التوحيد الحق بعيدا عن الحلول والإتحاد 1

( 14 ) الكونُ كلُّه ظُلْمةٌ وإنَّما أنارَهُ ظهورُ الحقِّ فيه فمن رأى الكونَ ولم يشهدُهُ فيه أو عنده أو قَبْلَه أو بَعْدَه فقد أَعْوَزَهُ وجودُ الأنوارِ وحُجبَتْ عنه شموسُ المعارفِ بسُحُبِ الآثار

أي أن الكون بالنظر إلى ذاته كلُّه ظلمة أي دم محض لأنه لا وجود له بذاته وإنما أناره أي أوجده ظهورُ الحق تعالى فيه أي ظهور إيجاد وتعريف لا ظهور حلول وتكييف بمعنى أنه تجلى عليه بذاته وقال له كن فكان وهو قادر على إعدامه في الحال والاستقبال فليس ثمَّ إلا مبدع الأكوان

ثم أن من الناس مَنْ حجبه الكونُ أي المكونات عن المكون تعالى فلم يشهده سبحانه أي فلم يشاهد تأثيره فيه وهو الذي قد أعوزه أي فاته وجود الأنوار فصار محتاجاً لها لفقدها عنده وحجبت أي غابت عنه شموس المعارف أي المعارف التي هي كالشموس في إظهار الأشياء والكشف عن حقائقها فإضافة شموس إلى المعارف من إضافة المشبه به للمشبه كإضافة سحب إلى الآثار أي الآثار – جمع أثر – بمعنى المكوَّنات الشبيهة بالسُّحب بضمتين جمع سحاب قد منعتْ عنه المعارف الشبيهة بالشموس الكاشفة عنه الحقائق الموصلة إلى حضرة القدوس ومن الناس من لم يحجبه الكون عن المكوِّن سبحانه وتعالى بل شهده فيه بتأثيره وعنده بحفظه وتدبيره وهؤلاء الذين يشهدون الأثر والمؤثر معاً . ومنهم من شهده قبله وهم الذين يستدلون بالمؤثر على الأثر . ومنهم من شهده بعده وهم الذين يستدلون بالأثر على المؤثِّر وهذه الظروف المذكورة في كلام المصنف ليست زمانية ولا مكانية فإن الظروف من جملة الأكوان بل هي اصطلاحات ليس المراد منها ظاهرها عند ذوي العرفان وإنما تدرك بالذوق لا بالتعبير . فقف عند حدك وتمسك بقوله تعالى: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } ( 11 ) الشورى

(15) مما يَدُلُّك على وُجُودِ قَهْرِه سبحانه أن حَجَبَك عنه بما ليس بموجودٍ معه

أي ما يدلك – أيها المريد – على أنه سبحانه القاهر فوق عباده أن حجبك بفتح همزة أن المصدرية المنسكبة مع ما بعدها بمصدر أي حجبك عنه تعالى بالكون الذي ليس بموجود معه لأنك قد علمت أنه ظلمة أي عدم محض من حيث ذاته. فالوجود الحقيقي إنما هو لله تعالى وما سواه لا يوصف عند العارفين بوجود ولا فقد إذ لا يوجد معه غيره لثبوت أحدِيَّتِهِ ولا يفقد إلا ما وجد. وقال سيدي أبو الحسن الشاذلي: إنا لننظر إلى الله تعالى بنظر الإيمان والإيقان فيغنينا ذلك عن الدليل والبرهان ونستدل به على الخلق فإنه ليس في الوجود إلا الواحد الحق فلا نراهم وإن كان ولا بد فنراهم كالهباء في الهواء أن فتشتهم لم تجدهم شيئاً وقال سيدي محي الدين بن العربي: من شهد الخَلْق لا فِعْل لهم فقد فاز ومن شهدهم لا حياة لهم فقد حاز ومن شهدهم عين العدم فقد وصل ومما فيل في هذا المعنى:

من أبصرَ الخلْق كالسراب فقد ترَقَّى عن الحجابِ

إلى وجود يراه رَتْقَاً بلا ابتعادٍ و لا اقترابِ

ولم يشاهدْ به سِوَاه هناك يُهدى إلى الصَّوابِ

فارفع – أيها المريد – عنك هذا الحجاب واجعل تعلقك برب الأرباب. فإن كل شيء هالك إلا وجهه. ولا يضمن لك الوصول إلى الله إلا هذه الوجهة

(16) كَيْفَ يُتَصَوَّرُ أن يَحْجِبَهُ شيءٌ وهو الذي أظهر كل شيء؟ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ أن يَحْجِبَهُ شيءٌ وهو الذي ظهر بكل شيء؟ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ أن يَحْجِبَهُ شيءٌ وهو الذي ظهر في كل شيء؟ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ أن يَحْجِبَهُ شيءٌ وهو الذي ظهر لكل شيء؟ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ أن يَحْجِبَهُ شيءٌ وهو الظاهرُ قبل وجود كل شيء؟ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ أن يَحْجِبَهُ شيءٌ وهو أظْهَرُ من كل شيء؟ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ أن يَحْجِبَهُ شيءٌ وهو الواحد الذي ليس معه شيء؟كَيْفَ يُتَصَوَّرُ أن يَحْجِبَهُ شيءٌ وهو أقرب إليك من كل شيء؟ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ أن يَحْجِبَهُ شيءٌ ولولاه ما كان وجودُ كل شيء؟ يا عجباً كيف يَظْهَرُ الوجودُ في العَدَم؟ أم كيف يثبت الحادثُ مع مَنْ له وصْفُ القِدَم؟

بين المصنف في هذه الحكمة الأدلة التي تدل على أنه سبحانه لا يحتجب بالأكوان وأتى بها على وجه استبعاد أن يتصور ذلك في الأذهان فقال:


 

كَيْفَ يُتَصَوَّرُ أن يَحْجِبَهُ شيءٌ وهو الذي أظهر كل شيء: حيث إنه هو الذي أوجده بعد العدم وما كان وجوده متوقفاً عليه لا يصح أن يحجبه

 

وقوله: ظهر بكل شيء أي من حيث أن كل شيء يدل عليه فإن الأثر يدل على المؤثر

وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد

قال تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} (53) فصلت.

 

وقولُه: ظهر في كل شيء أي من حيث أن الأشياء كلها مجالي ومظاهر لمعاني أسمائه فيظهر في أهل العزة معنى كونه معزاً وفي أهل الذّلة معنى كونه مذلاً وهكذا…


وقولُه: ظهر لكل شيء أي تجلى لكل شيء حتى عرفه وسبحه. كما قال تعالى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ} (44) الإسراء.


وقولُه: وهو الظاهر قبل وجود كل شيء أي فهو الذي وجوده أزلي وأبدي فوجوده ذاتي والذاتي أقوى من العَرَضي فلا يصح أن يكون حاجباً له.


وقولُه: وهو أظهر من كل شيء أي لأن الظهور المطلق أقوى من المقيد وإنما لم يُدْرك للعقول مع شدة ظهوره لأن شدة الظهور لا يطيقها الضعفاء كالخفاش يبصر بالليل دون النهار لضعف بصره لا لخفاء النهار على حد ما قيل:

ما ضرَّ شمسَ الضحى في الأُفْقِ طالعةً أنْ لا يرى ضوءَها مَنْ ليس ذا بصر


وقولُه: وهو الواحد الذي ليس معه شيء أي لأن كل ما سواه في الحقيقة عدم محض كما تقدم. وقد قام البرهان على وحدانيته تعالى بقوله سبحانه: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} (22) الأنبياء.


وقولُه: أقرب إليك من كل شيء أي بعلمه وإحاطته وتدبيره. كما قال تعالى في كتابه المجيد: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} (16) سورة القرآن.


وقولُه: ولولاه ما كان وجود كل شيء هو بمعنى قوله أولاً وهو الذي أظهر كل شيء. ولكون المقصود المبالغة في نفي الحجاب لم يضر هذا التكرار لأن المحل محل إطناب.


ثم قال: يا عجبا كيف يَظْهَرُ الوجودُ في العَدَم أي يجتمع معه وهما ضدان. أم كيف يثبت الحادثُ مع مَنْ له وصْفُ القِدَم؟ حتى يكون حجاباً للعظيم المنان. قال ابن عباد: وهذا الفصل من قولِه: الكون كله ظلمة إلى هنا أبدع فيه المؤلف غاية الإبداع وأتى فيه بما تقر به الأعين وتلذ به الأسماع. فإنه – رضي الله عنه – ذكر جميع متعلقات الظهور وأبطل حجابية كل ظلام ونور وأراك فيه الحق رؤية عيان وبرهان ورفعك من مقام الإيمان إلى أعلى مراتب الإحسان. كل ذلك في أوجز لفظ وأفصح عبارة وأتم تصريح وألطف إشارة. فلو لم يكن في هذا الكتاب إلا هذا الفصل لكان كافياً شافياً فجزاه الله عنا خيراً


(33) الحق ليس بمحجوب وإنما المحجوب أنت عن النظر إذ لو حجبه شيء لستره ما حجبه ولو كان له ساتر لكان لوجوده حاصر وكل حاصر لشيء فهو له قاهر. {وَهُوَ الْقَاهرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} (18) الأنعام

يعني أن الحجاب لا يتصف به الحق سبحانه وتعالى لاستحالته في حقه. وإنما المحجوب أنت أيها العبد بصفاتك النفسانية عن النظر إليه فإن رمت الوصول فابحث عن عيوب نفسك وعالجها فإن الحجاب يرتفع عنك فتصل إلى النظر إليه بعين بصيرتك وهو مقام الإحسان الذي يعبرون عنه بمقام المشاهدة. وقد استدل المصنف على استحالة الحجاب على رب الأرباب بقوله: إذ لو حجبه شيء لستره ما حجبه أي عن النظر إليه ولو كان له ساتراً لكان لوجوده أي ذاته حاصر أي محيط به لاستلزام الساتر لانحصار المستور فيه وكل حاصر لشيء فهو له قاهر لأنه يجعله في أسر قبضته وتحت حكمه وذلك لا يصح في حقه تعالى لقوله في كتابه: {وَهُوَ الْقَاهرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} (18) الأنعام فوقية معنوية لا مكانية فإنه تعالى منزه عن الزمان و المكان

(36) شعاع البصيرة يشهدك قربه منك وعين البصيرة يشهدك عدمك لوجوده وحق البصيرة يشهدك وجوده لا عدمك ولا وجودك

يشير إلى ثلاث مراتب: فشعاع البصيرة ويعبر عنه بنور العقل وبعلم اليقين يشهدك قربه تعالى منك قرب علم وإحاطة فتستحي منه أن يراك حيث نهاك أو يفقدك حيث أمرك. وعين البصيرة ويعبر عنه بنور العلم وبعين اليقين يشهدك عدمك لوجوده الذي تضمحل الموجودات معه فإن وجودها عارية منه وعند ذلك لا يبقى في نظرك ما تستند إليه سواه فإنك إذ ذاك لا تشهد إلا إياه. وحق البصيرة ويعبر عنه بنور الحق وبحق اليقين يشهدك وجوده لا عدمك ولا وجودك فتكون في مشاهدة الحق حال كونك في مقام الفناء الكامل الذي تفنى فيه حتى عن فنائك استهلاكاً في وجود سيدك

وبعد الفنا في الله كن ما تشا فعلمك لا جهل وفعلك لا وزر

(37) كان الله ولا شيء معه وهو الآن على ما عليه كان

أي كينونة لا يصحبها زمان ولا مكان فإنهما من مخلوقاته والمراد بهذه الحكمة أنه لا شيء معه في أبده كما لم يكن معه شيء في أزله لثبوت أحديته. يوضح ذلك قوله فيما سيأتي: الأكوان ثابتة بإثباته ممحوة بأحدية ذاته

(51) لا عمل أرجى للقبول من عمل يغيب عنك شهوده ويحتقر عندك وجوده

أي لا عمل من أعمال البر أكثر رجاءً للقبول أي لقبول الله له وفي نسخة للقلوب أي لإصلاحها من عمل يغيب عنك شهوده لأنك إن غبت عن شهود عملك فقد بقيت حينئذ بربك وصار وجود العمل محتقراً عندك لاتهامك لنفسك في القيام بحقه. ولذا قال بعض العارفين: كل شيء من أفعالك إذا اتصلت به رؤيتك فذلك دليل على أنه لا يقبل منك لأن المقبول مرفوع مغيب عنك وما انقطعت عنه رؤيتك فذلك دليل على القبول. يشير إلى قوله تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} (10) فاطر

(52) إنما أورد عليك الوارد لتكون به عليه وراداً

أي إنما أورد الله عليك – أيها المريد – الوارد وهو ما يرد على قلبك من المعارف الربانية واللطائف الرحمانية. لتكون به أي بذلك الوارد المطهر لقلبك عليه سبحانه وارداً. فإن الحضرة منزهة عن كل قلب متكدر بالآثار متلوث بأقذار الأغيار. ولذا قال المصنف:

أي لا تطلب بأعمالك الصالحة عوضاً ولو في الآخرة. فإن الآخرة كون كالدنيا والأكوان متساوية في أنها أغيار وإن وجد في بعضها أنوار بل اطلب وجه الكريم المنان الذي كون الأكوان وفاءً بمقتضى العبودية وقياماً بحقوق الربوبية لتحقق بمقام: {وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى} (42) النجم. وهذا مقام العافين الذين رغبوا عن طلب الثواب ومحضوا النظر إلى الكريم الوهاب فتحققوا بمقام الإخلاص الناشئ عن التوحيد الخاص. وأما من فر من الرياء في عباداته وطلب بها الثواب فقد فر من كون إلى كون بلا ارتياب فهو كحمار الرحى أي الطاحون يسير ولا ينتقل عما سار منه لرجوعه إليه. وفي هذا التشبيه التنفير عن هذا الأمر ما لا مزيد عليه وانظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ” إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله ” أي نية وقصداً ” فهجرته إلى الله ورسوله ” أي صولاً. فلم يتحد الشرط والجزاء في المعنى. فقوله: ” فهجرته إلى الله ورسوله ” هو معنى الارتحال من

(53) أورد عليك الوارد ليستلمك من يد الأغيار ويحررك من رق الآثار

فالأغيار والآثار التي هي من أعراض الدنيا وشهوات النفس غاصبة لك لحبك لها وسكونك إليها. فأورد عليك الوارد ليستلمك قهراً من يد من غصبك ويحررك من ملكية من استرقك فتكون حينئذ صالحاً لعبوديته ومشاهداً لعظمة ربوبيته. كما قال المصنف:

(54) أورد عليك الوارد ليخرجك من سجن وجودك إلى فضاء شهودك

فإن وجودك الشبيه بالسجن هو شهودك لنفسك ومراعاتك لحظك. وشهودك الشبيه بالفضاء في السعة هو أن تغيب عن ذلك بمشاهدتك عظمة ربك. ولذا قال بعضهم: سجنُك نفسُك إذا خرجت منها وقعت في راحة الأبد

(58) لا تفرحك الطاعة لأنها برزت منك وافرح بها لأنها برزت من الله إليك. {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} (58) يونس

أي لا يكون فرحك بالطاعة لأجل كونها برزت منك فإنك إذا فرحت بها من هذه الحيثية أورثتك العجب المحبط لها لأنك شاهدت أنها بحولك وقوتك. وإنما يكون فرحك بها لأجل كونها برزت من الله إليك وتفضل بها عليك قال تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} (96) الصافات. ولذا استدل بآية: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} (58) يونس

(59) قطع السائرين له والواصلين إليه عن رؤية أعمالهم وشهود أحوالهم أما السائرون فلأنهم لم يتحققوا الصدق مع الله فيها. وأما الواصلون فلأنه غيبهم بشهوده عنها

يعني أن الله تعالى حجب السائرين له عن رؤية أعمالهم ومنع الواصلين إليه عن شهود أحوالهم. فهو لف ونشر مرتب. وخص الواصلين بالأحوال وإن كانت لهم أعمال لأن تلك الأحوال التي هي الأعمال الباطنة الصالحة أفضل من الأعمال الظاهرة فعبر في جانبهم بالأفضل. كما أنه عبر في جانب السائرين بالأعمال وإن كانت لهم أحوال أيضاً لمناسبة ذلك لهم فالسائر إلى الله لا يرى شيئاً من أعماله اتهاماً لنفسه بعدم كماله. والواصل غائب في شهوده حتى عن نفسه فإنه محال أن يراه ويشهد معه سواه. فقد أسبغ الله نعمته على الفريقين وأعطى الفريق الثاني أفضل المنزلتين

(63) من لم يقبل على الله بملاطفات الإحسان قيد إليه بسلاسل الامتحان

أي من لم يقبل على الله تعالى بسبب ملاطفاته هي الإحسان قيد بالبناء للمفعول أي قاده الله إليه بالامتحانات الشبيهة بالسلاسل. فالنفوس الكريمة تقبل على الله لإحسانه والنفوس اللئيمة لا ترجع إليه إلا ببلائه وامتحانه. ومراد الرب من العبد رجوعه إليه طوعاً أو كرهاً


(67) إذا رأيت عبداً أقامه الله تعالى بوجود الأوراد وأدامه عليها مع طول الإمداد فلا تستحقرن ما منحه مولاك لأنك لم تر عليه سيما العارفين ولا بهجة المحبين. فلولا وارد ما كان ورد



(68) قوم أقامهم الحق لخدمته وقوم اختصهم بمحبته {كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاء وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا} (20) الإسراء

أي قوم اختارهم الحق تعالى لخدمته حتى صلحوا لجنته وهم العابدون. وقوم اختصهم بمحبته حتى صلحوا لدخول حضرته وهم العارفون والمحبون. والكل منتسبون إلى خدمته لكن خدمة الأولين أكثرها بالجوارح والآخرين أكثرها بالقلوب على حسب ما يليق بكل من القسمة الأزلية التي منحها لهم علام الغيوب. كما قال تعالى: {كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاء وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا} (20) الإسراء أي ممنوعاً. فإذا شهد العبد انفراد الله تعالى بهذه الإقامة رجع عن الاحتقار فإن ذلك من الجهل بحكمة العزيز الغفار

(75) خير ما تطلبه منه ما هو طالبه منك

أي خير شيء تطلبه من الله تعالى ما هو طالبه منك من الاستقامة على سبيل العبودية له. فإن هذا خير لك من طلبك لحظوظك ومراداتك دنيوية كانت أو أخروية. ومن دعاء أبي القاسم الجنيد: اللهم اجعل غاية قصدي إليك ما هو لك ولا تجعل قصدي إليك ما أطلبه منك

(80) بسطك كي لا يبقيك مع القبض وقبضك كي لا يتركك مع البسط وأخرجك عنهما كي لا تكون لشيء دونه

أي بسطك مولاك – أيها العارف – كي لا يبقيك مع القبض الذي فيه قهر لنفسك وإن كان فيه نفع لك وقبضك كي لا يتركك مع البسط الذي فيه حظ لها وأخرجك عنهما بفنائك عن نفسك وبقائك به كي لا تكون لشيء دونه. فالقبض والبسط من الأحوال التي يتلون بها العارفون. وهما بمنزلة الخوف والرجاء للمريدين المبتدئين. وسببهما الواردات التي ترد على باطن العبد فإذا تجلى للقلب وارد الجلال حصل فيه القبض وإذا تجلى له وارد الجمال حصل فيه البسط. والمقصود هاهنا أنهما وصفان ناقصان بالنسبة إلى ما فوقهما وهو فناؤه عن نفسه وبقاؤه بالله. فإن بقاء العارف مع شيء من أوصافه المؤنسة أو المؤلمة حجاب عن مولاه

(89) جل ربنا أن يعامله العبد نقداً فيجازيه نسيئة

أي تعالى ربنا عن أن يعامله العبد بالعمل الصالح نقداً أي معاملة ناجزة فيجازيه نسيئة أي مجازاة مؤجلة فإن جزاء المعاملة لا يختص بالدار الآخرة بل ربما أظهر الحق تعالى منه لبعض أولياءه أنموذجاً يحملهم على الاجتهاد في الأعمال ومن أعظم المعجل مجازاته على الحسنة بالتوفيق لحسنة أخرى وبالحفظ من معصية يكون العبد بصددها ومن ذلك الحفظ من الآفات والمكاره ومنه ما أشار المصنف بقوله:

(90) كفى من جزائه إياك على الطاعة أن رضيك لها أهلاً

أي كفى من مجازاته سبحانه لك على الطاعة أن رضيك – أيها العبد – الضعيف أهلاً لها فإن خدمة ملك الملوك مما تتطاول إليها الأعناق فكونه رضيك لها من أعظم النعم التي امتن بها عليك الكريم الخلاق. ومن ذلك ما أشار له المصنف أيضاً بقوله:

(91) كفى العاملين جزاءً ما هو فاتحه على قلوبهم في طاعته وما هو مورده عليهم من وجود مؤانسته

أي كفاهم في المجازاة ما هو فاتحه على قلوبهم في حال طاعته من الإلهامات السنية والمواهب اللدنية حتى يجدوا حلاوة المناجاة مع الملك الخلاق التي يعبر عنها أهل الطريقة: بالأحوال والمواجيد والأذواق وكفاهم أيضاً ما هو مورده عليهم أي على قلوبهم من وجود مؤانسته البهية وسرور القلب بشهود صفاته الجمالية فإن هذا من علامة الرضوان الأكبر الذي يتلاشى عنده كل شيء ويحقر

(92) من عبده لشيء يرجوه منه أو ليدفع بطاعته ورود العقوبة عنه فما قام بحق أوصافه

يعني: أن من عبده تعالى لشيء يرجوه منه كالثواب أو ليدفع عن نفسه بطاعته ورود عقوبته يوم الحساب فما قام بحق أوصافه سبحانه لأن حق أو صافه أن يعبد لذاته لا طلباً لثوابه ولا خوفاً من عقابه فإن العبد يستحق عليه مولاه كل شيء ولا يستحق هو شيئا على مولاه وكان أبو حازم المدني يقول إني لأستحيي من ربي أن أعبده خوفاً من العذاب فأكون مثل عبد السوء أن لم يخف لم يعمل وأستحيي أن أعبده لأجل الثواب فأكون كالأجير السوء أن لم يعط أجر عمله لم يعمل ولكن أعبده محبة له آه. فإذا عمل المريد على ذلك كان عبداً لله حقاً فإن طلب منه الثواب أو استعاذ به من العقاب فإنما يكون ذلك انتجازاً لوعد ربه واتباعاً لما أذن له فيه من طلبه لفضله وإحسانه وكرمه وامتنانه لا أن رجاءه لحصول ذلك هو الباعث له على القيام بطاعته وملازمته لعبادته وهذا مذهب العارفين الواصلين إلى رب العالمين

(93) متى أعطاك أشهدك بره ومتى منعك أشهدك قهره فهو في كل ذلك متعرف عليك ومقبل بوجود لطفه عليك

أي متى أعطاك مولاك – أيها المريد – ما تريد أشهدك بره أي صفاته البرية التي تقتضي البر: من الجود والكرم واللطف والعطف ونحو ذلك. ومتى منعك أشهدك قهره أي صفاته القهرية التي تقتضي القهر: كالكبرياء والعزة والاستغناء. فهو في كل ذلك أي في كلتا الحالتين متعرف إليك أي مريد منك أن تعرفه بأوصافه الجمالية والجلالية ومقبل بوجود لطفه عليك لأن مشاهدتك لصفات برته وقهره لطف عظيم منه سبحانه بك ونعمة منه عليك. فإنه لا سبيل إلى معرفته إلا بتعرفه لعباده ولا يكون ذلك إلا بمقتضى صفاته سواء كان ذلك موافقاً لطبعهم وهو الإعطاء أو مخالفاً له وهو المنع. فمن كان عارفاً بربه لم يفرق بين المنع والعطاء لأن كلاً منهما له طريق توصله إلى معرفة مولاه. وهذا من جملة فتح باب الفهم في المنع كما مر فافهم

(94) إنما يؤلمك المنع لعدم فهمك عن الله فيه

أي إنما يؤلمك – أيها المريد – المنع الذي هو في الحقيقة مثل العطاء لعدم فهمك عن الله فيه إذ لو فهمت عن الله أنه إنما منعك ليصيرك من أحبابه الذين حماهم من الدنيا لما تألمت منه بل تلذذت به. فإن الفقير لا يكمل حتى يجد للمنع حلاوة لا يجدها في العطاء


من شرح الحكم العطائية للشرنوبي رضي الله عنهم

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *