عالم الملك أو عالم الشهادة

 

عالم الملك أو عالم الشهادة
يُعرَفُ عالمُ الشهادة بأنَّه جميع الموجودات فى الكون التى يمكن أن تدركها بحواسك المادية، وهى كما هو معلوم : السمع، والبصر، واللمس، والذوق، والشم ..، فكل ما تراه ببصرك مجردا أو مستعينا بآلة مكبرة كالميكروسكوب أو التلسكوب .. وكل ما تسمعه بأذنك مجردة أو بجهاز كالراديو مثلا يعتبر من الموجودات المادية التى هى جزء من عالم الشهادة أو عالم الملك كما يطلق عليه أحيانًا.
وقد اتسعت المعرفة بعالم الشهادة فى عصرنا الحديث، وذلك بعد اختراع الأجهزة والمعدات التي ساعدت هذه الحواس على إدراك ما لم يكن من الممكن إدراكه بها مجردة من قبل..، فالجراثيم تلك الكائنات المتناهية فى الصغر لا ترى بالعين المجردة، ولكن يمكن رؤيتها باستخدام الأجهزة الحديثة المخصصة لهذا الغرض …
والأكثر من هذا أنَّ هُنَاكَ نُجوما تراها الآن تلمع فى السماء ولكنها فى الحقيقة قد فنيت منذ زمن بعيد وهى غير موجودة حاليا، ولكن شعاعها الذى أرسلته إلينا منذ كانت موجودة ما زال يصل إلى الأرض قاطعا المسافة بين هذه النجوم والأرض فى مئات أو آلاف السنين ولم يصل إلى الأرض أو أعيننا إلا اليوم، بينما أصله ومصدره قد باد وفنى ..
وعلى العكس من ذلك فإن هناك نجوما قد ولدت وتكونت منذ زمن وهى الآن موجودة فعلا ولكنها لا ترى من على الأرض لأن أشعتها التى ترسلها ما زالت فى الطريق إلينا بسرعة ثلاثمائة ألف كيلو متر فى الثانية .. ولم تصل بعد إلينا !!! ولكن العلماء بأجهزتهم الخاصة قد أثبتوا فناء الأولى ونحن نراها ووجود الثانية ونحن لا نراها.
ومقصود كلامنا أنَّه ليس من الضروري أن تدرك عيناك كل الموجودات..، بلْ هناك موجودات تحتاج إلى أجهزة خاصة لرؤيتها .. وكذلك ليس كل ما تراه هو موجود فعلا وقت رؤيته .

وهذه الأمم .. لابد أنها عاقلة ومنظمة ويلزم لها بالضرورة لغة مشتركة لكى تتفاهم بها وتدبر أمورها ..، ألم ترَ كيف كلمت النملة قومها تحذِّرُهُمْ من قوم سيدنا سليمان بجيشه، وخوفها من أن  يقتلهم الجيش

ومرة أخرى يتكرر الأمر فى السمع . فالخفاش مثلا يرسل ذبذبات عالية التردد من موجات فوق صوتية وبها يستعين على الطيران حيث يرسل هذه الذبذبات ويستقبلها بعد اصطدامها وانعكاسها إليهِ بالحوائط والحواجز التى حوله فيعرف بعدها عنه فلا يصطدم بها.
والدلفين . هو حيوان بحرى ضخم كالحوت – يستخدم لغة خاصة قوامها إرسال ذبذبات عالية التردد فى الماء والهواء وبها يتفاهم مع بنى جنسه .
وهاتان الظاهرتان لم تدركهما أسماع البشر العادية .. ولكن الأجهزة التى صممت لهذا الغرض تستقبلهما وتسجلهما أيضا …
وسبحان الذى أعطى كل شيئ خلقه ثم هدى …
ويقول اللَّه تعالى فى سورة الأنعام : (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ)
وهذه الأمم .. لابد أنها عاقلة ومنظمة ويلزم لها بالضرورة لغة مشتركة لكى تتفاهم بها وتدبر أمورها ..، ألم ترَ كيف كلمت النملة قومها تحذِّرُهُمْ من قوم سيدنا سليمان بجيشه، وخوفها من أن  يقتلهم الجيش حيث قالت (النمل – 8 ) : (يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ)
كذلك أنت ترى النحل فى حركة دائبة وكل من فى الخلية يؤدى دوره فى دقة متناهية امتثالا لأمر اللَّه تعالى: (وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنْ اتَّخِذِي مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنْ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)
وأنت لا تسمع النمل يتكلم ولا تعرف كيف ينظم النحل خلاياه وأعماله وواجباته .. وكذلك أنت لا تفهم لغة الطير …
ولكنَّ نبى اللَّه سليمان عليه السلام قد علمه اللَّه تعالى هذه اللغات فسمع النملة وفهم كلامها وقال ( النمل – 19) : (فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ)
ويقول القرآن الكريم على لسان سيدنا سليمان(النمل – 16): (وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ…)
وقد كلمه الهدهد وأنبأه بخبر ملكة سبأ كما روت قصتها سورة النمل فى القرآن الكريم …
ويقول سيدنا عبد اللَّه بن عباس رضى اللَّه عنه فى شرح الآية الكريمة التى تشير إلى أمم الحيوان والطير ..” وإن فيهم لابن عباس مثلى” .. يقصد أن فيهم علماء أيضا وأن أفراد كل أمّة منهم يتفاوتون فى الجهل والعلم .
ومن المتواتر عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه قد كلم الجمل، وكلمه الذئب وكلمه الضب . وحن إليهِ جذع النخلة الذى يستند إليهِ فى مسجده الشريف فى خطبة يوم الجمعة، وسمع له أنين ونحيب كما ذكر فى الصحيحين ( البخارى ومسلم ) وذكره ابن كثير فى البداية والنهاية باب دلائل النبوة، وكل هذا كان بخاصيَّةٍ خاصة وإكرام مخصوص من رب العالمين لمن يصطفى من أنبيائه ورسله ومن يشاء من عباده .. فلا حرج على فضل اللَّه .
وليس الأمر قاصرا على الحيوان والنبات ..، فاللَّه جَلَّ شأنه يقول (الرعد-13): (وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ)
 إذاً الرعد مخلوق .. يسبح اللَّه تعالى .وتعريف الرعد أنَّه مجرد صوت … ينتج من التقاء السحاب المحمل بالشحنات الكهربية السالبة والموجبة، فينتج البرق اللامع نتيجة للتفريغ الكهربى بين السحب، يحدث الرعد نتيجة لهذا التفريغ الهائل الكم والحجم.، فالرعد لا يزيد عن الصوت العادى .، مثله مثل أى طرقة على الباب أو أى صوت آخر ناتج عن أى مسبب ..
وقياسا عليه يكون كذلك نبض القلب فى الجسد، فإنك تسمعه بأذنك المجردة أو بالجهاز الطبى الخاص .، فهل يجوز لنا أن نقول إن نبضات القلوب تسبح اللَّه تعالى مثل الرعد وكلاهما صوت !!
أقول نعم . فأى صوت كان هو مخلوق يسبح اللَّه تعالى، شأنه شأن أى مخلوق آخر، وسبحان سامع كل صوت، وسابق الفوت، ومن لا يشغله شأن عن شأن .
فمن الواضح أن هناك مخلوقات تراها .، ومخلوقات تراها وتسمعها .، ومخلوقات تسمعها دون أن تراها .، وكل هذا إذا اضفنا إليهِ الجمادات يسمى بعالم المُلْك أو عالم الشهادة .
فالجماد ساكن لا ينمو، ولكن قد يتحرك بنفسه كالشمس والقمر .، وقد يتحرك بغيره كباقى الجمادات …، والنبات له نمو وحركة فى اتجاه وأحد وله حياه وموت، والحيوان له نمو وحركة فى كل اتجاه وكذلك له حياه ونمو وموت…

الإدراك فى كائنات عالم الشهادة
يقول جَلَّ شأنه فى سورة الإسراء : (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً) ويقول فى سورة التغابن : (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فاللَّه سبحانه وتعالى يبين لنا أنَّ كل من وما فى الأرض والسماوات يسبحه جَلَّ شأنه .. ويقول فى سورة البقرة : (وَإِنَّ مِنْ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) ويقول ( سورة الأعراف -143) : (فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً…) وذلك عندما طلب سيدنا موسى رؤية ربِّهِ جَلَّ وعلا، فلمَّا تجلَّى اللَّه تعالى بالكيفية التى تليق بجلاله على الجبل الصخر الشديد البأس فجعله دكاً.. ولم يحتمل هذا الجبل التجلى الإلاهى .
ويقول صلى الله عليه وآله وسلم عن جبل أحد” إنَّه يحبنا ونحبه” كما رواه البخارى، عندما صعد عليه رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم ومعه أبوبكر وعمر وعثمان فاهتز بهم الجبل خاطبه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بقوله” اسكن أحد إنما عليك نبى وصديق وشهيدان” .
فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم يكلِّمُهُ الجبل، والجبل يُحِبُّهُ، والحجارة تهبط من خشية اللَّه، والجبل يندك من التجلى الإلاهى عليه .
بلْ وأكثر من هذا نرى فى القرآن الكريم إشارات ومعان دقيقة يهبها اللَّه تعالى لمن يشاء من عباده فهما وذوقا وعلما وادراكا وذلك لمن كان له قلب أو القى السمع وهو شهيد .
ويقول اللَّه تعالى فى الحديث عن آلِ فرعون بعد غرقهم فى سورة الدخان : (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمْ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ) أى أن السماء والأرض تحزن وتبكى !!
والذى يبكى فى موقف معين يكون قادراً على الرضا فى موقف مغاير .. فإذا لم تبك السماء والأرض على آل فرعون نظرا لكفرهم وإلحادهم، فلعلها تبكى وتحزن على موت الصالحين المؤمنين، ويؤكد هذا المعنى قول رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم وهو يحدث أصحابه عن ضمة القبر للميت عقيب الدفن، فيروى الإمام أحمد فى مسنده أنَّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم قال “إن للقبر ضمة لو سلم أو نجا منها أحد لنجا سعد بن معاذ” .
ولقد قال شارحو هذا الحديث – واصفا – إن ضمة القبر للمؤمن بأنها كحنان الأم على ولدها بعد طول غيابه حبا وشوقا إليهِ، وضمة القبر للكافر تختلف فيها أضلاعه من شدة الضم ومن كراهية الأرض له.
فالأرض تحنو .. وتغضب .. وتبكى .. وهى فوق ذلك شاهدة يوم القيامة على أعمال العباد الصالحة وغير الصالحة .

وأهمية الإدراك هو أنَّهُ المترجم الحقيقى لكلِّ الحواسِّ من نظر وشم وسمع وخلافها، فالعين مثلا هى آله تطبع فيها الصور فقط، بلْ وتكون الصورة مصغرةً ومقلوبة على الشبكية ولا يتجاوز طولها المليمترات فقط، ولكن الإدراك هو الذى يترجم هذه الصور إلى حجمها ووضعها الطبعى الحقيقى وألوانها الطبعية ثم معرفة مسميات أصحابها

ويخاطب اللَّه سبحانه وتعالى الأرض والسماء حيث يقول فى سورة فصلت: (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) ويقول (فى سورة هود-44) : (وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي) والجبال تسبح مع سيدنا داود عليه السلام(سبأ-10): (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ) ويقول (فى سورة يس -38 ): (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا) فالواضح أن الجمادات تسبح اللَّه تعالى .. وتحس وتدرك .. وتبكى .. وتخشى اللَّه تعالى .
ويقول تعالى (فى سورة الرحمن-9) : (وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ) والنجم هو النبات الذى ليس له ساق، فالنبات يسبح ويسجد للَّه تعالى وقد اثبت العلماء مؤخرا ان له شعورا كذلك . وهو كائن حى بلا شك .
والحيوان قد خلقه اللَّه تعالى على درجة ثابتة من العلم والتسبيح له جَلَّ شأنه .. وهو بالطبع يُحسُّ وَيَعِى .. انظر إلى قصة الفيل فى جيش أبرهة عندما أراد ان يهدم الكعبة .. لقد برك الفيل فى وادى يسمى بوادى محسر .. حسر الفيل وبرك وأبى أن يتقدم لبيت اللَّه الحرام فإذا وجهوه وِجهة أُخْرَى قام يهرول .. فإذا وجهوه إلى الكعبة أبى المسير وبرك . إنَّهُ يعقل ويعرف ما هو مقبل عليه، ويعرف حرمة بيت اللَّه تعالى، فإن قلت لى إنَّه لا يعقل ولا يفهم ولكنه أمر اللَّه أقعده فى مكانه، قلت لك فما بالك فى ناقة رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم عندما وصل مهاجرا إلى المدينة المنورة وأهل المدينة يتسابقون إليها ويمسكون بخطامها، يريدون إناختها عندهم، واستضافة رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم، ماذا قال لهم الرسول ؟؟ قال “دعوها فإنّها مأمورة” أى مأمورة بالمكان الذى سيحل فيه رسول اللَّه، فكانت تمشى وتتلفت يمينا و يسارا، وكأنها تتأكد من المكان، ثم بركت فى المكان الذى أراده اللَّه تعالى، أمام بيت أبى أيوب الأنصارى، وذلك كما رواه البيهقى وابن إسحاق وغيرهما، أليس هذا إدراكا منها .
واللَّه جَلَّ شأنه يُجْمِلُ كُلَّ هذا فى الآية الكريمة فى سورة الحج: (أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِوَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ)
فأنت ترى أنك محاط بموجودات لا نهاية لها ولا حصر لأنواعها ولا حد لتنوعها ما بين أفلاك وجماد وحيوان ونبات وأصوات ومخلوقات تناهت فى الكبر والضخامة ومخلوقات تناهت فى الصغر والدقة، وكلها تشعر وتحس وتسبح اللَّه تعالى وتسجد لنور وجهه الكريم وكُلٌّ قد علم اللَّه صلاته وتسبيحه .. وكيف لا وهو جَلَّ شأنه الذى خلقها وعلمها وهداها لصلاتها وتسبيحها . وسبحان الذى أعطى كل شيئ خلقه ثم هدى .
ويبقى من خلق اللَّه تعالى ابن آدم، تارة يذكر اللَّه تعالى، وتارة ينساه ويغفل عنه، إنَّه كان ظلوما جهولا، ظالم لنفسه، ساهٍ عن ربه، جهولا بعظمة اللَّه وجلاله، إلا من رحم ربى وهداه إلى ذكره وشكره وحسن عبادته، ولا حول ولا قوة الا باللَّه العلى العظيم ..
فعالم الشهادة أو عالم الملك هو كل هذا الكون العظيم والموجودات التى تشاهدها بعينك المجردة أو بصنعة تعينها على الرؤية.. والتى تسمعها بأذنك المجردة أو بآلة تزيد قدرتها على السمع .. أو تدركه بأية حاسة من الحواس كأن تتذوق الملح فى ماء البحر أو تشم الطيب فى الهواء .
يقول تعالى فى سورة آل عمران : (إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ) ويقول فى سورة الأنعام : (وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) ويقول فى سورة يونس: (وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) ويقول فى سورة هود: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ)، وكيف لا .. واللَّه تعالى هو قيوم السموات والأرض .. والقائم على كل نفس .. والمدبر لهذا الكون العظيم، فسبحان من لا يشغله شأن عن شأن، ولا تأخذه سنة ولا نوم جَلَّ جلال اللَّه ..
والعجيب أن كل هذه الموجودات على تنوعها وعظمتها وقوتها .. كلها مسخرة بأمر اللَّه لك أنت أيها الإنسان .
يقول اللَّه تعالى فى سورة البقرة: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) ، ويقول فى سورة النحل (الآيات 12-16) (وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (12) وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (13) وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (14) وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (15) وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ)
 ذلك أنك أنت الخليفة فى الأرض، والخليفة له السيطرة وله الانتفاع بما استخلف فيه، وذلك إذا أحسن القيام بواجبات خلافته وحافظ على حدودها وآدابها …
يقول تعالى (البقرة -30): (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً)، فأنت الخليفة فى الأرض .. فإن شئت قمت بالخلافة كما يجب .. وان شئت ضيعتها.
ويقول ربُّ العزة والجلال فى سورة التين : (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ)
فالإنسان إذا ليس على درجة واحدة، بلْ هو يتراوح ما بين أحسن تقويم .. وأسفل سافلين، وكم بين هاتين الدرجتين من درجات . وكم فيها من صفات يرتفع الإنسان بها إلى أحسن تقويم أو ينزل إلى أسفل سافلين .
وحيث إننا نرى الصورة البشرية واحدة لا تتغير، فكل إنسان له نفس الجسد المشابه للآخر بوجهه .. وعجزه .. ويديه .. ورجليه إلى آخر الصورة الآدمية، فيكون من البدهى أنَّ المقصود بأحسن تقويم وأسفل سافلين أنهما درجتان ليستا من الصورة البشرية المادية .. ولكنهما صورتان معنويتان لنفس الصورة البشرية الموحدة، أى إن هناك صفات معنوية غير مرئية تضاف إلى الصورة المادية أو تنزع منها فترفعها إلىأحسن تقويم أو تنزل بها إلى أسفل سافلين .
ويؤكد هذا المفهوم الاستثناء المذكور فى الآية الكريمة
“إلا الذينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ” فهؤلاء مستثنون من الارتداد إلى أسفل سافلين .. والسبب أنَّهُم آمَنُوا .. وعملوا الصالحات ..
وعلى هذا يكون الارتداد إلى أسفل سافلين إنَّمَا هو على قدر درجة كفر الإنسان أو مستوى أفعاله من المعاصى الكبائر أو الصغائر …
اللَّهم يا عظيم الشأن يا ساطع البرهان .. إنى وجهت وجهى إليك.. وسلمت أمرى إليك وألجأت ظهرى إليك .. رهبة ورغبة إليك .. آمنت برسولك الذى أرسلت .. وكتابك الذى أنزلت .. لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك ..

خلافة الإنسان فى الأرض
الخلافة للإنسان على الأرض لا شك فيها .. ولكن الإنسان بطبيعته البشرية الطينية ضعيف ..، فهو لن يخرق الأرض ولن يبلغ الجبال طولا.، ولن يطير فى الهواء كالطير السابح بها، ولن يقوى على الحديد الذى فيه بأس شديد .. هو محدود الطاقة، فكيف تتسنى له الخلافة فى الأرض …
من المنطقى البدَهِىِّ أن يكون الخالق العظيم رب كل هذه الموجودات قد أمده بسر من عنده تعالى وهيأه لهذه الخلافة، ولابد أن يكون هذا السر مميزاً لابن آدم عن بقية الموجودات، يقول تعالى فى سورة الإسراء: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً)، وواضح أن هذا التفضيل ليس مطلقا .، وبالتالى فإن الخلافة عن اللَّه تعالى ليست مطلقة ..، ذلك أن طاقات الإنسان محدودة مهما اتسعت، وللَّه سبحانه وتعالى عوالم لا تعد ولا تحصى، ولا يستطيع البشر مهما علا قدرهم أن يدركوها كلها فلابد أن يكون هناك فرق بين العبودية والألوهية .. عبودية الإنسان الخليفة .. وألوهية الخالق جَلَّ شأنه .. فليس كل إنسان بشرى هو الخليفة الكامل للَّه تعالى فى الأرض، بلْ إنَّ حظه من هذه الخلافة إنَّما يكون على قدر إيمانه وعمله الصالح..
ومن البدهى على هذا الأساس ألا يكون الكفار والملحدون الذين يصفهم اللَّه تعالى بأنهم كالأنعام بلْ هم أضل .. هم خلفاء اللَّهِ فى الأرض ..
ورغم ذلك فإننا لا ننكر أن من هؤلاء الكفار الذين هم فى أسفل سافلين قد يكون لبعضهم أثر فى هذه الخلافة التى ذكرت فى القرآن الكريم .. فإن الإنسان مكرم مهما كانت درجته .، فقد نفخ اللَّه تعالى فيه من روحه جَلَّ شأنه وكرم صورته .. ولقد كان رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم إذا رأى جنازة مؤمن أو كافر تمر عليه يقوم واقفا، كما رواه البخارى ومسلم” إذا رأيتم الجنازة فقوموا لها حتى تخلفكم أو توضع”، كما كان ينهى صلى الله عليه وآله وسلم عن التمثيل بجثث القتلى من الكفار .. وذلك احتراما للصورة البشرية وما فيها من نفخة الروح الربانية .
ولكن مقصود كلامنا هو أن الخلافة فى الأرض لها درجات لا نهاية لها . وهى ما بين أحسن تقويم وأسفل سافلين.، وأن هذه الخلافة تستلزم وجود صفات معنوية فى الإنسان تقل وتزيد حسب درجة خلافته أو العكس بمعنى أن تكون خلافته على قدر ما فيه من هذه الصفات، وإن هذه الصفات المعنوية إنما هى درجة إيمانه باللَّه تعالى ومستوى طاعته لأوامره جَلَّ شأنه، أو هى بإختصار درجة معرفته باللَّه تعالى .
فالخليفة الكامل فى الأرض يمده اللَّه بلا شك بقوى وصفات من عنده تعالى تجعله قادرا على الانسجام والتآلف مع الموجودات الأخرى، وأول هذه الصفات هى قدرة الإنسان على رؤية هذه الكائنات وسمعها والتفاهم معها وفهم أسرارها واستجلاء معالمها وعوالمها الظاهرة والباطنة، وأعلى هذه الصفات هى تسخيرها والتآلف مع باطنها وحكمة وجودها وإدراك صلاتها وتسبيحها .
فإن قلت إن العلماء الكفار قد يستجْلُون بعض أسرار هذه الكائنات الموجودة، نقول لك شتان ما بين علم الكفار بهذه الأمور، وبين ما نقصده من علم المؤمنين بتجليات اللَّه تعالى فى هذه الكائنات …
ولقد قال عفريت من الجن لسيدنا سليمان عليه السلام (النمل-39) عندما طلب إحضار عرش بلقيس ملكة سبأ: (قَالَ عِفْريتٌ مِنْ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ) وذلك بخاصية قد خلقها اللَّه تعالى فى الجن .. ولكن الذى عنده علم من الكتاب وهو من البشر ويقال إنه وزير سليمان قال له (النمل -40) : (أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ)، أى فى لمحة واحدة، وكلاهما صاحب قدرة .. ولكن وزير سليمان عنده سرٌّ خاص .. فشتان ما بين الاثنين وشتان ما بين الطرفتين ..
وعلى أية حالة فإن العالم الكافر باللَّه قد يستجلى سر صنعة اللَّه تعالى فى موجوداته بسر قد أودعه اللَّه فيه من أسرار الخلافة أيضا .. وهو العلم مثلا .. واللَّه تعالى يقول (الإسراء 18-21) : (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً (18) وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً (19) كُلاًّ نُمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً (20) انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً) ويقول جَلَّ شأنه فى سورة الروم : (يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنْ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنْ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ)، ثم قال تعالى (فى سورة فاطر -28): (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)، بمعنى أنَّ العلماء باللَّه تعالى العارفين به هم الذين يخشونه، وعلى قدر علمهم باللَّه على قدر ما تكون خشيتهم .
فليس العلم كله واحدا .. صحيح أن العلم كله من اللَّه يوزعه حسب طاقة خلقه وعلى شاكلتهم، فهو للكافر والمؤمن، كل على قدره وعلى قدر ما هيئ له .. ولكن العلم باللَّه .. فهذا عزيز المنال .. ولا يمنحه اللَّه تعالى الا لمن يحبه ويصطفيه، ولذلك شرط اللَّه تعالى له شرط التقوى فقال (البقرة -282) : (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ)، كما وصف العبد الصالح فى سورة الكهف بقوله تعالى: (فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً)، فقد سبقت لهذا العبد الصالح رحمة خاصة من اللَّه تعالى، تلاها علم خاص من لدنه تعالى .
فهناك علم ليس هو بالتحصيل ولا بالكسب ولا بالدراسة، ولكنه بتقوى اللَّه تعالى وحسن عبادته وإكرام اللَّه تعالى للعبد، وهذا حدِّث عنه ولا حرج، امّا العلم الأول المكتسب فهو ظاهر من الحياة الدنيا فقط.. ولكن العلم الثانى هو ظاهر وباطن وسبحان المعطى الوهاب .
ولنضرب مثلا مبسطا للحالتين، مريض عرض على طبيبين أحدهما طبيب دنيوى عقلانى والآخر طبيب أخروى عقلانى، فالأول يصف الدواء ناظرا إلى خواصه فى محاربة الجراثيم وأثره فى جسم المريض، فإن شفى قال شفاه دوائى .. وإن فشل وصف له علاجا آخر والتمس الأعذار لفشل العلاج الأول .. أمّا الطبيب المؤمن فإنه يصف الدواء عارفا بمقوماته وخصائصه فى محاربة الجراثيم، ولكنه ناظر ومتأكد من أن الشفاء من اللَّه تعالى، فإن نجح العلاج قال شفاه اللَّه لإيمانه بأن الشفاء من اللَّه وليس من الأسباب، وإن فشل وصف له العلاج الثانى، وقال له اللَّه هو الشافى وليس الدواء، فالطبيبان كلاهما قد أخذ بالأسباب، ولكن الأول ناظر إلى الدواء .. والثانى ناظر إلى رب الدواء..، متمثلا قول رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقول لأصحابه “داووا مرضاكم بالصدقة”، كما رواه الديلمى عن ابن عمر، وهنا العجب فأى أثر للصدقة إلى فقير محتاج على مريض يعانى من علة نزلت بجسده !!! ولكنه الإيمان وسر قدرة اللَّه تعالى .
فانظر رحمك اللَّه كيف يربط سيدنا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم فى أذهان الناس الصلة بين الماديات والروحانيات، بين الصدقة وفعل الخير وما يقاس عليهما وبين العِلل وأسبابها المادية ..
وما نريد ان نصل إليهِ – وقد أطلنا فى مقدمته – هو أن عالم الملك أى عالم الشهادة، وما فيه من كائنات يستلزم لإدراكه ومعرفته أن يكون الإنسان فى أحسن تقويم، أو على الأقل فى تقويم حسن، فيجب ان تكون حواسه حسنة وأهم من ذلك ان يكون إدراكه حسنا.
وأهمية الإدراك هو أنَّهُ المترجم الحقيقى لكلِّ الحواسِّ من نظر وشم وسمع وخلافها، فالعين مثلا هى آله تطبع فيها الصور فقط، بلْ وتكون الصورة مصغرةً ومقلوبة على الشبكية ولا يتجاوز طولها المليمترات فقط، ولكن الإدراك هو الذى يترجم هذه الصور إلى حجمها ووضعها الطبعى الحقيقى وألوانها الطبعية ثم معرفة مسميات أصحابها ..
ونفس الوضع بالنسبة لباقى الحواس المادية، فهى أنَّما تنقل إلى المخ إشارات فقط لا فيها لون ولا رائحة .. امّا تعريف وتمييز هذه الإشارات وتعبيرها فهذا من شأن الإدراك الذى هو فى المخ كما يقولون..
فإذا تمادينا فى تساؤلنا عن دور المخ، فإننا نجده لا يزيد عن خلايا حية ذات تركيب خاص وبه إشارات كهربية لا غير .. صحيح أن فيه مراكز أعصاب خاصة بكل حاسة، فالبصر له مركز .. والسمع له مركز .. والشم له مركز وهكذا .. ولكن يظل السؤال أينَ المترجم لهذه الإشارات !!! إنَّكَ لو شرحت مخ أى إنسان لن تجد به مكتبة فيها مراجع عن الألوان، ولن تجد به مراجع عن الأصوات، ولا الروائح .. ولن تجد إلاَّ كتلة من الخلايا .. فأين الإدراك ..؟ أين التمييز ..؟ .
والعجب أنك لو كنت مستغرقا فى عمل ما، وطرق أحدهم عليك الباب، فإنك قد لا تسمعه وتعلل ذلك باستغراقك فى ذلك العمل ..وهذا صحيح، ولكن السؤال هو : أين كان سمعك وأنت مستغرق فى عملك بيدك وعينك وليس بسمعك ؟؟ أليس أذناك هما أذناك سواء عند استغراقك فى عمل أو عدم استغراقك فيه ؟، فلماذا لم تسمع الطرق على الباب !! .
كذلك قد تصاب بجرح فى معركة .. ولكنك لا تشعر بالجرح ولا بألمه إلا بعد انتهائها !! أين كان احساسك خلال المعركة !!! هل تغير فيك شيئ من الناحية الحسية أثناء وبعد المعركة !!! بالطبع لم يتغير شيئٌ مادى .. ولكن فى الواقع إن الذى تغير بالفعل هو إدراكك أو تمييزك أثناء وبعد المعركة .. وأثناء استغراقك فى عمل ما، فمن الواضح أنَّ مُعَوَّلَ الأمر كله على الإدراك .. وليس على الأعين ولا الآذان ولا الحواس، وسبحان من يقول فى سورة ( الأعراف-179 ) : (وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا) ويقول (فى سورة الأعراف -198) : (وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ)، ثم يصف الكافرين فى سورة البقرة -171 بأنّهم : (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ)
ومعنى هذا أن الكفار لهم آذان ولكنهم لا يسمعون بها، فكأنما ليس لهم آذان .. وكذلك ليس لهم أعين وليس لهم لسان .. لأنهم لا يسمعون كلام اللَّه .. ولا يرون آياته .
إذا من هو الأعمى ومن هو البصير ؟ ! لا شك أن البصير هو المؤمن والأعمى هو الكافر .
ومن هو السامع ؟ ! إنه المؤمن والأصم هو الكافر .
ومن هو المتكلم ؟ ! إنه المؤمن والأبكم هو الكافر .
بلْ من هو الحى ومن هو الميت ؟ ! .
يقول تعالى يصف الكافرين فى سورة ( الأنعام -122 ) : (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا)، ويقول لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم فى كلامه عن الكافرين أيضا فى سورة النمل : (إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (80) وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ)، ويقول فى سورة فاطر -22 : (وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ)
فالكفار أمواتٌ .. بلْ هم فى القبور .. أى قبور أنفسهم المادية ..
وخلاصة القول أن المستجلى لعالم الملك والشهادة ومخلوقات اللَّه وآياته فى خلقه لا بد من أن يكون ذا إدراك سليم، فإذا نقص إدراكه عن الكمال نقصت مشاهداته ونقص علمه ونقصت خلافته فى الكون بنفس المقدار .. فلا يرى من عالم الشهادة ولا يفهم من عالم الملك، لأنه لا يستجلى آيات اللَّه فيه إلاَّ على قدر إدراكه ..
أمّا كيف يكون إدراكه حسنا ومتكاملا فذلك ما سنتعرض له فيما بعد بإذن اللَّه تعالى .

من كتاب الايمان لعبد الله/ صلاح الدين القوصي

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *