حديث عالي عن الجسد والنفس والروح

ويقول تعالى فى سورة المؤمنون: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (15) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ)
ويقول عز من قائل فى سورة البقرة : (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قَالَ يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34) وَقُلْنَا يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36) فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)
ونستجلى من هذه الآيات الحقائق التالية :
أولا : أن اللَّه تعالى قد خلق آدم أبا للبشر من صلصال من حمإ مسنون ( الطين المحمى ).
ثانيا : أن اللَّه تعالى قد نفخ فيه من روحه .. وأمر الملائكة بالسجود له فسجدوا إلا إبليس.
ثالثا : أن اللَّه تعالى قد علم آدم الأسماء كلها بينما كان علم الملائكة قاصرا عن معرفتها.
رابعا : أن اللَّه تعالى قد خلق آدم وذريته ليكون الخليفة فى الأرض.
خامسا : أن اللَّه تعالى قد جعل نسل آدم من ماء مهين فى قرار مكين، ثم خلق النطفة علقة ثم خلق العلقة مضغة وخلق المضغة عظاما وكسا العظام لحما.. وبعد ذلك أنشأه خلقا آخر..
سادسا : أن اللَّه تعالى قدر الموت على بنى آدم، كُلٌّ إلى أجله.. ثم البعث يوم القيامة ليروا أعمالهم ويحاسبوا عليها.
سابعا : يكون الموت عندما تنفصل الروح عن الجسد انفصالا تاما، ونقول انفصالا تاما لأن هناك انفصالا غير تام يحدث عند النوم.. أمّا عند الموت، فيذهب كل جوهر إلى عالمه فالجسد الذى هو من طين يعود إلى الأرض التى خلق منها.. والروح تعود إلى بارئها جَلَّ شأنه.
ويقول صلى الله عليه وآله وسلم “إن أحدكم يجمع خلقه فى بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل إليهِ الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات ، يكتب رزقه وأجله وعمله وشقى أم سعيد ، فو الذى لا إله إلا هو إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها ، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى لا يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها” رواه مسلم.
وصدق رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم فقد اثبت العلم الحديث أنَّ الجنين لا تدب فيه الحياة إلا بعد مرور مائة وعشرين يوما من بداية الحمل.. وهى نهاية الشهر الرابع.. وقبل ذلك لا يكون به حراك.. ولكنه يتحرك عند نفخ الروح فيه كما يقول صلى الله عليه وآله وسلم.. وقبل ذلك يعتبر ميتا لا روح فيه.. وكذلك بعد الولادة.. يموت الإنسان.. إذا نزعت منه الروح.. فالروح هى مانحة الحياة للبدن..
فإذا نظرت لإنسان قد مات لِتوه ، فانك لا ترى فارقا بين الحى والميت سوى أن القلب قد توقف عن النبض.. ، والرئتين عن التنفس.. ولا يجرى الدم فى العروق.. فيبرد البدن ويفقد الميت كل حواسه..
فهل معنى هذا أن الروح كان مركزها القلب ، وتضخ مع الدم فى العروق فلما مات الإنسان وتوقف القلب وتوقف الدم ، لم تعد الروح تسرى فى البدن فخرجت منه وتركته ميتا..، أم أن الروح وهى فى مكانها فى الجسم هى التى كانت تأمر القلب بالنبض ، ودفع الدم فى العروق حاملا معه سر الحياة إلى الجسد كله.. ، فلما فارقت الروح الجسد لسبب ما.. ، توقف القلب عن النبض وتوقفت بالتالى أجهزة الجسم الحيوية فحدث الموت !!!..؟.
الحالة الأولى تحدث عندما يقتل الإنسان فيتلف الجسد ولا يسرى فيه الدم فتتركه الروح.
والحالة الثانية هى حالة الموت العادى حيث تفارق الروح الجسد فيتوقف القلب ولا يجرى الدم فى العروق ويموت..
وما يهمنا فى الافتراضين هو أن الروح هى المحرك للبدن، وهى التى تمدُّه بمقومات الحياة والمدارك والحركة.. أمّا الجسد فما هو إلا قالب مادى أرضى ترابى، خلقه اللَّه من طين، وجعل اللَّه له عينين ولسانا وشفتين وأحسن خلقه وتكوينه ، وجعله وعاء للروح لا يتحرك ولا يعيش فى الدنيا إلا بها.. فهو حى بها.. ميت بدونها..
ويقول الأطباء أنّ الموت يحدث أولا فى المخ ، وهو المسيطر على القلب وهو الذى يرسل الإشارات الكهربية إليهِ ، لتشغيله والائتمار بأمره ضعفا وقوة.. فإذا تعطل المخ تعطل القلب بالتالى ومات الإنسان لعدم سريان الروح فيه..
فهل معنى هذا أنَّ الروح التى نتكلم عنها يكون مكانها فى المخ وليس القلب !! وهى التى تأمر المخ ليرسل الإشارات إلى القلب بالنبض وسريان الدم، فإذا حدث الموت انفصلت الروح عن المخ وبالتالى لم يعد المخ قادرا على تشغيل القلب، فيتوقف القلب عن النبض ويتوقف الدم !!!..؟..
لقد سبقت الإشارة فى الباب الأول بأن المُخَّ ليس فيه سوى مراكز عصبية للحواس والإدراك وأنَّهُ يرسل إشارات كهربية إلى القلب وإلى الأعصاب.. ولكنه لا يزيد عن كتلة من الخلايا الفسفورية.. فكيف تتم الرؤيا وكيف يتم السمع والإدراك والفهم والتفكير ؟
وإذا كان اللَّه تعالى قد نفخ فى الإنسان من روحه.. والروح من اللَّه .. فلابد أن تكون كامِلَة مُكَمَّلَةً عارفة معرفة مؤمنة بطبعها، لأنها من اللَّه حيث يقول فى سورة الحجر-29 : (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي)
إذا كيف يكون الإنسان تارة مؤمنا وتارة كافرا وفيه روح اللَّه ، وهى مؤمنة بجوهرها.
وسؤال آخر : من المعلوم أنَّ الإنسان ينمو من الطفولة إلى الشباب.. إلى الكهولة.، ويتعلم مع نموه.. وتزداد مداركه وعلومه مع تقدمه فى السن.، فهل معنى هذا أنَّ الروح التى فيه كانت جاهلة فى بدايتها ، ثم تعلمت مع الزمن واتسعت مداركها ؟؟؟…
والسؤال الأول وهو كون الإنسان مرة مؤمنا ومرة كافراً، إجابته محل نظر وسوف يأتى تفصيلها..
أمّا السؤال الثانى عن تدرج معارف الروح فمرفوض بالقطع.. ذلك لأنَّ الروح من اللَّه تعالى.. كاملة عالمة بذاتها وبجوهرها لا يزيد علمها ولا ينقص.. هذا أمر بدهى.. أمّا الذى يزيد وينقص فهو الجسد الترابى.. انظر قول اللَّه تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ) (الروم- 54)
والمقصود هو الطفولة وضعفها.. والرجولة وقوتها.. والكهولة وضعفها..
ولكن قول اللَّه تعالى : (وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ) (النحل- 70) ، يدل على أنَّ هناك علما مكتسبا خلال هذه الحياة.. وأن الإنسان إذا بلغ أرذل العمر يبدأ فى فقد ما تعلمه واكتسبه.. ويكون من الواضح أنَّ هُناك علماً موجوداً أصلا فى الإنسان..وعلما آخر يُكْتَسَبُ خلال حياته المادية على الأرض..وسوف نتعرض بالتفصيل لكل منهما فيما بعد.
ولكن تساؤلنا يزداد حين نقرأ خطاب اللَّه تعالى فى القرآن الكريم للإنسان.. يقول تعالى فى سورة الانفطار: (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ)، ويقول فى سورة الحجرات: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)، ويقول فى سورة الأعراف : (يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ)
والقرآن الكريم ملئ بالنداء : يأيها الكافرون.. يأيها المؤمنون… وكل هذا مفهوم ولكن اللَّه تعالى لم يخاطب الروح مرة واحدة فى جميع القرآن الكريم.. ليس هناك فى القرآن أى خطاب للروح، ولا تكليف لها بعمل، ولا تأنيب على فعل، ولا أى ذكر من صفات حسنة أو قبيحة.
ولكننا نجد آيات كثيرة تخاطب شيئا آخر ومسمى مختلفا ألا وهى النفس.. يقول تعالى فى سورة الفجر : (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30))
ويقول فى سورة الشمس : (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا)
ويقول فى سورة يوسف – 53 : (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ)
وفى سورة القيامة: (وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ)
وفى سورة المدثر : (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ)
وفى سورة النحل -111 : (يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ)
وفى سورة الحشر -9 : (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)
ويقول فى سورة الطلاق-1: (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ)
ويقول فى سورة الإسراء – 25: (رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ)
ويقول فى سورة الأنبياء -35 : (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ)
وآيات كثيرة غير ما ذكرنا وكلها مخاطبة للنفس أو وصف لها.
فترى أن النفس هى محل الخطاب فى القرآن الكريم.. وهى مرة أمارة بالسوء ومرة لوامة.. ومرة مطمئنة.. وراضية.. ومرضية.. وهى محل التكليف والأوامر والنواهى ، وهى محل الحساب يوم القيامة والثواب والعقاب ، لذلك فقد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها..
وهى تموت.. وموتها هو خروجها نهائيا من البدن ، يقول تعالى فى سورة الزمر : (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)
وتزداد تساؤلاتنا بالتفكير فى آيات اللَّه تعالى المنزلة فى كتابه الكريم..، فاللَّه تعالى فى معرض الحديث عن آياته فى الكون واستجلاء حقائقها يذكر مسميات أخرى مثل القلب واللب والنهى والبصيرة والعقل كما فى الآيات التالية :
(فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (الحج-46)
(كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (المطففين-14)
(إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا) (الكهف-57)
(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ) (ق-37)
(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى) (طه-54)
(أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى) (طه-128)
(وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) (البقرة-269)
(فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) (المائدة-100)
(أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ) (الزمر-18)
( وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ) (الملك-10)
(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (الرعد-4)
(وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) (يونس-100)
(بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ) (القيامة-14)
(قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي) (يوسف-108)
وتلاحظ أن الآيات تشير إلى التدبر والتفكر وأنه إنما يكون بالقلب ولأولى النهى ولأولى الألباب وأولى البصائر.. فهذه المسميات هى محل الهواية والغواية فى الإنسان.. فما هى صلتها بالنفس أو الروح!!.
فإذا أردنا ان نعيد تنظيم تساؤلاتنا نقول :
ما هى النفس أو الروح !! وأين مكانها !! وما صلتها بالجسد !!
وما هى قواها الخفية التى تدرك بها وتتعامل بها مع عوالم الملكوت أو عوالم الغيب !!
وما صلتها بالقلب واللب والنهى !!
وأحب أن أشير قبل الإجابة على هذه الأسئلة إلى أن قول اللَّه تعالى فى سورة الإسراء- 85 : (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي)، ليس فيه منع من الحديث عنها ، خاصة إذا كان فى هذا الحديث سبيل إلى معرفة نفسك ومعرفة ربك وسبل الإيمان باللَّه تعالى.. ولكن اليهود كانوا قد سألوا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم عن ماهية الروح.. فكانت الإجابة أنَّها من أمر ربى.. لأن ما فيها من أسرار خفية لا تطيقها ذات البشرى وعقله المحدود.. وعلى العموم فقد كان المقصود بالسؤال فى الآية الكريمة هو الروح الذى يقول اللَّه عنه فى سورة النبأ (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا)
كما أورد ذلك بعض المفسرين.. وليست المقصودة الروح التى نتكلم عنها…، ولقد كتب كثير من علماء المسلمين عن الروح مثل ابن القيم.. وأبو حامد الغزالى وابن سينا وغيرهم.. ، ولو كان الحديث عنها ممنوعا لما تكلموا عنها ، وهم أهل تقوى وورع إن شاء اللَّه .
واتباعا لأسلوبنا فى هذا الكتاب فسوف نبتعد عن المصطلحات المعقدة التى يستعملها المتخصصون فى هذا المجال وسوف نكتفى بالعرض المنطقى المبسط واستعارة أقل ما يمكن من تعبيراتهم.. واللَّه المستعان.
• النفس الحيوانية :
وقد عرفوها بأنها جسم لطيف بخارى يحمله الدم الصادر من تجويف القلب المادى ، ويسرى مع الدم فى العروق وباقى أجزاء الجسم..
وهى المسئولة عن الحس والحركة فى الجسد والإدراك المادى وغير المادى فيه.. ففيها قوة الإبصار وقوة السمع وقوة الشم.. إلى آخره، وكذلك الإحساس المشترك أى المشترك بين الإنسان والحيوان وكذلك هو المشترك بين النوم واليقظة.
وهذه المقومات توجد فى الإنسان كما هى فى الحيوان ، ولكن بدرجات متفاوتة..، فإن من الحيوانات من يعيش فى قاع البحر حيث الظلام الدامس، نظرا لعدم وصول أشعة الشمس إلى قاع البحر وبالتالى فليست له عينان لانهما لا ضرورة لهما فى عيشته..، وكذلك تجد بعض الحيوانات يمتاز بحاسة شم أقوى من الإنسان بكثير كالكلاب مثلا ، فإن حاسة الشم عندها متميزة بقوة خاصة لا توجد فى الحيوانات الأخرى.. كما أنَّ حاسة السمع عند القِطِّ مثلا تزيد بثمانية أضعاف قوة حاسة السمع عند الإنسان..، وسبحان من أعطى كل شئ خلقه ثم هدى…
وقد سبق القول بأنَّ هذه الحواسَّ المادية ينتهى عملها بمجرد نقل ما تحس به إلى المخ ، فالعينان مثلا ينتهى عملهما بانطباع الصورة المصغرة المقلوبة على الشبكية فى قاع العين ونقل الأعصاب لها إلى مراكزها الخاصة فى المخ..، وينتهى هنا دور إحساس النظر، أمّا الذى يقوم بترجمة هذه الصورة إلى أصلها الحقيقى ومعرفة شخصها وتمييزها من غيرها والاحتفاظ بصورتها لمعرفتها فيما بعد إذا تكررت أمامها.. فهذا هو ما يسمى بالإدراك.. وسوف نشرحه فيما بعد..
وقد سبق القول بأنَّه توجد فى المخ مراكز عصبية للإحساس البصرى والسمعى والذوقى وخلافها..، ولكنه لا يستطيع أن يميز هو بذاته هذه الأحاسيس ولا أن يُتَرْجِمَهَا..، ذلك لأنَّ الذى يقوم بترجمتها وحفظها فى الذاكرة هى النفس وليس المخ..، فالنفس بقوتها التى هى غير مرئية هى التى تسيطر على المخ الحيوانى اللحمى المادى ، فتأخذ من مركز إحساسه ما يراه ويسمعه ويشمه لتعطيك بعد ذلك معناه وقوته ولونه وأوصافه كلها.
حيث إن العلم الطبى البشرى إنما منتهاه هو تشريح المخ ودراسة خلاياه ولا يستطيع الوصول إلى النفس ، لذلك فإن منتهى علمه يكون بالمخ وخلاياه.، ولكنه لا يستطيع أن يقترب من حاجز النفس ، ولذلك ما زالت تساؤلاته قائمة عن كيفية ترجمة إشارات مراكز الإحساس بالمخ.
وبهذا التفسير المبسط نستطيع أن نفسر عملية الموت بأنَّها لا هى موت المخ ولا هى موت القلب وتوقفه عن النبض.. ولكنها تحدث أساسا بترك النفس للجسد..، فيتعطل المخ فورا ولا يستطيع أن يرسل إشاراته إلى القلب لتوقفه عن الإدراك والإحساس لخروج الطاقة التى تغذيه ألا وهى النفس كما قلنا فيموت المخ.. ويليه توقف القلب وعدم سريان الدم فى الجسد ثم المظاهر الأخرى للموت ، وهذا إذا كان الموت طبيعيا ، أمّا فى حالة القتل أو الحوادث التى تتلف الجسد فجأة ، فإن تلف الجسد أو جزء هام منه كالكبد أو القلب مثلا يجعله غير صالح لسريان الدم فيه..، فإذا توقف الدم أو سال خارج الجسد لم تجد النفس لها مركبا تعيش وتتحرك فيه فتترك الجسد لأنه قد أصبح مسكنا غير صالح لها.. وتتكرر مظاهر الموت السابقة.
ومن هنا كان عقاب الإسلام الشديد لإتلاف الجسد وقتل النفس .. وذلك لأنه بإتلاف الجسد الذى هو وعاء النفس خرجت منه وهى كارهة لخروجها .. وهى لم تخرج إلاَّ لِتَلَفِ مَنْزِلها وهو الجسد..
واعلم أنّ النفس ليست مقصورة ولا محبوسة فى الجسد كالمادة فى الوعاء، فليس الجسد حاويا لها.. بحيث أنَّهُ لو أنّ إنسانا قطعت رجلاه مثلا فإن نفسه يقتطع منها جزء على قدر الرجلين ..، فليس الأمر كذلك..، إنَّما النفس مكتملة فى الجسد سواء كان كاملا أو ناقصا..، فهى مكتملة فيه كله ومكتملة فى الجزء الحى المتبقى منه أيضا..، فهى ليست محصورة بأعضاء الجسم.. كما انها ليست خارجة عنه ، لانها لو خرجت لمات الجسد كما اسلفنا .. فهى إذاً لا محصورة فيه ولا خارجة عنه بالمعانى المتعارف عليها..، ولكن الأفضل أن نقول إنَّ لها إشرافا وتشوفًا وتعلقا بالجسد وتدبيراً لشئونه من إحساس وإدراك وذلك بكيفية ما…، ولا تنتهى علاقتها به تماما إلاَّ عند الموت فقط، أَمّا عند النوم فهى خارجة منه حُكْما بكيفية مخصوصة، ولكن ما زال لها إشراف وتدبير له ..، ومازال هناك شعاع وارتباط بينها وبين الجسد ، والدليل هو أنَّ النائم وإنْ كان لا يسمعُ، إلاَّ أنَّكَ إذا أحدثتَ جلبة وضوضاء كبيرة حوله فإنه يستيقظ ، فهو لا يدرك إدراكه فى اليقظة.، ولكنه يزال على درجة من الإدراكِ وهو نائم .. وذلك لعلاقته القائمة مع النفس وهو نائم.

من كتاب الايمان لعبد الله/ صلاح الدين القوصي

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *