النفس الانسانية: قواها ودرجاتها

وهى التى يشار إليها مرة بالقلب.. ومرة باللُّبِ ومرة بالعقل..، وكُلُّ هذه المسميات هى لها، وكل مسمى هو خاص بها فى درجة من درجاتها…
ولتبسيط الأمر أضرب لك مثالا:
لنبدأ بشجرة من الأشجار تم قطعها ونقلها إلى النجار الذى قام بدوره بتقطيعها إلى ألواح من الخشب ثم صقلها.. ثم صنع من هذه الألواح كرسيا مريحا تجلس عليه..، فإن سألتك عن اسم ما تجلس عليه أجبتنى بأنَّه كُرسى، فإن سألتك عن مادته قلت لى إنَّهَا خشب..، وإذا سألتك عن أصله قلت لى إنَّهُ شجرة، ولو سألت عالما فى الكيمياء عن جوهره لقال:” سيليلوز” (وهو الاسم الذى يطلقه علماء الكيمياء على الخشب)..
إذا نستطيع أن نطلق هذه المسميات الأربع على الكرسى..، فمرة نقول كرسيا، وتارة نقول خشبا..، وأخرى نقول شجرة، وحينا سيليلوز..، والأصل واحد، فالجوهر سيليلوز، والوصف خشب..، والاسم كرسى..، والأصل شجرة..، ومن الممكن أن نتمادى فى سؤالنا عن جوهر السيليلوز لنعرف أنَّهُ عبارة عن ذرات من الأكسجين والأيدروجين والكربون ترابطت مع بعضها البعض بطريقة خاصة يعرفها أهل الكيمياء.. فصارت سيليلوز.
ورغم ذلك فإن إطلاقك أسماء: الخشب والكرسى والسيليلوز على الكرسى هو صحيح مجازا فقط، رغم أنَّ الأصل واحد..، كما أنك لا تقول عن الشجرة أنَّها كرسى..، لأن الشجرة لها مواصفات خاصة، ومظهر يختلف عن الكرسى، والكرسى له مواصفات خاصة غير الشجرة فقد أضيفت إليهِ صنعة أخرى فقطع وهذب ولصق..، وعلى هذا فيجب أن يطلق على كل موجود اسمه الخاص به الذى يحمل فى معناه جوهره وصفاته، حتى وإن اتفقت الموجودات فى الجوهر فيظل الكرسى كرسيا والباب الخشبى بابا والمنضدة الخشبية منضدة..، ولكنك تستطيع أن تكسرها جميعا وتشعل فيها النار وتستخدمها كوقود كالشجر تماما..، لأنها من جنسه…
فإذا أدركت ما أعنى فى هذا المثال.. قلنا لك إن النفس والروح والقلب واللب والنهى هى مسميات لدرجات خاصة من درجات الروح أو النفس..، وكل درجة تتميز بميزة خاصة بها لا يدركها إلاَّ أولو البصائر.. وهذه المميزات تكون من الصفات أو القوى التى فى النفس..
وقد سبق القول فى حديثنا عن النفس الحيوانية بأَنَّها درجات متفاوتة وأَنَّ أَعْلَى درجة فيها هى درجة النفس الإنسانية والتى هى بدورها تتفاوت فى درجاتها بمقدار ما فيها من صفات وقوى علوية..
أمّا منتهى سمو النفس الإنسانية فهى النفس النبويّة
… وهذه لها خصوصية لا يجوز أن نتطاول إليها لقصورنا التام عن فهمها.
نعود فنقول إن النفس الإنسانية لها مُرَكَّب وظاهر على الإنسان تعيش به فى الكون المادى وتتعامل معه… هذا المركب هو النفس الحيوانية وصفاتها وخصائصها..، فظاهر النفس الناطقة لنا هو النفس الحيوانية..،
أمّا الباطن.. أقصد باطن النفس الإنسانية فهو متعدد، أوَّلُهُ القلب وثانيه الروح وثالثه السر ورابعه سر السر وخامسه الخفى وسادسه الأخفى… ألا ترى أن اللَّه تعالى يقول فى سورة طه-7: (يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى)
وكل واحد من هذه المسميات أو الدرجات له عالم خاص يتعامل معه من عوالم الملكوت أو الغيب كما سبق الكلام عنه. ولا يبقى لدينا إلاَّ درجة واحدة منها تتعامل مع عالم الشهادة و عالم المحسوسات، وهى درجة النفس الأمَّارة بالسوء..، أمّا النفس التى تليها فى الدرجة وهى النفس اللوامة أو درجة القلب إن شئت أن تقول فهى فى هذه الحالة يكون ظاهرها إلى عالم الملك المادى، وباطنها إلى عالم الملكوت الغيبى..، لذلك فهى تستطيع بأسلوب خاص أن تتعامل مع العالمين بدرجات متفاوتة…
فإذا تصرفنا فى أقوال علماء المسلمين فى هذا الأمر بقصد الربط والإيضاح بين المعانى فإننا نقول:

• قوى النفس الإنسانية والمُدْرَكَةِ بالباطن:
الحس المشترك: وقد سبق تعريفه بأنَّه تلك القوى التى تترجم الإحساس المادىَّ للجسد إلى معانٍ مفهومة… وكذلك تترجم المعانى المجردة والمنطق الداخلى فى النفس إلى إحساس كخوف أو حب أو شهوة فيترجم صور البصر… وأصوات السمع وروائح الأنف، لتعرضها بعد ذلك على خزينة الذاكرة وتقارنها بالمرئيات التى تعرفها أو الأصوات التى سمعتها من قبل.. بحيث تدرك النفس أنَّ هذه الصورة هى صورة زيد من الناس وأن هذا الصوت هو صوت عمرو..، ولِكُلِّ حاسَّة مُتَرْجِمْ.. ولِكُلِّ حاسَّة خزانة خاصة بها.
كما أن هذه القوة هى التى تحول إحساسك بالخطر المعنوى أوالمنطقى إلى حركة هروب أو مجابهة.
وهذه القوة قد تمرض.. وقد تقوى أو تضعف.. وقد تنعدم كذلك.. كما أنَّها ليست متساوية عند كل البشر..، وقد يكون مرضها أوانعدامها لسبب عارض مؤقت،
ولإيضاح ذلك نضرب مثلا نفرق به بين مرض الجسد ومرض النفس..
رجل عادى.. يرى ويسمع..، فقد بصره فجأة.. فما هو السبب؟.
قد يكون ذلك لمرض فى عينيه فلا تستطيع العدسة أن تلتقط الصور للموجودات التى أمامها..، وقد تكون العدسة سليمة ولكن الشبكية التى تنطبع عليها الصورة الواصلة إليها من العدسة بها خلل يمنع من طبع الصورة عليها..، وقد تكون أعصاب البصر فى المخ لا توصل الصورة إليهِ..، فكل هذه الاحتمالات الثلاث تمثل أمراضا فى الجسد وليس فى النفس..
ولكن يحدث أن تكون العين كلها سليمة.. والأعصاب سليمة ومراكز الرؤيا فى المخ سليمة ولكن الرجل لا يبصر !!!
عندئذ يفسر الاطباء الحالة بأنها حالة نفسية. حيث إن الجهاز البصرى المادى كله سليم، ولكن ترجمة النفس للصور هو المريض..، وتلك حالة نقابلها عند الخوف الشديد أو الحزن الشديد إذا حدث للإنسان فجأة..، فيفقد بصره أو نطقه أو حركته فجأة.. وتشخص بأنها حالة عصبية. أو صدمة عصبية..، ففى هذه الحالة تكون قوى الحس المشترك للنفس غير قادرة على ترجمة ما نقل إليها من المخ المادى 
وقد تكون بعض الحالات المرضية للنفس مستمرة..، كحالة المعتوه مثلا. فهو يرى الصور كما يراها السليم ولكنه لا يستطيع تمييزها.، فالمعتوه هو فاقد القدرة على التمييز بين النافع والضار..، فرغم أَنَّهُ يرى الثعبان ثعبانا والحبل حبلا، إلاَّ أَنَّهُ لا مانع لديه من أن يمسك الثعبان بيده جاهلا خطره..، وقد يخاف من الحبل.

قوى الذاكرة أو الحفظ:
وهى مستودع لكل ما يمر بالنفس من حوادث وخلافها. وهى جزء هام من قوة التعلم.، فهى كالمكتبة التى بها المراجع المختلفة لكل حاسة ولكل معلومة..، فإذا فقدت النفس ذاكرتها نسيت كل ما تعلمته وما عرفته..، وفى هذه الذاكرة يوجد ترتيب وأولويات.. فتحفظ المهم فالاقلَّ أهمية.. وكذلك تنسى الأقل أهمية مع مرور الزمن.
وهذه القوة أيضا لها حد اعتدال وقوة وضعف..، ألم تر إلى الإنسان إذا رُدَّ إلى أرذل العمر كيف يزداد نسيانه، وصدق اللَّه حيث يقول فى سورة النحل-70: (وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً)
نعم تشيخ النفس وتضعف الذاكرة، ويرجع من هو فى ارذل العمر إلى مراحل الطفولة الأولى فى الذاكرة ورقة الإحساس..
وقوة الذاكرة يقابلها النسيان.، وكما أن الذاكرة نعمة من نعم اللَّه تعالى على الإنسان.. فكذلك النسيان من نعم اللَّه تعالى. ولولاه لظللنا العمر كله نبكى حبيبا فقدناه أو كارثة ألَمَّتْ بِنَا.
وللنسيان أيضا شرط لكى يكون نعمة.. وهو حد الاعتدال..، فلا هو دوام النسيان ولا عدم النسيان..، ولكن خير الأمور الوسط.
فالذاكرة باختصار هى مستودع المعلومات التى يكتسبها الإنسان فى حياته وهذا امر معلوم لا يوجب الاستفاضة فيه.

قوة التفكير أو التدبير:
وهذه من أخطر القوى فى النفس البشرية فهى المركز الذى يتعامل مع المعقولات واللامعقولات والمسببات والنتائج..، وهى مركز”المنطق”..، ويتعامل مع الحس المشترك.. ومع الذاكرة ومع الخيال.. يأخذ ويعطى..، وهو الذى يفرق بين الصواب والخطأ..، وهو الذى يرجح الاحتمالات بعضها على بعض، لذلك يقول تعالى فى سورة آل عمران 190-191: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)..، فانظر كيف قَدَّم اللَّه تعالى للتفكر فى خلق السموات والأرض وآيات اللَّه تعالى أن يكون المتفكر من ذوى الألباب..، أى من ذوى الفهم الصحيح والإدراك الكامل..، ثم ثنى سبحانه وتعالى بأنَّ هذا الفهم الصحيح والتفكير المعتدل لا يتأتى إلا بالتزام ذكر اللَّه تعالى فى كل حالة من حالات العبد قائماً وقاعدا ومستلقيا.. لأن هذا الذكر وسيلة، إن لم يكن هو الوسيلة الوحيدة -كما سيأتى بعد – لتمام قوة التفكر والتدبر وتمام حسن الإدراك…
واعلم أنَّ حُسْنَ التدبير وكمال التفكير فى الأمور يسمى “حكمة”، وهى بعد النظر فى العواقب، والتبصر بالأسباب والنتائج، وهى من أنوار اللَّه تعالى وهبة منه، يقول تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنْ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) (لقمان-12)، ويقول جَلَّ شأنه:
(يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ) (البقرة -269).، ويقول فى سورة الأحزاب- 4: (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً)، ويقول فى سورة ص-20: (وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ).
فالحكمة مرتبطة بحسن التفكير وكمال التدبر، وقوتها فضل من اللَّه وتوفيق منه تعالى، وكل قوى النفس نعم منه جَلَّ شأنه، ولكن يظل للتفكير ميزة خاصة كبرى.

قوة الخيال:
وهى أخطر قوى النفس الإنسانية..، ذلك أنَّ قوى الحِسِّ المشترك.. والذاكرة قد تكون لبعض النفوس الحيوانية على درجات مختلفة، أمّا قوى الخيال فهى ميزة للنفس الإنسانية..، وهى قوة خطيرة كُلَّ الخطر.
خاصة إذا عرفت أنَّ أدنى درجاتها هو حديث النفس أو الحدْس وأعلاها وأشرفها هو الوحى…
وهذه القوة المتخيلة لها جانبان..،
الأول خيالٌ حسىٌّ أو مادىٌّ وهو ما يختص بالصناعات والاختراعات وأمثالها، وهذه تستعين بقوى الحس المشترك لتحويل هذه الخيالات إلى ماديَّات موجودة..، فالذى يريد أن يبنى منزلاً فإنه يتصوره فى قوى الخيال الحسى أولا ثم يترجمه بصنعة ما إلى موجود مادى..، فكل الاختراعات الموجودة أصلها وأساسها الخيال الحِسِّىُّ فى قوى النفس التخيلية..، هذا هو الجانب الأول..
أمّا الجانب الثانى من قوى الخيال فهو جانب الصور المعنوية أو الصور العقلية، وهذه هى التى أدنى درجاتها الحدْس أعلاها الوحىُّ كما قلنا..، وبينهما يكون الإلهام..،
وحديث النفس ببساطة هو الأفكار المتخيلة التى لم تقع أحداثها بعد ولكنها من باب التمنى أو الخوف أو استجلاء بعض الحقائق..
فالظن مثلا – وهو من حديث النفس – إنما هو تصورك لأمر غير يقينى تتصور أنَّهُ قد حدث أو تنتظر حدوثه..، ولكنك غير متأكد من هذا الظن فقد يكون وقد لا يكون بنسبة متساوية..، أمّا إذا غلب احتمال عدم التأكد ففى هذه الحالة يسمى وهما..، فالوهم وهو أيضا درجة من حديث النفس أقل من الظن فى المرتبة، حيث إنَّهُ أقرب إلى عدم الواقعية وليس لك على اثباته دليل..، بينما الظن قد يكون لديك أدلة متناقضة بعضها يُرَجِّحُ هذا الظن وبعضها ينفيه..،
ولتبسيط الأمر نضرب مثلا بسيطا: فلنفرض أنَّكَ ذهبت إلى السوق وأنت فى لباس عادى لا يلفت النظر، ولم تتصرف تصرفا يلفت النظر إليك، ولكنك تصورت أن أهل السوق يتحدثون عنك ويتهامسون فيما بينهم بخصوصك..، فإن هذا يكون وهما ليس لك عليه دليل..، فهو وهم من نفسك لا سند له..
فإذا دخلت محلا ووجدت رجلين فيه يطيلان النظر إليك ويتهامسان فيما بينهما، فإذا دنوت منهما سكتا، وإذا غادرتهما عاودا النظر إليك والهمس..، فإذا تصورت ساعتها أنَّهُما يتهامسان بشأنك.. فهذا التصور هو ظن منك لأن أفعالهما من النظر إليك والتهامس فيما بينهما والسكوت إذا اقتربت منهما.. كل هذه الأسباب جعلتك تظن أنهما يتحدثان عنك..، ولكن ما زال هناك احتمال آخر قائم وهو أنَّهُما يتحدثان فى أمر خاص بهما وليست لك به علاقة.. وليس للأمر كله صلة بك، فالاحتمالان.. قائمان لا ترجيح لأحدهما على الآخر..
فإذا ظننت سوءا بغيرك دون برهان عليه فهو ظلم له، وإثم فى حقه ولابد لك من التثبت، لذلك يقول تعالى (الحجرات-12): (إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ)
نعود فنقول إن من درجات قوى التخيل الهاجس والواجس.. وهما مجرد فكرة عارضة تعرض على عقلك دونما مقدمات منطقية قوية، والواجس أقوى من الهاجس.
فالواجس هو هجوم فكرة عليك ولكنها بدليل ظنى محتمل..
فسيدنا موسى عليه السلام عندما رأى سحرة فرعون وقد ألقوا حبالهم وعصيهم فصارت تتحرك أمام الناس كالثعابين..، وقد عاش موسى فى مصر ويعلم بالقطع قوة سحر هؤلاء السحرة لذلك أوجس فى نفسه خيفة موسى..، فتداركه رب العزة والجلال (طه-68): (قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى)
فالواجس عنده كان له أسبابه بظنِّه المرجَّح لديه.
أمّا الهاجس فليس له أسبابه المرجحة…
ومن درجات قوة الخيال أيضا، الهِمَّةُ والعَزْمُ، والهِمَّةُ هى استجماع الرأى فى النفس واستحسانها للقيام بعمل ما.. ولكن النِيَّة لم تنعقد بعد على الفعل..، أمَّا العزم فهو استجماع الهِمَّةِ وانعقاد النية على الفعل..، فالعزم أقوى من الهمة، والعزْم هو أوَّلُ ما يؤاخذُ اللَّه به العبد من درجات النِيَّةِ..، فالنِيَّةُ درجات وأعلاها العزم على الفعل، ولذلك يقول تعالى فى سورة آل عمران- 159: (فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ)، فالعزم ليس بعده إلا خروج الفعل إلى التنفيذ.
لذلك ترى التعبير الدقيق فى كتاب اللَّه حيث يتحدث عن سيدنا يوسف عليه السلام حيث يقول فى سورة يوسف-24: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا)، فكيف يهِمُّ بها سيدنا يوسف عليه السلام وهو نبىٌّ، والنبىُّ معصوم باتفاق !!، والعصمة قبل النبوة وبعدها.. فلا يجوز لنبى معصوم أن تنعقد نيته أبدا على معصية الخالق جَلَّ وعلا.. فهذا أمر عظيم لا يصدر أبداً من نبى..
بعض المفسرين قالوا إنَّهُ هم ليضربها.. وهذا حسن.. أمّا الذين قالوا غير هذا فلا مانع أن نقبل تفسيرهم بشرط أن تعرف أن الهِمَّة ليست هىالنية، ولكنها حديث نفسى فقط وهذا أنسب كثيرا فى هذا المقام..، فسيدنا يوسف عليه السلام لم يعزم على الفعل أبدا.. وسياق القصة يدل على أنَّهَا هى امرأة العزيز قد انتقلت من مرحلة الهِمَّةِ إلى العزم إلى الفعل..، فلما أدبر عنها سيدنا يوسف هاربا من غوايتها لاحقته، وقدت قميصه من دُبُرٍ فى محاولة يائسة لتنفيذها ما عقدت عليه العزم.. واللَّه أعلم بمراده..
ولذلك يقول سيدنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن من همَّ بسيئة فلم يفعلها لم تكتب عليه..، وذلك لأن النيةَ لم تنعقد على فعلها..، ولكنه حديث نفسىٌّ، ويقولصلى الله عليه وسلم “عُفِىَ عن أمتى ما حدثت به أنفسهم”.. أو كما قالصلى الله عليه وسلم، أمّا من هم بحسنة فلم يفعلها فإنّها تكتب له حسنة. وذلك من فضل اللَّه تعالى وجوده وكرمه على عبيده..، فإن فعلها كتبت له عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف واللَّه يضاعف لمن يشاء..، فأى كرم هذا!!! فإذا هم العبد بسيئة ولم يعملها خوفا من اللَّه. فإن اللَّه تعالى يكتبها له حسنة، وذلك لأن العبد ذكر اللَّه تعالى فى نفسه وخاف من عقابه أو استحيا منه تعالى فأثابه اللَّه على هذا التطهر فى النفس بالحسنة عليه.. حيث إن النية هى من أعمال القلب للعبد.
ومن أعظم درجات قوة الخيال فى النفس مرتبة الإلهام..، والإلهامُ نوع من الفتوح الربانىِّ تُلْقِيه الملائكة بالخير والرشاد والسداد فى قلوب المؤمنين..، فيفرِّقُ الإنسان بهذا الإلهام بين الخير والشر دون علم مكتسب منه..، ولكن بعلم ملقى عليه إلقاء، لذلك يقول تعالى فى سورة الشمس: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا)، أى ألهمها بجنوده حسن التفرقة بين الفجور والتقوى والحكم الصحيح على الصواب والخطأ.، وليس المعنى كما يقال بأن اللَّه تعالى قد ألهم النفس الفجور وألهمها التقوى ثم هى تختار.، ذلك أنَّ الإلهام كما ذكرنا من اللَّه تبُثّه الملائكة، أمّا الفجور والإيعاز بالشر فلا يسمى إلهاما ولكنه يسمى وسواسا، وهو من الشيطان وليس من الملائكة، يقول تعالى فى سورة الناس: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6))
ويتبقى من قوة الخيال فى النفس مرتبة الوحى.. والوحى من اللَّه تعالى وهو على درجات أيضا..، يقول تعالىفى سورة الشورى
-51: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ)
والرسول المقصود فى الآية الكريمة هو الملك يوحى إلى البشر ما شاء اللَّه تعالى، انظر إلى قوله تعالى فى سورة القصص: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ) فاللَّه تعالى أوحى إلى أم موسى وهى ليست من الرسل ولا الأنبياء..، بلْ وأوحى إليها بما هو عكس المنطق المعتاد المتعارف عليه، فإن الأم إذا خافت على وليدها فهى تضمه إليها وتخفيه عن الأعين بطريقة ما، أمّا أن تجعله فى صندوق وتلقيه فى اليم حيث الموج والتيار والوحوش والأسماك فذلك أمر لا يعقل ولا تقدم عليه أى أم باختيارها ولا تفكيرها..، ذلك أن هذا الأمر قد أوحى إليها..، ألقى إليها فى قلبها فنفذته..، ولذلك بعد أن نفذت ما أوحى إليها ورجعت إلى عقلها البشرى وتفكيرها المعتاد يقول اللَّه تعالى فى وصف حالتها هذه فى سورة القصص – 10: (وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ)
وقد صدق اللَّه وعده وردَّهُ إليها وجعله من المرسلين وسبحان خفى الألطاف..
ومن الوحى ما يسمى النفثُ فى الرَوع وهو من اللَّه تعالى مباشرة..، يقول صلى الله عليه وسلم “إن روح القدس قد نفث فى روعى ألا تموت نفس حتى تستوفى رزقها”.
ومن الوحى من يكون مناما كرؤية سيدنا إبراهيم يذبح ابنه..
ولكن لاحظ أنّ وحى النبوة.. فذلك غير الوحى للبشر..، فتلك درجة خاصة من درجات قوى النفس..، فكما أن الحيوان لا يدرك معنى النفس الإنسانية فكذلك الإنسان لا يدرك أبدا معنى النفس النبوية..، فهذه درجة لا يعلمها إلا اللَّه تعالى..، وهى درجة خصوصية الخصوص من البشر، وأعلاهم نفسا وأقدسهم روحا وأغناهم سرا هو رسول اللَّه محمد صلى الله عليه وسلم..
هذا ما قاله بعض علماء المسلمين فى هذا الأمر على قدر ما علموا..، وفوق كل ذى علم عليم.. وقد نقلناه إليك مع كثير من التصرف من جانبنا للإيضاح والشرح، واللَّه تعالى أعلم.

درجات النفس الإنسانية:
مما سبق نرى أنَّ خلاصة الأمر هو أنَّ الجسد يتعامل مع عالم الماديات، أمّا النفس أوالروح فهى تتعامل مع عالم الملكوت..، ومقصودنا من هذا العرض المبسط كما رأيت هو إلقاء الضوء على النفس وقدراتها حيث أَنَّهَا محِلُّ التكليف والحساب والعقاب والتفكر والتدبر وهى المسئولة عن تصرف الجسد وأقواله وأعماله..، وقد ورد فى الحديث الشريف أن الأعضاء البشرية فى الإنسان تخاطبه كل صباح وتقول للسان اتق اللَّه فينا. أى لا تدفعنا لفعل محرم.. من جراء كلامك.. فالأعضاء كما تعلم مسخرة للقلب وليس لها منفردة طاعة أو معصية.
كذلك فإن النية التى محلها القلب (أى النفس) هى التى تحدد كون الفعل حراما أو حلالا..، وقد سبق إيضاح ذلك فى الباب الأول.. فمحل الحرام والحلال هى النفس، وإنما الأعمال بالنيات..، وقصدك وجه اللَّه تعالى فى العمل يجعله فى سبيل اللَّه..، وقصدك غير وجه اللَّه تعالى يكون رياء والعياذ باللَّه، ولا تؤجر عليه..
ويقول علماء المسلمين أن النفس الإنسانية لها سبع مراتب… فالقلب له ظاهر.. وباطن..، أمّا ظاهره فهو الروح الحيوانية والتى يمكن أن نعبر عنها الآن بأنها مجموع قوتى الغضب والشهوة..، وهى القائمة على تدبير حياة الجسد المادية كما قلنا..، وله باطن وهو الروح أو النفس الإنسانية..، والقلب وسط بينهما، والروح الإنسانية لها باطن وهو السر والسر له باطن وهو سر السر..، وسر السر له باطن وهو الخفى..، والخفى له باطن وهو الأخفى…
فإذا مال القلب إلى الروح الحيوانية وائتمر بأمرها، وصار منفذا لرغباتها، صارت النفس المسيطرة على الإنسان هىالنفس الأمارة بالسوء..، النفس الحيوانية البحتة وصار الإنسان كالبهيمة بلْ أضل..،
فإذا توازن القلب بين النفس الحيوانية والروح، واصبح يحكم هذه مرة وهذه مرة فيكون ذلك هو مقام النفس اللوّامة..،
فإذا مال إلى الروح وأحوالها وأصبح نظره إلى الروح الحيوانية هو مجرد استمرارية حياة الجسد الضرورية فيرتقى حينئذ إلى درجة النفس الملهمة وتزداد عنده درجة الإلهام..،
فإذا مال القلب بالكلية إلى عالم الروح وبدأ يستجلى عالم الغيب بقوة أعمق.. صارت درجة النفس فى هذه الحالة هى المطمئنة.
فإذا بدأ القلب بالاتصاف بصفات عالم الملكوت واضمحلت فيه قوى النفس الحيوانية إلى أقصى اضمحلال لها صارت درجته هى النفس الراضية..،
فإذا دخل القلب فى أنوار تجليات اللَّه تعالى وترك عالم الملكوت أيضا…، فقد صار إلى مرتبة النفس المرضية..،
فإذا اكتمل بالأسرار الإلاهية فقد انتقل إلى مرتبة النفس الكاملة… فى سورة الفجر 27-30: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي)
واعلم أن لكل مرتبة من هذه المراتب عالما خاصا من عوالم الغيب تتعامل معه وتتصف ببعض صفاته..، ألا ترى أنَّ الماء يتلون بلون الإناء..، فإذا كان الزجاج أخضر رأيت الماء أخضر.. وإن كان أحمر رأيته أحمر.. وهكذا..
واعلم كذلك أن كل ما يقال لك عن عالم الملكوت أو أسرار النفس لا يمكن فهمه ولا إدراكه بالعقل المجرد.. لاختلاف المقاييس كما ذكرنا فى الباب الأول..، ولكن هذه الأمور لا تفهم إلا بجلاء الحقيقة للرائى فهما وذوقا، ولكننا أردنا أن نقرب الأمر إلى ذهنك ومنطقك..، وكل ما نهدف إليهِ معرفة خفايا نفسك لكى تعرف أو تحاول أن تعرف كيف تتعامل معها، واللَّه الموفق المستعان..
• نور شرع اللَّه فى النفس:
كما سبق القول فإن قوة النفس التفكيرية أو التدبيرية التى تتميز بالمنطق والمعقول واللامعقول تتفاوت درجاتها بين البشر..
وانظر معى إلى بعض آيات من كتاب اللَّه..
الأولى يقول فى سورة النبأ: (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفّاً لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً)
والثانية فى سورة الأنعام – 73: (قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ)، وقوله فى سورة الأحزاب – 4: (وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ)
فقد نسب اللَّه تعالى الحق إلى نفسه.. ولكن عندما تتكلم المخلوقات فهى تقول” الصواب”.. فالحق هو الحق.. أمّا الصواب فقد يختلف الناس فيه..
فالناس على حسب علمهم وإدراكهم وأزمانهم ومجتمعاتهم يختلفون فى هذين المفهومين، الحق، والصواب.
فما تراه أنت صوابا.. قد لا يراه غيرك صوابا..، ولو نظرتَ إلى شخصين يتجادلان ترى كلا منهما يزعم أنه على صواب، وأن الحق معه، و الآخر على خطأ (وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً) (الكهف-54)
وحتى إذا عرف الإنسان أنَّهُ ليس على صواب فإنه قد يحاول أن يبرر موقفه وأن يوجد المبررات التى تحول فعله أو قوله إلى صواب.،حتى يوم القيامة تجادل كل نفس عن نفسها…
كذلك لو قارنت بين مجتمع غربى أوروبى بانفتاحه وانحلاله.. وبين مجتمع إسلامى بخلقه وآدابه، فسوف تجد أن المحظور والخطأ عند المسلمين ليس بمحظور ولا خطأ عند غيرهم..، والمجتمع الأوربى المنحل على استعداد ليجد مبررات كثيرة لأفعاله القبيحة…
إذا فكلمة المنطق أو الصواب تختلف باختلاف الناس والزمان والمكان… ولا يكاد البشر عموما يتفقون على مفهومٍ واحد إلا فى أُمور قليلة وهى الحقائق العلمية الثابتة..، أمّا السلوك والخُلُق فلا يمكن أن يتفقوا فيها، وقد يحدث فى بعض القضايا الفكرية أن ينبع رأيان متضادان.. وصاحب كل منهما يرى نفسه على صواب وأن غيره على خطأ..، وكل منهما مقتنع تماما بصوابه..، ولذلك فيوم القيامة يقول كل من أذن له الرحمن ما كان يراه صوابا من وجهة نظره..، ولكن لابد أن يكون للقضية وجه واحدٌ للحق وليس هناك غيره..، فهذان الاثنان وان ظن كلا منهما أنَّه على صواب إلا أنَّ الحق لابد أنْ يكون مع واحد منهما فقط ولا يمكن أن يكون فى جانبين.
وهذا الحق لا يقدر على معرفته إلا اللَّه تعالى.. لذلك قد نسب جَلَّ شأنه قول الحق إلى نفسه..، بلْ هو الحق نفسه جَلَّ جلاله.
فاختلاف قدرات الإنسان على التفكير واختلاف مدى علمه وحسن منطقه وإدراكه، هى السبب فى اختلاف مفهوم الخطأ والصواب عنده..، لذلك فلو تركنا لكُلِّ إنسانٍ أن يحدد بمنطقه هو الخطأ والصواب وحدود المسموح به والعيب، لما اتفق اثنان منهم على هذه الحدود..
لذلك فالحذر كل الحذر عندما تعرض عليك مسألة أنْ تكيفها حسب منطقك الخاص ومفهومك الذاتى..، فمن الذى أخبرك بأن عقلك وتفكيرك هما العقل والتفكير السليمان المجردان عن الخطأ والهوى، واللبس فى الفهم وقلة الإدراك !!.
إنَّ أهل الجاهلية عبدة الأصنام كانوا يرون أنفسهم على صواب..، والفرس عبدة النار كانوا يرون أنفسهم على صواب..، والروم عبدة المسيح كانوا يرون أنفسهم على صواب.. ولم يكن الحق مع فرقة منهم..، بلْ إن الحق هو ما جاء به رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من عند اللَّه…
فالحكم الصحيح والمنطق السليم والإدراك المعتدل إنَّما يكون بشرع اللَّه تعالى وأحكامه التى أنزَلَها فى كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم فلا يصحُّ الا ما قال عنه الشرع إنَّهُ صحيح..، ولا يبطلُ إلا ما قال الشرع عنه إنَّهُ باطل..، فهذا هو الميزان المعتدل من عند اللَّه تعالى..، ولذلك كانت صلاحية الشرع لكل زمان..، ولكل مكان ولكل مجتمع.. ولكل عقل..، فهو لكُلِّ البشر عموما حتى قيام الساعة..، مع اختلاف ألوانهم وأجناسهم..، وهو لا يتأثر بعادات مجتمع ولا تقاليده ولا أفكاره ولا علمه ولا جهله.. وإنَّما اللَّه تعالى خلق البشر وهو الأعلم بهم وبما يصلحهم.. (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (الملك-14)، فهو سبحانه الأعلم بالجسد والنفس والروح وما يصلحها وما يفسدها…
لذلك فليس هناك ميزان لعقلك ومنطقك إلا ميزان الشرع، وحكما للشرع، لذلك يقول اللَّه تعالى فى سورة الرحمن: (وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ)
فهو ميزان واحد..، هو شرع اللَّه تعالى.، وهو ثابت لا يتغير، قد اسْتُكْمِلَ وأُتِمَّ ببعثة خاتم الأنبياء والمرسلين عليهم جميعا صلوات اللَّه وتحياته وسلامه..، فمن أقام شرع اللَّه فى نفسه وفى مجتمعه فقد أقام الوزن بالقسط..، ومن مال عن ميزانه إلى الهوى فقد أخسر الميزان كما يقول تعالى..
فإن قال قائل بأن الميزان المقصود فى القرآن إنَّمَا هو ميزان الموجودات والتناسق بينها بدليل قوله تعالى فى سورة الحجر-19: (وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ)..،
أو كما يقول علماء الطبيعة بأن المادة لا تفنى وأنها ثابتة فى الكون تتحول من صورة إلى صورة ومن مادة إلى طاقة ومن طاقة إلى مادة، ولكنها ثابتة موزونة لا تزيد ولا تنقص..، فإنِّى أوافق على هذا التفسير!!!، ولكن من قال إن آيات اللَّه تعالى ليس لها إلا وجه واحد للتفسير.
يجب أن تعرف أنَّ الآيات التى لا تحتمل إلا وجها واحدا للتفسير هى فى الغالب آيات الأحكام والتشريع كالصلاة والصيام وحدود الحرام والحلال، وذلك حتى لا يختلف الناس فى تفسيرها فيحرِّمَ قوم ما يحله آخرون، وتتدخل الأهواء، والجهل وقلة الإدراك، ويؤدى كل هذا إلى سوء تفسير وفهم سقيم، لذلك يقول تعالى فى سورة النساء-59: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) ويقول فى سورة الشورى -10: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ) ويقول فى سورة الأحزاب-36: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ)
أمّا الآيات التى ليس فيها تشريع ولا أحكام أو التى تتحدث عن آيات اللَّه فى الكون، ففهمها متروك للقارئ، ولإكرام اللَّه تعالى له طالما أن التفسير لا يخرج عن شرع اللَّه قيد أنملة، واختلاف المفسرين الأوائل فى معانى بعض الآيات خير دليل على ما نقوله.
فشرع اللَّه تعالى هو الميزان.. وهو المرجع.. وهو الحكم العدل..
لذلك فإن التفكير السليم.. والتدبر الحكيم.. وقوة النفس على الإدراك انما يكون كل ذلك مرجعه واساسه هو شرع اللَّه تعالى..، انظر إلى قوله تعالى فى سورة الشورى-13: (شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ)
وخلاصة القول هو أنَّ من اتبع منطقه وهواه فقد ضَلَّ وَأَضَلَّ.، ومن اتبع شرع اللَّه تعالى فهو على نور من ربه وبصيرة..
فهذا هو نور اللَّه تعالى الذى يفرق به الناس بين الحق والباطل وبين الخطأ والصواب، انظر إلى قوله تعالى فى سورة المائدة: (قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) ويقول فى سورة النساء-174: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً) ويقول فى سورة الأنعام -91: (قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدًى لِلنَّاسِ)
فمن الواضح ان شرع اللَّه تعالى هو النور الهادى للعقل البشرى.. وهو الذى يخرجهم من ظلمات الجهل إلى نور المعرفة.
وعلى هذا فإن قوة الإدراك فى النفس.. وقوة تدبيرها وتفكيرها إن لم تكن مستمدة من شرع اللَّه تعالى ونور كتابه وأحكامه وحرامه وحلاله وتوجيهاته..، فإنما هى فى ظلام وجهل..، وكم فى القرآن الكريم من آيات تؤكد هذا المعنى لمن يعتبر..
فالمؤمن الحق هو الذى يستمد آراءه وأحكامه من شرع اللَّه تعالى وليس من عادات المجتمع وتقاليده..، (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) (الأنعام-116)
وأكثر الناس لا يعلمون..، أو يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة غافلون.
وعلى هذا فإن النفس الناطقة إن لم تكن على علم كافٍ بشرع اللَّه تعالى وحدوده فلا يُعْتَمَدُ على قوتها التفكيرية ولا منطقها.، لذلك يقول صلى الله عليه وسلم إن العلم بالتعلم، وهذا هو العلم المنقول المكتسب الذى يصقل قوة النفس ويهديها إلى الصراط المستقيم وهو شرع اللَّه تعالى، فالكافر أو الفاسق أو من لا يلتزم بتعاليم الإسلام لا تأخذ منه لا منطقا ولا تفكيرا سليما..، يقول تعالى فى سوة الكهف-28: (وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً) ويقول فى سورة النجم –الآيات 29-30: (فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (29) ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ اهْتَدَى)
فمن لم يتعلم شرع اللَّه ويستنر بنور شرعه فى إدراكه ومنطقه وتفكيره فقد كان أمره فرطا.
وهذا ما قصدناه فى الباب الأول عندما ذكرنا لك تعبير الإدراك المعتدل فالإدراك المعتدل هو الإدراك المستنير بنور شرع كتاب اللَّه تعالى وأحكامه.

نور هدى اللَّه فى القلب:
ذكرنا فيما سبق نور الشرع المكتسب بالتعلم من كتاب اللَّه وأحكامه..، ولكن هل هذا هو فقط نور اللَّه الذى يهدى به المؤمن؟!!
الجواب لا، بلْ إن هناك نوراً آخر من اللَّه تعالى..، ولكنه غير مكتسب بجهد ولا بحيلة بلْ موهوب منه تعالى…
لقد قلنا فيما سبق أنَّ من قوى النفس قوة خطيرة هى قوة الخيال وفيها يكون حديث النفس، وفيها يكون الإلهام والوحى..، وكذلك الوسواس الذى هو من الشيطان…
روى الترمذى والنسائى عن عبد اللَّه بن مسعود قوله صلى الله عليه وسلم” إن للشيطان لَمَّةً يا ابن أدم، وللمَلَكِ لَمَّةً، فأمَّا لَمَّةُ الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأما لَمَّةُ الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من اللَّه تعالى فليحمد اللَّه، ومن وجد الأخرى فليتعوذ باللَّه من الشيطان”، ويقول صلى الله عليه وسلم فى الحديث المتفق عليه” إن الشيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدم” ويروى الإمام أحمد وكذلك مسلم عن ابن عمر قوله صلى الله عليه وسلم” إن قلوب بنى آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب وأحد يصرفه حيث يشاء”.
ويقول تعالى فى سورة الأنعام -125: (فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ)، قيل وكيف يشرح اللَّه صدره يا رسول اللَّه فقال: “هو نور يقذفه اللَّه تعالى فى قلب العبد فتنبسط له الجوارح بالطاعات” أو كما قال صلى الله عليه وسلم.. ويقول اللَّه تعالى فى سورة الأنفال-29: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً) ويقول فى سورة الحجرات الآيات 7-8: (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمْ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمْ الرَّاشِدُونَ (7) فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)
وواضح مما سبق من الأحاديث والآيات وكثير مثلها أنَّ الفعال الحقيقى لما يريد هو اللَّه تعالى، فهو يشرح صدر من يريد هدايته..، وهو الذى يحبب الإيمان إلى قلوب عباده.، وهو الذى يكرِّهُ لَهُمْ الكُفْرَ والفسوق والعصيان.، وإنَّ القلوب بين إصبعين من أصابع قدرته جَلَّ وعلا..
ولو نظرت إلى أفعال العباد والتى هى أساس الحساب فى الثواب والعقاب يوم القيامة، وحاولت أن تتدبر كيف يُحْدِثُ العبد الفعل أو يأتى بالعمل لوجدت هذا التسلسل الآتى:
يبدأ الأمر بخاطر فى النفس.. إمّا خاطر شيطانى أو خاطر رحمانى فالخاطر الشيطانى هو الذى يأمر بالشر والمعصية.، والخاطر الرحمانى هو الذى يأمر بالخير والطاعة.، ثم يظل هذا الخاطر يزيد قوة فى نفسك حتى تنعقد النية على الفعل..، ثم العزم على الفعل ذاته، ثم الفعل نفسه الذى تفعله بالجوارح..
فالباعث الأول للفعل هى الخاطر الذى يأتيك..، وهذا الخاطر أنت لا تستطيع ان تجلبه بنفسك ولا أن ترده بنفسك، الا إذا جاءك خاطر آخر مخالف له، فالخواطر تدفعها الخواطر..، وأنت بين الخاطرين الأول والثانى لا حول لك ولا قوة اللَّهم إلا بقوتك الفكرية..، فإذا كانت قوتك الفكرية مستنيرة بنور الشرع وأحكامه كان لك فى نفسك وازعا إلى الخير..
وقد سبق القول أن قوة النفس الخيالية هى موضع استقبال تلك الخواطر والوسوسة والإلهام..، وعلى هذا فإن أفعالك كلها مصدرها وأساسها قوة نفسك الخيالية…، وهذه الخواطر هجومية عليك.. من اللَّه تعالى بلا مقدمات بلْ هى بين إصبعين من اصابع الرحمن.. جلت قدرته..
فإن كان الغالب على هذه الخواطر أنَّها رحمانِيَّة.. فذلك هو الخير لك، وان كان الغالب عليها أنَّها شيطانية فذلك هو الشر…
وهذا هو نور اللَّه تعالى الذى يقذفه فى قلب العبد المؤمن.. من عنده تعالى بلا اكتساب من العبد.. ولكن هدية ونفحة من رحمة اللَّه.. وهذا هو النور الحقيقى حيث يقول صلى الله عليه وسلم” اتقوا فراسة المؤمن فإنَّه ينظر بنور اللَّه ” كما رواه الديلمى، وروى الديلمى أيضا عن السيدة أم سلمة قول الرسول صلى الله عليه وسلم:” إذا أراد اللَّه بعبد خيراً جعل له واعظاً من نفسه يأمره وينهاه”.. فهو مهدى باللَّه مستبصر به وبنوره، ألا ترى إلى قوله تعالى فى سورة النور-35: (اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ)
فنور اللَّه تعالى هو نور الهداية ونور البصائر.. ونور القلوب الذى به يعرف العبد الخير من الشر..، والذى من حرم منه فقد صار أعمى..، وصار له عين لا يبصر بها..، فإنّها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التى فى الصدور.. أى القلوب التى ترى بنور اللَّه تعالى، بنور هدايته فافهم…
ورغم أن هذا النور الموهوب من اللَّه تعالى هو منحة منه جَلَّ شأنه.، إلا أن هناك طرقاً لاستجلابه أيضا..، مثل طاعة اللَّه وتقواه..، يقول تعالى فى سورة البقرة -282: (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ)
فكل ما يستطيع أن يفعله العبد هو ان يجعل قلبه محلا لنور اللَّه تعالى بالطاعة والتوجه إليهِ ثم ينتظر بعد ذلك فضل اللَّه عليه…
ومن هذا ترى أنَّ نور هداية اللَّه نوعان..
الأول مكتسب بالتعليم وهو نور شرع اللَّه.،
والثانى موهوب منه تعالى لمن اتقاه وأطاعه،
فإذا اجتمع النوران فى نفس العبد فهنيئاً له،” نور على نور”..، نور ظاهر من الشرع..، ونور باطن من اللَّه تعالى..، يهدى اللَّه لنوره من يشاء.
وان كان العبد متزيناً بنور الشرع فقط عالما بأحكامه وحلاله
وحرامه..، فإنما هو فى جهاد كبير مع نفسه، ومع خواطره حتى يستقيم حاله.
وإن أحبَّ اللَّه عبدا، وسبق كرمه إليهِ فهداه لنوره الباطن فقد فاز فوزا عظيما، وحينئذ فإن اللَّه تعالى يعلمه ويهيئ له أسباب العلم الظاهر أيضا ويحفظ عليه الشريعة وأحكامها.. ويقول جَلَّ شأنه فى سورة الكهف – 65: (وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً).

من كتاب الايمان لعبد الله/ صلاح الدين القوصي

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *