الحجاب والرؤيا ج1


ويُفَسِّرُ العُلَمَاءُ هذه الظاهرة بقولهم، أنَّ لكل لون من هذه الألوان ذبذبة خاصة به مرتبطة بطول موجة هذا اللون.. والمنشور الزجاجى وما شابهه يستطيع أن يحلِّل هذه الألوان من الضوء العادى، حيث أن لكل موجة منها درجة انكسار خاصة بها،… لذلك فإن الألوان الخارجة من المنشور، تبدأ دائماً بالأحمر وتنتهى بالبنفسجى.. ونفس الترتيب تراه فى ظاهرة ” قوسِ قزح ” عندما تمطر السماء وتكون الشمس ساطعة…
وهذه الأطياف السبعة يمكنك أن تتعامل مع واحد منها فقط أو معها كلها معاً…

فتداخل العوالم بعضها فى البعض، رغم انفصال كل منهم عن الآخر، ليس بالأمر الغريب عن العقل.. فإن الألوان السبعة اندمجت كلها معاً، فأصبحت عَالَماً واحداً.. وبلا لون !!!
وقلنا إن مجال رؤية العين البشرية هو عالم المادِيَّات.. وإدراك العوالم الأخرى يكون بقوى النفس الأخرى المُدْرِكَةِ من باطِنٍ، وأنَّ إدراك هذه القوى يزيد بفيوضات أنوار الروح وقواها على النفس، فيصبح الإنسان ذا فراسة ونور وبصيرة.. ويزداد قوة على التعامل مع الأكوان الخفيِّة عنه…

وقلنا إن عوالم الملك والشهادة هى عوالم حضرات أسماء اللَّه تعالى وأفعاله… وتتعامل معها العين البشرية…، وعوالم الجبروت هى عوالم صفات اللَّه تعالى… ويتعامل معها القلب…، وعالم الملكوت الأعلى هى عوالم الحضرات المطلقة.. وتتعامل معها الروح…
وإذا عُدْنا إلى منطوق حديث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن الإحسان حيث يقول: ” أنْ تعبدَ اللَّه كأنَّك تراه “… وحرف الكاف هنا هو حرف ” التشبيه “..، وفارق فى المعنى بين من يقول ” أنَّك تراه ” و ” كأنك تراه “….
يقول سبحانه: (قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنْ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ (41) فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ)
فملكة سبأ رأت عرشها عند سيدنا سليمان.. وفيه بعض التغيير…. ولكن هى تعرف عرشها، ولكنَّ عقلها لم يتصورْ أن يكون العرشُ قد أُحضِرَ إلى ذلك المكان… وكيف ينتقل العرش من مكان إلى مكان !! ومن الذى ينقله !! أمرٌ بيَن التصديق لما تراه بعينيها.. وعدم التصديق لقياسها بالعقل.. فقالت ” كَأَنَّه هو “….
وسيدنا حارثة رضى اللَّه عنه، يجيب رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم بقوله
” وَكَأنى أَرَى عَرْشَ الرَّحْمَنِ بَارِزًا “…. والأمر هنا ليس بين التصديق والشك… ولكن لعدم الإحاطة الكاملة لما يراه.. لأن هذا أمر محال فى الحياة الدنيا.. فقوى النفس مهما ارتقت وسَمَتْ وارتفعت، فهى مرتبطة بالجسد ومتطلباته وقوانينه… ومحال أن تكون رؤيتها رؤية كاملة… أو رؤية على التحقيق الكامل…
 

واللَّه سبحانه وتعالى يقول: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ)
وحبل الوريد هو الواصل فى الإنسان إلى القلب.. وليت شعرى كيف يكون معنى القرب المقصود، والتشبيه بشئ هو موجود داخل جسمك وفى شغاف قلبك… فأىُّ قرب هذا ؟؟ وكيف يُرَى من وما هو بمثل هذا القرب !!
وعندما قال بنو اسرائيلَ لِمُوسى أَرِنَا اللَّه جهرةً.. أخذتهم الصاعقة وهم ينظرون… وعندما سأل سيدنا موسى رَبَّهُ أن ينظر إليه وتجَلَّى ربه للجبل، جعله دكَّاً، وخر موسى صَعِقاً، فلما أفاقَ قَال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين….
فرؤية الإلْمام والإحاطة مستحيلة عقلاً وشرعاً… فاللَّه جَلَّ جَلاله ليس كمثله شئ.. وكل ما خطر ببالك فاللَّه خلاف ذلك.. وهو يقول جَلَّ وعلا (لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ).
أما ما يثار فى أمر الإسراء والمعراج، واختلاف الأقوال حول هل رأى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ربَّه بعينىّ بصره ؟؟.. فهذا أمر خارج تماماً عن حد الأدب، مع اللَّه تعالى ومع رسوله وحبيبه وصفوة خلقه صلى الله عليه وسلم…
وقد أكرم اللَّه رسوله بمعجزة كونية حيث يقول صلى الله عليه وسلم  ” أَتِمُّوا الصُّفُوفَ، فَإِنِّى أَراكُمْ خَلْفَ ظَهْرِى ” !! حديث صحيح، رواه مسلم عن ” أنس”، وهذه ليست مواصفات ولا إمكانية العين البشرية العادية.. فهذه خصوصيّة لرسوله الكريم… ثم بعد ذلك جعله سميعاً بصيراً -كما سبق عرضه- تأهيلاً لهذه الحادثة الجَلل التى لم يَسْبِقْ إليها نبىٌّ ولا رسول…
ثم بعد كل هذا يقول سبحانه وتعالى: (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى)، ويقول فى نفس السورة: (مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى)
الأدبُ الكاملُ لرسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم… والثباتُ الأعظمُ لحبيب اللَّه صلى الله عليه وسلم… فما زاغ البصرُ من هيبةِ وجَلالِ ما يُشاهدُ ثباتاً ورسوخاً وسكينة… وما طغى البصر خِفَّةً ونشوةً وأُنْسًا بإنعام اللَّه تعالى عليه بهذا الفضل… صلَّى اللَّه عليك وسلَّم، وبارَكَ، يا سيِّدى يا رسول اللَّه، وعلى آلك وصحبك أجمعين…،

وكل ما يمكن قوله فى هذا المقام أنه قد انقدحت عين رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فى بصيرته، وانقدحت بصيرته فى عينه، فرأى بعينه ما يراه ببصيرته…
وأستغفر اللَّه تعالى مما أقول..، واستسمحُ رسولَهُ صلى الله عليه وسلم مِنَ الخَوضِ فى هذا الأمر..، ولكننا أردنا أن نوقف الحَدَّادين ونافخى الكِير، من الخوض فى أسرار الملوك، والبحث بعقولهم المحدودة وعلمهم الذى هو على قدرهم، فى آية من أعظم آيات اللَّه التى أكرم اللَّه بها حبيبه وصَفِيَّهُ صلى الله عليه وسلم…

وقبل أن نتحدث عن الرؤية والحجب يجب أن نتعرض قليلاً لمُسبِّبِ الرؤية ومُحْدِثِها وهو النور… فنقول بإيجاز شديد:-
 

النور: النور هو الذى تُدْرَكُ به الأشياء.. وبدونه تكون الموجودات كالعدم…
والنور فى حَدِّ ذاته لايُرى.. ولكنه بسقوطه على الموجودات وانعكاسه عنها إلى العين، تُرى الأشياء، وعلى قدر شِدّةِ هذا النور أو الضوء، وكذلك على قدر صحة العين، تكون قوة الرؤية،…… فالنظر إلى الموجودات والإحاطة بها يكون بالنور… أى أنه أداة المعرفة…
والعرب تطلق لفظ ” النظَر ” على البصر.. وكذلك تطلقه على التفكُّر والتدَبُّر والتمحيص والدراسة….
يقول تعالى: (قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنْ الْكَاذِبِينَ)، ويقول جَلَّ شأنه: (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى).
فسواء كان النظر بالعين أو النظر بالعقل والبصيرة، فكلاهما يلزمه نور… إلاَّ أنَّ نور هذا، غير نور ذاك…

فإن كان تعاملك مع عالم الشهادة، فيلزمك النور الأرضى الذى تلتقطه العين…. وإذا كان تعاملك مع عوالم الملكوت، فيلزمك نور آخر يلتقطه القلب والفؤاد والبصيرة…
يقول تعالى: (فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ)
ويقول: (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى)
ويقول جَلَّ شأنه: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ)
والحكمة ببساطة هى: حسن الإحاطة، وتمام العلم بالأمور، مع التبصُّر بعواقبها…
وقد سبق القول بأنها قسمان.. حكمة دنيا.. وحكمة عليا.. فارجع إلى قولنا فى الباب السابق…
يقول جَلَّ شأنه: (اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) وفى آخر الآية يقول جَلَّ شأنه: (يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ)، ثم يقول جَلَّ شأنه: (وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ).
والقرآن نور اللَّه، والإيمان نورُ اللَّه، والرسل جميعاً نور اللَّه، وذكر اللَّه تعالى والأعمال الصالحة نور، والمؤمنون يسعى نورهم بين أيديهم….
ويقول رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم“ اتَّقُوا فِرَاسَةَ المُؤْمِنِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّه ” رواه الديلمى…
ونستطيع أن نوجز ما نريد فى قولنا أنَّ النور هو وسيلة المعرفة والإلمام والصواب والهدى،….

ولكل عالم من العوالم التى ذكرناها سابقاً نورٌ خاصٌ يلزمُهُ فيُدرَكُ به… وكذلك أداة خاصة فى الإنسان تستقبله، تناسب هذه العوالم من عين أو قوى نفْسٍ أو صفاتِ قلبٍ

وقوله تعالى: (اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) يدلُّ على أن نور اللَّه تعالى مِلء السماوات والأرض وما بينهما.. وكل الأكوان والعوالم.. وكل أسباب المعرفة والإدراك والعلم والتبصُّر والحكمة.. كلها من اللَّه تعالى.. ومنبسطة على عباده… ومنبسطة على أكوانه ومخلوقاته…..

فإذا كان الأمر كذلك فلماذا يلتقط هذا النور بعض الناس.. والبعض يزيد نصيبه منه، والبعض يقِلُّ نصيبه حتى يصير كالأعمى !!
المنطِقُ العادى البسيط يقول أنه لابد وأن تكون هناك حواجز أو موانع أو حُجُب، حول العبد أو بين العبد وربّه… أو بين العبد و بين إدراك هذه الأنوار… وهذه الحُجُب تتفاوت كثافة وشفافية، كما يختلف ويتفاوت نصيب كل عبد منها….
وروى مسلم عن ” أبى ذرٍ ” رَضِىَ اللَّه عنْهُ أنّهُ سألَ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: “هَلْ رَأيتَ رَبَّكَ ؟ ” فقال: ” نُورٌ أنَّى أراهُ ” وفى روايةٍ وقال لأبى ذرٍ ” رأيتُ نوراً ” كما ذكر مسلم عن ” أبى موسى ” أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال ” حِجَابُهُ النُّور لَو كَشَفَهُ لأَحْرَقَتْ سُبُحَاتِ وجْهِهِ مَا انْتَهَى إلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ “.
ويقول صلى الله عليه وسلم ” سَأَلْتُ جِبْرِيلَ هَلْ تَرَى رَبَّكَ ؟ قَالَ إنَّ بَيْنِى وَ بَيْنَهُ سَبْعِينَ حِجَابا مِنْ نُورٍ، لَوْ رأيْتُ أدْنَاهَا لاحْتَرَقْتُ ” رواه الطبرانى فى الأوسط عن ” أنس “

ولنا الآن أن نتساءل ما معنى الحجاب المقصود ؟ ؟ ؟
ونجيب ببساطة أنَّ الحجاب هو انطباع الصور الكونِيَّة فى القلب وانشغاله بها.. وقياسه عليها..
فتحجب عنه تجَلِّيَّات اللَّه تعالى وأنواره، بحيث تصير له كالغلاف.. فلا يرى ولايدرك أى شئ إلا من خلال هذه الصور الكونية… فَيُحدُّ إدراكه ومعرفته على قدر هذه الصور….
ومعنى انطباع الصور الكونية فى القلب.. هو انشغال القلب ببعض عوالم الكون، وسيطرة هذه العوالم على منطق وإدراك وبصيرة القلب…
فمثلاً من انشغل بالعالم الأرضى.. وكانت الدنيا كل هَمِّهِ وتفكيره ومنطقه.. فإن قوانينها وقوانين عوالمها تكون قيداً للقلب فى إدراكه وتذوقه.. فيكون مادياً فى تفكيره ومعلوماته.. فإذا رأى مناماً فيه إشارة إلى حقيقة غيبية، أو رأى بعض أرواح الأموات تخاطبه.. فإن كل حكمه على رؤياه، أنَّها أضغاث أحلام….، فهو لايؤمن إِلا بالماديّات والأساليب والنتائج.. أَمَّا أن ينام وتصله رسالة حقيقية فى نومه.. فهذه أوهام فى نظره… وبالتالى تنقطع عنه أمثال هذه الرؤى أو على الأقل لا يستفيد منها لعدم يقينه بها..
ومثالٌ آخر لمن يكون انشغاله بعالم الجن مثلاً..  فإن كل مفهومه وإدراكه يدور حول طاقات الجن وأفعالهم وعوالمهم.. ويفرح بسيطرته على الجن مثلا – إذا كانت له عليهم سيطرة – ويفرح بقضائهم لمصالحه ورغباته… ويكون هَمُّهُ كُلُّهُ هو كيف يزيد من سيطرته عليهم… وأساليب إخضاعهم…… فإذا قلنا له، أن هناك عوالم أخرى غيبية من الروحانيين والملائكة، لهم قوى أضعاف أضعاف ما فى الجنِّ.. وأن اللَّه سبحانه وتعالى قد يُسَخِّرُ بعض هذه العوالم لبعض عباده الخالصين له، لايريدون إلا وجهه، ولايقصدون السيطرة على عالم من العوالم.. فإنه لا يقتنع بهذا الكلام.. ويظلُّ حبيس أفكاره ورغباته، وبهذا لا يرتقى أبدا إلى مقام العبودية الحقَّة للَّه تعالى.. بَلْ هَمُّهُ وانشغاله وإدْراكُهُ وعلِمه لايتجاوز عالم الجنِّ…

أمثلة بسيطة نسوقها للدلالة على معنى الصور الكونية وانطباعها فى القلوب، ولكن حقيقة مقصودنا غير ذلك…. أو هو أبعد من ذلك…
وإليك بعض الإيضاح….
قلنا من قبل أن عالم الملك هو عالم حضرات أسماء اللَّه تعالى وأفعاله…. وأن أفعال العباد والمظاهر الكونية هى انعكاس وآثار لأفعال اللَّه تعالى وتجَلَّيَّاتِه….
فالناظر إلى أفعال العباد وتصرفاتهم، هو بين درجتين..
الأولى: أن يرى أفعال العبادِ صادرةً من اللَّه تعالى..
الثانية: أن يرى اللَّه تعالى فعالاً فى عباده..
والأولى بمعنى أن يعرف الإرادة أولا ً، ثم يرى أفعال الخلق والثانيه بمعنى أن يرى الأفعال أولاً، ثم يعرف الإرادة بعد ذلك.
وليس المقصود بهذا الوضوح الذى نذكره ولكننا نقرب المعنى إلى ذهن القارئ.
وفى الحالة الأولى يكون العبد ناظراً إلى أفعال العبادِ، وغلبة القضاءِ والقدرِ عليهم…
وفى الحالة الثانية يكون العبد ناظِرا إلى اللَّه تعالى وأسمائه وصفاته وجنوده…
وقد يبدو الأمر من الوهلة الأولى أن الحالتين لا فارق بينهما.. ففى كلتيهما يرى الناظر أن اللَّه تعالى هو الفعال لما يريد فى أكوانه…
ولكن الفارق بينهما فى الحقيقة كبير…
فإن الأول يعيش فى حضرات الأفعال والأسماء، ويجتلى ذلك بعقله وفكره وحواسِّه…
بينما الثانى يعيش فى مبتدأ حضرات الصفات، وأثرها فى عوالم الملك.
ولاحظ أن الاثنين لم يرتقيا بعد ليعيشا فى عوالم حضرات الصفات، وملكوت عوالم الغيب والجبروت…
والذى يعيش فى حضرات الأسماء والأفعال.. يكون محجوبا عن عوالم الصفات… بما يراه من حضرات الأفعال…..
كذلك من يكون متعايشاً مع عوالم الجبروت.. فإنه يكون محجوباً عن عوالم الملكوت الأعلى بما يراه من عوالم الجبروت والتجَلِّيَّاتِ التى فيه…
وفى كل عالم من هذه العوالم مبتدأ…. ودرجات ونهاية….
بل وأكثر من هذا.. فإن المبتدئ فى الدخول إلى عالم من هذه العوالم.. عادة ما يبدأ تعامله معه متعثراً.. متردداً.. ويلزمه وقت يطول ويقصر، حتى يكون من أهل التمكّن فيما دخله، ولايصير متمكنا فى درجة من هذه الدرجات، إلاَّ إذا أشرف على بداية الدرجة التى تليها.. وتداخلت عوالمه فى تلك المرحلة…
ولاتظن أنَّ الأمر بهذا الوضوح الذى نتكلم به.. أو أنه مثل درجات السُلَّم.. بحيث تعرف بداية ونهاية كل درجة.. أو أنك تعرف الدرجة التى أنت فيها، أو التى فيها غيرك من العباد.
ولذلك فإن كلام ساداتنا عن المقامات والأحوال التى يمر بها السائر إلى اللَّه تعالى.. جعلت كثيراً من الناس يخطئ فى فهم كلامهم وذلك على حسب عقل القارئ وإدراكه هو..، لا كما يقصده ساداتنا الأفاضل.. فانهم أهل رؤيا يقينية.. ولكن كثيرا ما يكون فى ألفاظهم الكثير من الرمز والإشارة، التى لايدركها إلا أهل هذا الأمر…حتى لايأخذ الحكمة منهم من لايستحقها من الناس فيسئ استخدامها.. كالطفل الصغير إذا مكنته من الأحجار الكريمة أو من سلاح حادٍّ، فهو إمّا ألاَّ يقدِّر الامور حق تقديرها.. وإمّا أن يؤذى نفسه أو من معه وحوله.
لذلك فلن أتعرض للمقامات ولا للأحوال ولا البوارق ولا اللوامع…. كما تعرّض لها السابقون من ساداتنا الكرام… لأن من يعيش فيها لن يعرف أنه يعيش فيها… ومن لا يعيش فيها لن يفهم عنها شيئا…..
ولعلنا فى هذه العُجَالة قد أوضحنا معنى انطباع الصور الكونية فى القلب.. ولمعنى الحجاب عند اللَّه تعالى..
فالشهوات الأرضية حُجُب…..!!!
والعوالم الغيبية.. حُجُب…..!!!
وانشغال نفسك.. وقلبك.. بأى غيرٍ من الأغيار…. حُجُب..!!!
فكل ما سوى اللَّه.. حجاب عن اللَّه… والقاصد وجه اللَّه والعابد للَّه حقاً مُخلِصاً لايريد إلا وجهه الكريم… ومهما انكشفت له من عوالم الغيب بدرجاتها، فانه لاينشغل بها ولايقف معها.. بل لو جاءته العوالم كلها من جنٍ وشياطين وجنود.. وغيرهم ليكونوا خُدَّاما بين يديه وبأمره.. ما التفت اليهم.. ولاتعلَّق بهم.. ولاركن إليهم.. بل هو لايريد إلا اللَّه تعالى.. بكماله وجماله وجَلاله……
وتلزمنا الإشارة هنا إلى نقطة غاية فى الأهمية وتلك هى أن بعض هذه الحجب إنما هى رحمة من اللَّه تعالى للعبد، تحجب عنه وتخفِّفُ عنه، ما لا يستطيع التعرض له، أو ما لا يكون مستعدا لاستقباله……، وعلى سبيل المثال لو كشف حجاب الزمن عن الخلق، وعرفوا أقدارهم المستقبلية، وما كتب لهم من الرزق، وما سوف يجرى عليهم من بلاء أو غيره.. فكيف تتصور أن تكون حياتهم، وانتظارهم لأمرٍ سوف يقع عليهم، سواء كانوا يحبونه أو يكرهونه، وما يواكب هذا الانتظار من قلق وترقُّبٍ وألم، وبعد كُلِّ هَذا قَدْ يُغَيِّرُ اللَّه قضاءه، ويلطف بهم، ولا يقع المكروه الذى يترقبونه وينتظرونه…..
كذلك انكشاف عوالم الملكوت الغيبى للنفس البشرية، وهى غير معدَّةٍ لهذا الاستقبال، قد يصيبها بالشلل المعنوى.. وماذا يحدث لو نظر العبد فجأة وهو بمفرده، فرأى بعض الجن والملائكة مثلا والعوالم الأخرى حوله، يحادثونه ويتعاملون معه، دون مقدمات ولا استعدادٍ لهذا الأمر !!!
لذلك نقولُ أن وجود بعض هذه الحجب إنما هو رحمة للعبد، ولطف من اللَّه تعالى به، حتى يتلقَّى من العوالم العلوية بِقَدَرٍ و مقدار على قدر استعداده، وعلى قدر طاقته وازديادها بالتدريج….
 

ومن هذا العرض المبسط نرى ما يلى:-
الحُجُب عن اللَّه تعالى تنقسم إلى نوعين…
الأول: حجب ظلمانية.. وهى الدنيا وشهواتها وزينتها والمعاصى والمخالفات.
الثانى: حجب نورانية.. وهى درجات الكشف النورانية التى يُكرِمُ اللَّه بها عبده السائر إليه.
وهنا يجب ان نفرق بين أمرين فى غاية الأهمية.. الأول: هو الكشف.. والثانى هو الفتح….
وبإيجاز شديد نتعرض لهما فنقول وباللَّه التوفيق…

الكشف: هو الاطِّلاع على بعض الأمور الغيبية الكونية والإخبار بها…. وهذا الكشف لانعتدُّ به ولانقيم له وزناً…لأنه قد يشترك فيه المؤمن والكافر..
وسببه كما قلنا من قبل هو ازدياد قوة طاقات النفس الباطنية، وهذه قد يصل اليها المؤمن بطاعة اللَّه وذكره،.. كما قد يصل إليها غير المؤمن بنوع من الرياضة النفسية واستخدام الجنَّ فى معرفة بعض الأمور الغيبية…
ونظرا لاشتراك المؤمن وغير المؤمن فيه.. لذلك فنحن لا نلتفت إليه.. فضلا عن أنه ليس بمرادنا ولا مقصودنا.. فنحن لا نريد سوى وجه اللَّه تعالى، لا أكوانه ولا جنوده…
ورغم هذا فالكشف ينقسم إلى نوعين:-
كشف نورانى: وهو ما كان كشفا لبعض عوالم الملكوت…
كشف ظلمانى: وهو الذى يغلب عليه تتبع معاصى العباد وعوراتهم فى خلواتهم.. فيكشف ويفضح ما ستره اللَّه على عباده بدون غرض شرعى صحيح…
وهناك أمر ثالث مرتبط بالكشف وهو الذى نسميه بالاستدراج….
والاستدراج: هو نوع من الكشف، يجرى لبعض العباد الذين سبق غضب اللَّه عليهم، والعياذ باللَّه.. فيمكر به الشيطان، فيكشف له عن بعض عوالم الغيب، ويزيد فى طاقات النفس.. فيغترَّ صاحبُهَا بها، ويسئ استخدام هذه القوى فيما يريده هو، لافيما يحبُّ اللَّه تعالى…
هذا نوع.. والنوع الثانى.. هو كشفٌ من اللَّه تعالى، وإكرام منه للعبد نتيجة لعبادته وإخلاصه، ولكن العبد يقف معها.. ومع الخوارق التى تحدث منه.. فيجمع الناس حوله..، ويظن أنه يفيدهم ويأخذ بأيديهم.. ويحترمه الناس ويحبونه ويرجونه…، فيتزيّن لهم.. ويزيد من طاعاته وعبادته ليس حبَّا للَّه..، ولكن بدعوى أنه ينفع الناس وأن هذا دوره.. وهو فى حقيقة نفسه لايحب إلاَّ نفسه، ولايهتم إلا بأن يكون مقدَّماً محترماً محبوباً بين الناس…، فيقف عند هذا..، وتتغيرُ نيَّتُه فتفسد…. وينسى اللَّه تعالى، وتختلط عليه الأمور، والعياذ باللَّه تعالى….
ولذلك يلزم للسالك إلى اللَّه تعالى فى هذه المرحلة بالذات مربٍّ ومرشدٌ ودليل وناصح، يأخذ بيده ليجتاز هذه المهالك….

وأمر الكشف.. وموضوع الاستدراج يسوقنا إلى موضوع أهَمَّ ألا وهو الفتح، والكلام فى هذا الأمر صعب وجَدُّ خطير.. ولكننا نستعين باللَّه ونقول:-

الفتح: هو تجَلِّياتِ الحقِّ سبحانه وتعالى، بأنواره وأسراره على قلب عبده المؤمن التقىّ النقىّ.. فينير بصره وبصيرته.. ويلقى فى قلبه وفى روعه وفى خواطره المعانى اللدّنِّية العالية، والتى لايصل اليها عبد باجتهاده ولابفكره ولا بعقله….
فالمفتوح عليه من الخلق يعيش مع عوالم اللَّه تعالى الملكوتية، ويأخذ منهم ويعطى..، وينفعل بهم ومعهم…، ويعيش فى أنوار قضاء اللَّه تعالى، وسر جريان قدره فى ملكوته وملكه..
والأمر أعقد من كلامى هذا بكثير، ومن الصعب الحديث فيه بألفاظنا العادية..، غير أننا نشير إلى أن للفتح درجات.. وقيل أنها درجات خمس..
ونحن عموماً لانطمئن لأهل الفتح إلا إذا دخلوا إلى المرتبة الثالثة منه…، حيث يكون فى هذه المرتبة فى مَعِيَّةِ مولانا وسيدنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم…، ويكون كفيله وضمينه ومرشده وولى أمره هو سيدنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم..، فيصبح لايستطيع أن يعيش لحظة واحدة بغير نوره صلى الله عليه وسلم.
فتح اللَّه علينا وعليكم، وجمعنا على رسوله صلى الله عليه وسلم يقظة ومناماً..، ونفعنا اللَّه به وبأنواره وأسراره، وجزاه عنا خير ما جازى نبيَّاً عن اتباعه وقومه، صلى اللَّه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، ونحن معهم يا رب العالمين…
ولكى تدرك معنى الفتح بصورة أوضح نذكر أول سورة الفتح فى القرآن الكريم حيث يقول سبحانه: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (1) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً (2) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً (3))
وليس لى تعليق بشرح.. ولكن انظر ما نتيجة الفتح ومظاهره وعاقبته…
غفران للذنوب السابقة واللاحقة…، وإتمام كمال نعمة اللَّه على عبده….، وهدايةٌ للصراط المستقيم الذى يحبُّه اللَّه تعالى لعبده…، ونصر عزيز مؤزَّرٌ من اللَّه لعبده…
هو إذاً ميلاد جديد للنفس البشرية وصاحبها…، جسمٌ جديد..، ونفسٌ جديدة..، وعقلٌ جديد..، وتعاملٌ جديدٌ مع اللَّه تعالى ومن اللَّه جَلَّ وعلا…..
ولذلك يعتبِر ساداتنا أنَّ بِداية الفتح هو بداية الميلاد الحقيقى.. ثم يحسبون أعمارَهم على ما يمضى من بعد هذا الفتح.. فيقولون هذا عاش سنة، وذاك عاش خمسا، أو عشرا وهكذا…. رضى اللَّه عنهم أجمعين وعنا معهم بفضله وكرمه…
وحذار ان تفهم من الآيات السابقة أن اللَّه تعالى قد غفر له ذنوباً سابقة منه صلى الله عليه وسلم.. فهذا أمر لايليق بكمال رسول اللَّه عليه الصلاة والسلام….، الذى يقول عنه ربه (وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى)…. ويقول له (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)….
ويقول صلى الله عليه وسلم ” أدَّبَنِى رَبِّى فَأَحْسَنَ تَأْدِيبِى ” وتقول عنه السيدة عائشة رضِىَ اللَّه عنها ” كان خُلقهُ القُرْآن “…
فضلا عن أنه مِنْ أُسُسِ الإيمان أن تؤمن أن الأنبياء جميعاً عليهم الصلاة والسلام معصومون، قبل البعثة وبعدها، وليس لهم لاصغائر ولاكبائر..، فلا حظَّ للشيطان فيهم..، ونفوسهم نبويَّة عالية، يوحى إليهم نوما ويقظة..، فهم مع اللَّه تعالى بكيانهم وكينونيتهم.. فلا تصدر منهم معصية أبداً، ولاذنب أبدا.
وقد حمل ساداتنا معنى الذنب المذكور فى الآية الشريفة على ثلاثة أوجه:
الأول: أنَّ قولَهُ تعالى: (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ)، مقصود به المؤمنون حول رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم… وإنَّ الفتح كان لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم… والمغفرة لمن حوله من المؤمنين من باب قول العرب ” إيَّاك أعنى واسمعى يا جارة “..،
كما يقول جَلَّ وعلا فى أول سورة الأحزاب: (أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ).
وهل كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلاَّ خيرَ عبدٍ يتقى اللَّهَ تعالى ويعرفه !!.
ويقول ربنا: (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ)… فهل تعقلُ أنت أن الخطابَ مُوَجَّه إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالتهديد والخسران….. حاشا وكلا.. بل ألف كلا…. إنما يقصد بهذا الخطاب من هم مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من المؤمنين….
الثانى: أنَّ ذنوبَ الأنبياء إنَّمَا هى من باب الحسن والأحسن.. والفاضل والأفضل… وهى من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين.
فالنبى اذا أتى بالحسن وترك الأحسن -وكلاهما خير- رَجَع فعاتب نفسه على ترك الأحسن والأفضلِ.. فيتنزَّلُ الوحى بما فى نَفْسِ النبىِّ من العتاب لنفسه… ويصبح تَرْكُ الأفضَلِ من باب التقصير والذنوب فى نظره… الوحى ينزل بما فى نفس الرسول….
والثالث: أنَّ النبى صلى الله عليه وسلم دائم الترقى فى معرفة اللَّه تعالى… وكل ساعة بل كل لمحة يزداد علمه باللَّه تعالى..، تحقيقاً لقول اللَّه تعالى: (وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً)….، وهى دعوة مستجابة بلا شك من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.. فَكُلُّ يومٍ هو فى ازدياد…. وكل زيادة فى المعرفة باللَّه تعالى تُظْهِرُ أن ما كان قبلها من المعرفة لا تليق بجَلال اللَّه تعالى وعظمته..، ولذلك كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم دائم الاستغفار، لأنه صلى الله عليه وسلم دائم الترقى ودائم الزيادة فى المعرفة باللَّه تعالى..، فلَزِمَ دوامُ الاستغفار عمَّا يكون قبله… واللَّه تعالى أعلم.. وهذا هو ما يليق بجنابه صلى الله عليه وسلم…

ولشرح هذه الآيات أوجه كثيرة تناولها المفسرون.. وليس هذا موضوعنا الآن… وعلى العموم فمقصودنا هو أن نبَين لك معنى الفتح وأهميته فى حياة السالكين إلى اللَّه تعالى…
ولاشك أن أهل الفتح من المؤمنين هم أعلى القمم المؤمنة فى كل عصر.. فهم أهل اللَّه تعالى وخاصته.. وهم المصطفون من اللَّه تعالى لإكرامهم بفيوضاته وأنواره…
ورغمًا عن هذا، فهم متفاوتون فى هذا الفضل.. كلٌ على قدره وطاقته.. فهم ليسوا جميعاً سواءً… فهناك أهل الفتح الكبير.. وهناك أهل الفتح الصغير.. وبينهما مراتب لاتنتهى..
هذا من ناحية… ومن الناحية الأخرى، فحتى من هم فى مرتبة واحدة عند اللَّه تعالى يختلفون فى مشاربهم وفتوحاتهم…
انظر إلى الملك… ورئيس ديوانه.. ورئيس وزرائه… وهم جميعاً أهل الثقة والخصوصية…. ولكن رئيس الديوان أعلم بالملك وأحواله، ورضاه، وغضبه، وما يرضيه، وما لايرضى عنه.. ولكنه ليس مشغولاً بالرعية وأحوالها بقدر انشغاله واهتمامه بخصوصيات الملك ذاته..، أمَّا رئيس الوزراء فهو أعلم بالرعية وأحوالها.. ومسئول عن تنفيذ أوامر الملك، وأثر هذه الأوامر… أمَّا انشغاله بخصوصيات الملك ذاته فلايصل إلى انشغاله بتنفيذ الأوامر فى الرعية…  فهذا فى شأن….. وذاك فى شأن وربما كانا فى درجة واحدة….. وجَلَّ جَلال اللَّه تعالى، وتعالى عما نقول علوا كبيراً….

فإِنّ من أهل الفتح من هو مشغول بحضرات ربه و تجَلِّيَّاته وأنواره.. وانشغاله بالخلق قليل… ومنهم من هو مشغول بَخْلقِ اللَّه تعالى وأكوانه وسريان قضائه وقدره فى العوالم المخلوقة… من خلال تجَلِّيَّاتِ اللَّه عليه…. ولاتفاضل بينهما… فهذا فى وظيفة.. وذاك فى وظيفة… والمزِيَّةُ لاتقتضى الأفضلية… فعِلْمُ سيِّدِنَا موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، غير علمِ العبدِ الصالحِ كما رواه القرآن الكريم فى سورة الكهف…. هذا فى شأن وتكليف.. وذاك فى شأن آخر وتكليف….
وليس معنى كلامنا الفصل التام بين الصِنفين.. ولكن هذا يُفَسِّرُ لك ما قد يحدث على أيدى بعض الصالحين من الكرامات وخوارق العادات فى الأمور الكونية وشئون العباد..، وقد تجد من هم أعلى منهم درجة عند اللَّه تعالى، وليست له مثل هذه الكرامات… ذلك أن الثانى مشغول بربِّه.. ذاهل عن أكوانه.. وأمّا الأول فقد أقامه اللَّه تعالى فى أكوانه ليتعامل معها…
لذلك يقول ساداتنا رضى اللَّه عنهم ” سار على الماء رجال.. ومات بالعطش من هم أفضل منهم “… وهذه إشارة إلى بعض الأولياء الذين نقرأ عنهم أنهم قد ساروا بأقدامهم فوق الماء، إكراما من اللَّه تعالى لهم.. بينما استشهد إمامُنا وسيدنا الحسين بن علىّ رضى اللَّه عنه، وهو عطشان فى ” كربلاء “.. وهل هناك أفضل من ابن بنت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وريحانة قلبه وسيد شباب أهل الجنة !!!
وفى مثلِ هذه المقامات لا يكون الحكم بالمظاهر والظاهر… ولهذا اختلف موسى مع العبد الصالح…..
غير أن هناك قِلَّةً من أهل الفتح الكبير، رضى اللَّه عنهم، قد جمع اللَّه لهم الحسنيين…، فهم بين تجَلِّيَّات اللَّه تعالى عليهم بأنواره وأسراره…. وبين انشغالهم بعوالمه وأكوانه.. لايشغلهم هذا عن ذاك….
وهؤلاء القِلَّة من رجال اللَّه تعالى، هم الورثة الكُمَّلُ لأنوار رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.. وهم فى كلِّ عصر على قدمه، وعلى قلبه عليه الصلاة والسلام.. لأن هذا شأنه وخصوصيته عليه الصلاة والسلام.. فهو مع اللَّه تعالى لايَفْتُرُ عنه طرفة عين.. وهو مع خلق اللَّه تعالى يواليهم بالرعاية والعناية وتنفيذ أوامر اللَّه تعالى فيهم… وهو وليهم وكفيلُهم..
فشأن الوارثين الكاملين لأنواره صلى الله عليه وسلم هو من بعض شأنه.. ومن بعض أنواره وأسراره حتى قيام الساعة…
وهذا كان شأن الخلفاء الأربعة بعد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم..، حيث جمع اللَّه لهم الخلافة الظاهرة، والخلافة الروحية فى الخلق..، فإن خليفة اللَّه تعالى فى الأرض لابد وأن يكون هو العبد الكامل العارف باللَّه تعالى والقائم على شئون خلقه معاً..، وهذا معنى الخلافة ببساطة شديدة…
 

من كتاب الاجسان لعبد الله/ صلاح الدين القوصي

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *