العلماء وفتنة الحكم والحكام

السلطة هي القدرة على فرض إرادة ما على إرادة أخرى. وتمثل الدولة السلطة التي تعلو على سلطة أي جماعة أخرى في المجتمع.
والحياة في المجتمعات هي التي جعلت من الضروري أن توجد سلطة تؤمن النظام والأمن وتوفّر العمل المستمر وتنسق العلاقات بغية تحقيق مصلحة المجموع.
وفي الدولة الحديثة سلطات عديدة كالسلطة التنفيذية، والسلطة التشريعية، والسلطة القضائية، والسلطة السياسية. وهذه السلطة الأخيرة هي أهم أنواع السلطات الحديثة. وهي قد تتمثل في حزب أو في تنظيم سياسي أو في رئيس الدولة، غير أنه كلما اتسعت قاعدة تمثيل السلطة السياسية، كانت هذه السلطة أكثر نفعاً وجدوى للمجتمع، وكانت أكثر استقراراً.

فتن السلطة:
إن فتن السلطة من الكثرة بما لا يمكن أن يُحصى أو يُعد، حصل من ذلك ما حصل قديماً، ويحصل ما يحصل منه حديثاً، مما يخرج على المألوف ويتجاوز كل ما هو معروف.
والأخطر من كل ذلك أن هذه الفتن على تعاظمها وتنوعها، باتت تهدد كل مشروع إسلامي بالإجهاض بالرغم من اعتداله ووسطيته وعقلانيته وواقعيته خطاباً وأداءً.
والأهم من هذا وذاك هو اكتشاف هذه الفتن، واستكشاف خلفياتها وأسبابها الحقيقية، والمبادرة إلى الأخذ بكل متطلبات العلاج..
وسأحاول تحت هذا العنوان تلمس معظم الفتن التي أصابت أهل الدين قبل وصولهم إلى السلطة وبعد ذلك، وعلى الله التكلان.

فتنة مقاربة الحكام:
إن مقاربة أهل الدين للحكام ومعاشرتهم، سلاح ذو حدّين، فإما أن يفضي إلى نصح الحكام وإصلاحهم وهذا مطلوب ومشكور، وإما أن يؤدي إلى إفساد أهل الدين وفساد دينهم، وإحباط مشروعهم، وصولاً إلى استيعابهم، وهذا مذموم مرفوض، ومخيف وخطير.
عادة ما تكون مجالسة الحكام بعيدة عن الخير إلا من رحم ربك، وهؤلاء قليل في عصرنا هذا.. بل إن معظم الحكام هم نسيج مشروع مريب، ومستوعبين من قوى كبرى بجهل أو بعلم.
و أهل الدين الذين يبلغون مواقع القرار وبخاصة (المجالس النيابية) مضطرون لأن تكون لهم علائق بالسلطات التنفيذية وبالحكام والوزراء لمتابعة شؤون الناس، وقضايا الأمة.
فإن بقيت العلائق ضمن هذه الدوائر وتلك الحدود، دونما إسراف في المجالسة، أو إمعان في المعاشرة، أو تلذذ في المنادمة.
بل إن هذه العلائق إن سخرت لاستيعاب هؤلاء (الحكام) والتأثير بهم، أو الاستيعاب منهم، فإن في ذلك ذلك الخير الكبير والأجر الجزيل. ولكن القليل من أهل الدين المؤهلين لذلك.
ويحضرني في هذا المقام ما أورده الإمام (أبو الفرج عبد الرحمن الجوزي) في كتابه “صيد الخاطر” وهو يتحدث عن تجربته في نطاق مقاربة الحكام حيث قال: (كنت في بداية الصبوة قد ألهمت طريق الزهاد بإدامة الصوم والصلاة.. وحُببت إلى الخلوة، فكنت أجد قلباً طيباً، وكانت عين بصيرتي قوية حادة. فانتهى الأمر بي إلى أن صار بعض ولاة الأمور يستحسن كلامي، فأمالني إليه، فمال الطبع، ففقدت تلك الحلاوة..
ثم استمالني آخر فكنت أتقي مخالطته ومطاعمه لخوف الشبهات، وكانت حالة مريبة.. ثم جاء التأويل فانبسطت فيما يباح، فانعدم ما كنت أجد من استنارة وسكينة، وصارت المخالطة توجب ظلمة في القلب، إلى أن انعدم النور كله. فاجتذبني لطف مولاي بي إلى الخلوة على كراهة مني. ورد قلبي على بعد ونفور عني، وأراني عيب ما كنت أؤثره، فأفقت من مرض غفلتي).
إن هذه الحالة قد تصيب معظم الذين يسترسلون في المخالطة خوفاً أو طمعاً، وانجذاباً وراء حظوظ النفوس التي تهفو إلى الاستعلاء والوجاهة، فضلاً عن تحقيق المصالح الشخصية والمآرب الدنيوية..
فكم من (ملتزم أو شيخ) التقمته حيتان السلطة وابتلعته قصور السلاطين.. وكم من (داعية) التحق بالحكام وترك دعوته التي صنعته وخان الأمانة، ونكث العهد وطعن إخوانه في الصميم.
– قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “سيكون أمراء فسقة جورة. فمن دخل عليهم فصدّقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم فليس مني، وليس بوارد على الحوض”. رواه مسلم.
– وروى ابن خلكان عن الحسن البصري مع والي العراق ابن هبيرة قال: (لما ولي عمر بن هبيرة الفزاري العراق، وأضيفت إليه خراسان، وذلك في أيام يزيد بن عبد الملك، استدعى الحسن البصري ومحمد بن سيرين والشعبي.. فقال لهم: إن يزيد خليفة الله استخلفه على عباده، وأخد عليهم الميثاق بطاعته، وأخذ عهدنا بالسمع والطاعة، وقد ولاني ما ترون، فيكتب إلي بالأمر من أمره فأقلده ما تقلده من ذلك الأمر فما ترون؟
– فقال ابن سيرين والشعبي قولاً فيه تقية، قال ابن هبيرة: ما تقول يا حسن؟ فقال: يا ابن هبيرة خَفِ الله في يزيد، ولا تخف يزيد في الله، إن الله يمنعك من يزيد وإن يزيد لا يمنعك من الله، وأوشك أن يبعث إليك ملكاً، فيزيلك عن سريرك ويخرجك من سعة قصرك، إلى ضيق قبرك، ثم لا ينجيك إلا عملك. يا ابن هبيرة، إن تعص الله فإنما جعل الله السلطان ناصراً لدين الله وعباده، فلا تركبن دين الله وعباده لسلطان الله، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق). (أبو الحسن الندوي “رجال الفكر والدعوة”).
– ويروى عن عمرو بن عبيد أنه قال للمنصور: إن الله أعطاك الدنيا بأسرها، فاشتر نفسك ببعضها، واذكر ليلة تمخض عن يوم لا ليلة بعدها، فوجم أبو جعفر من قوله فقال له الربيع: يا عمرو، غممت أمير المؤمنين، فقال عمرو: إن هذا صحبك عشرين سنة لم ير عليك أن ينصحك يوماً واحداً، وما عمل وراء بابك بشيء من كتاب الله ولا سنة نبيّه. قال أبو جعفر: فما أصنع قد قلت لك: خاتمي في يدك فتعال وأصحابك فاكفني، قال عمرو: أُدْعُنا بِعَدْلِك، تُسخُ أنفسنا بعونك، ببابك ألف مظلمة. اردد منها شيئاً نعلم أنك صادق.

تحذيرات تحذيرات تحذيرات: موجهة لأهل الدين الملتزمين والعلماء

فتنة الصراع والاقتتال والاستئثار بالسلطة من أشد الفتن خطراً، وأعظمها ضرراً على أهل الدين، في دينهم ودنياهم، وعلى الإطلاق، ما يدخلهم دائرة الصراع والاقتتال الدموي، لإثبات الذات، والاتئثار بالسلطة.
فلكم أريقت دماء وانتهكت حرمات، وتشكلت عداوات بين أبناء الصف الواحد، والفصيل الواحد.. على امتداد التاريخ الإسلامي.
إن هذه الظواهر المقززة الشنعية أدت وتؤدي، في العصر الحديث، إلى إجهاض المشاريع الإسلامية في عدد من الأقطار التي كانت أمل أهل الدين في كل مكان، بل أمل المسلمين أجمعين.
في أفغانستان:
كائناً ما كانت الأسباب والذرائع التي تقف وراء الفتن التي ذرّت قرنها في هذا البلد الإسلامي الحبيب، وبمن نعرف من ألأحباب، والذين كانوا في بداية الجهاد الأفغاني صفاً واحداً، وقلباً واحداً، وقيادة واحدة.. فإنها لا تعدل شيئاً، مقابل ما تسببه من سخط الله وغضبه، وحلول نقمته وعقوبته..
فما أن سقط النظام الشيوعي وانسحبت القوات العسكرية السوفياتية من أفغانستان، وبدأت المشاورات والخطوات التمهيدية لتشكيل السلطة، حتى انقلبت المعادلات، وظهرت الخلافات، واستشرت الفتن، وبدأت المحن، وأصبح بأس أهل الدين بينهم أشد وأضرى مما كان على عدوّهم!!
لا تغيب عني وأنا أكتب هذه الكلمات.. المؤامرات المختلفة والمتعددة والمتنوعة، التي حيكت للإيقاع بينهم، وللوصول بهم إلى ما وصلوا إليه.. إلا أن ذلك يمكن تجاوزه والالتفاف عليه من خلال (الإيثار لا الأثرة)، ومن خلال (الخوف من الله لا الاجتراء عليه)، ومن خلال المحافظة على (الحب والأخوة في الله)، و(الاعتصام بحبله)، والحرص على الوحدة ولو بالتنازل عن بعض المكاسب السلطوية، فضلاً عن تنقية الصف من الدخلاء، وتحصينه من الاختراق.

خاتمة.. ودعوة للمعالجة:
من المحتوم أن هنالك أسباباً ظاهرة، وأخرى خفية أدت إلى حدوث هذه المآسي والفواجع. والواجب الشرعي يفرض إيلاء هذه القضية الاهتمام الأكبر، ووضعها في مطلع الأولويات على الإطلاق.
.. وحسبنا أن نذكر في الختام بقوله تعالى: (وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين(46)) (الأنفال).
.. وقوله سبحانه: (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم(105)) (آل عمران).
.. كما نذكر بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض، ويلعن بعضكم بعضاً”، وقوله صلى الله عليه وسلم: “إذا اقتتل المسلمان.. فالقاتل والمقتول في النار”. وقوله: “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر.. فلا يروّعن مسلماً”.

فتحي يكن

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *