُ البُشْرَى.. فليس له أن يتطلع الى هذه المرتبة…. ولنا فى صحابة رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم الأسوة والقدوة… فلا شك أنهم خيار خلق اللَّه تعالى، وخير القرون… ومنْ بَشَّرَهُم رسول اللَّهِ صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم بأنهم من أهل الجنة، فقد سُعِدُوا وفازوا.. وليس لهم أن يردوا هذه البُشْرَى، بدعوى التواضع أو إنكار الذات.. أو الخوف من اللَّه تعالى.. فهذه عَطِيَّةٌ وهَدِيَّةٌ من المَلِكِ.. وليس من الأَدَبِ رَدُّهَا…. ومن لم يبشر بها.. فليس له أن يدّعيها.. وَحُقَّ له أن يتطلع إليها…
وأما قول سيدنا ” أبى بكر الصديق ” رضي اللَّه عنه: “لو أن إحدى قدمىَّ داخل الجنة، والأخرى خارجها ما أمنت مكر اللَّه ” فهذا قول – إنْ صحَّ عن ” أبى بكر الصديق ” – فلا يحمل أبدا على معنى المكر، الذى يفهمه الناس.. فاللَّهُ تعالى ليس “بماكر”.. فإن المكر من الصفات الذميمة.. وحاشى للَّهِ تعالى أن تُنْسَبَ إِلَيْهِ… ولكنَّ المكر الذى نَسَبَهُ اللَّهُ تعالى إلى نفسه فى القرآن الكريم، هو غير المعنى الذى نفهمه وإِنَّمَا يمكُرُ العبيد بأنفسهم.. (وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ).. كما قال القرآن الكريم.. وذلك قريب من قوله تعالى: (إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً)، فما كاد الكفار إلاَّ لأنفسهم وهم لا يشعرون.. وما كان كيد اللَّه تعالى، إلاَّ عين كيدهم لأنفسهم بجهالتهم وكفرهم…
هذا عن المحبوب عند اللَّهِ تعالى… أمَّا المُحِبُّ للَّهِ تعالى، فقد يعلم ويشعرُ بِحُبِّهِ للَّهِ تعالى ولِرَسُولِهِ… إذا عرف كيف لايُخْسِرُ الميزان…
ومقصودنا بالميزانِ هنا.. هو ألا يخلط بين قيامه للَّه تعالى بما يجب، وبين ميل قلبه وروحه وذاته للَّهِ ولرسوله.. صحيحٌ أنَّ فى كِلا الأمرين خير.. ولكنْ لِكُلٍّ منهما أدبٌ وحالٌ مع اللَّه تعالى….
ولكننا نتساءل وماذا يفيده أن يعرف أولا يعرف !!! إنما هو خاضع للَّه سبحانه فى كل أحواله.. وراضٍ بكُلِّ تجليات مولاه عليه.. فيُقيمُه حيث يُقيمه…
– وحقيقة الحُبِّ أنَّهُ هَدِيَّةٌ مِنَ اللَّهِ تعالى للعبد.. فهو فى الحقيقة لايستطيع أن يصنعه أو يقصده، فيحقِّقَهُ لنفسه وذاته… بل هو واقفٌ مع ربِّهِ فى مقام العُبُودِيَّة.. مستشرفٌ لأنواره وتجليَّاته وصدقاته وإحسانه.. مفتقراً.. خاضعاً راضياً…
والمولى جَلَّ وعلا يقول: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ).. فَمَنْ جَاءَ إِلى اللَّهِ تَعَالَى بنفسه وما فيها من هوىً واختيار… فما وقف موقف الفقراء ولا المحتاجين ولا المساكين…،
ومن جاءه جَلَّ وعلا بعمله وحسناته معتمدًا عليها.. فقد مَنَّ على اللَّه بعمله وبِرِّهِ.. وهذا منه سبحانه حقا ويقيناً… وما جاءه مفتقراً….
أما من جاءَ هُ سبحانه قاصداً وجْهَهُ.. منتظراً عطاياه وهداياه وفضله ورحمته بتسليم مطلق.. ورضا كامل، مُسَبِّحا.. مُقَدِّساً عظيم صفاته.. متعلقاً بها.. دائراً فى كمالها…. فقد عَرَّضَ نفسه للنفحات.. ولخزائن الملك الوهاب…
والمحب دائما ذاكرٌ لحبيبه.. يشعر به فى غيابه.. فما بالك إذا كان المحبوب لا يغيب.. وحضراته لاتنقضى… وصفاته تملأ الأكوان !!!
والمحب غيورٌ.. يغارُ على من يحب.. فلايسمح لمن لايعرفه حق المعرفة أن يتحدث عنه.. فقد يصدر فى حديثه نقصٌ لايليق بمحبوبه.. أو لايستطيع أن يوفيه حقَّهُ من الإجلال والتعظيم…
لذلك فالمحب يغار على حبيبه مِمَّنْ جَهِلُوهُ.. ويغارُ عليه كذلك مِمَّنْ يُحِبُّونَه.. أمَّا إن كان حبهم لحبيبه كحُبِّهِ هو له.. حينذاك يَأْتَنِسُ بهم.. ويميل إِلَيْهِم… ويشكو بعضهم إلى بعض.. ويناجى بعضهم بعضا على ذكر حبيبهم….
– والحقيقة أن كُلَّ خَلْقِ اللَّهِ محبوبون من اللَّه تعالى.. فكل صانع يُحِبُّ صنعته.. واللَّهُ سبحانه وتعالى بلطفه ورحمته ونِعَمِهِ يدعوهم الى دار السلام.. ويدعوهم الى خَيْرَي الدنيا والآخرة.. ويرزقهم على كفرهم وجحودهم وإشراكهم.. فان رجعوا إليه فرح بهم وغفر لهم.. فما أبعد العباد عن ربهم إلاَّ الحُجُب الظلمانية والنورانية… فاذا ما بدأت هذه الحُجُب فى الزوال، وازدادت معرفةُ العبدِ بِرَبِّهِ.. فلابُدَّ أنْ يُحِبَّهُ… وعلى قدر معرفته بربِّه سبحانه على قدر ما يكون حُبُّهُ لسيده…
فما عرف اللَّه تعالى منْ لمْ يُحِبَّهُ…. وما أَحَبَّهُ منْ لَمْ يَعْرِفْهُ….
وما نبت شوقٌ فى قلب العبد إلى اللَّه تعالى إلاَّ من باب بعض معرفته بربِّهِ جَلَّ وَعَلا… ومَا كَان اشتياقٌ مِنَ العَبْدِ إلى ربِّهِ إلاَّ بعد أن ذاق من أنوار جماله وجلاله وكماله… وانتشى بها.. وغاب فيها.
وخلاصة ما نقول أنَّ المُحِبَّ لِلَّهِ تعالى.. غارقٌ فى أنواره تعالى وأنوار صفاتِهِ وأسمائِهِ… لايقع نظره من الكون كله إلاَّ ويرى فيه للَّه تعالى أثراً، وحكمة، ولُطفًا، وقدرة…
يُحْيِيهِ إشراقُ الأَنْوارِ عليه، ويقتله حِجَابُ الأكوانِ وغيرها عن اللَّه تعالى… غير طالبٍ لدرجةٍ ولامرتبةٍ… يضيقُ بِجَسَدِه ونَفْسِهِ، لأَنَّهُما له سِجْنٌ عن الملكوت الأوسع…
أُنْسُهُ باللَّهِ تعالى… مستوحشٌ منْ كُلِّ مَنْ ومَا سِواهُ… متذللٌ على الأَعْتَابِ… إنْ قُرِّبَ تَأَدَّبْ… وإِنْ أُبْعِدَ تَقَرَّبْ… وبين الوَصْلِ والبُعْدِ لايَهْدأُ وَلايَطْمَئِنُّ.. ولايرتوى من فضل اللَّه تعالى…

مقتطفات من كتاب الإحسان لعبد الله خادم الطريق صلاح الدين القوصي

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *