الحب بين الإسلام و الإيمان

 

ونرى أن هذا السلام وهذه السكينة فى القلب لا يُنَزِّلُها على العبد إلا اللَّه تعالى مهما حاول العبد اكتسابها بذاته…

يقول تعالى : (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً)

ويقول سبحانه: (وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنْ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمْ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمْ الرَّاشِدُونَ (7) فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)

ولذلك كانت تعاليم الدين الإسلامى الأساسية تهتم بالإيمان قبل الإسلام..

الإيمان….. اليقين بالقلب بصفات اللَّه العظمى وقدرته وحكمته ونعمه، والاطمئنان به تعالى، وصدق التوكل عليه، والتسليم له، والشكر على نعمه…

والإيمان أن محمدًا هو رسول اللَّه وعبده ونبيه ودراسة سيرته وعمق النظر إلى أقواله وأفعاله والاقتداء به صلى الله عليه وسلم…

ثم بعد ذلك تنبت الأعمال في الجوارح بالنية المؤمنة الصادقة من هذه القلوب العامرة بالسكينة والإيمان….

فالإيمان واليقين هما الأساس لقلب ونفسية وشخصية المسلم، وبدون هذا الإيمان يجد التكاليف التعبدية والأوامر والنواهى ثقيلة على النفس والجسم معًا.. لأنه ينظر إليها على أنها قيود وممنوعات وترهيب وتخويف ضد رغباته وشهواته….

أما لو دخل الإيمان فى قلبه، وأنزل اللَّه عليه السكينة، تغير الحال وغلب عليه حال الشكر والحب للَّه تعالى ولعباد اللَّه أجمعين… واتصفت أعماله كلها بالمودة والرحمة والرضا….

يقول تعالى : (قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلْ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)

ونرى حولنا الآن ما يسمى بالصحوة الإسلامية…. فالكل يتحدث عن الدين والكل ينافس ويختلف مع الآخر…. وبدلا من أن تكون صحوة حقيقية صارت وسيلة للتشتت والتفرق واختلاف الآراء وحيرة المسلم العادى و رجل الشارع.. ذلك أن الجميع يتحدثون عن المظاهر الإسلامية من عبادات أو معاملات وكلهم ركزوا فى كلامهم على الخلافات بين المذاهب وتحدى بعضهم البعض وأظهروا ما كان خافيًا من بعض النفوس……

اهتموا بالمظهر واختلفوا فيه وتشتتوا إلى صغائر الأمور….. ولكن أحدًا منهم لم يتطرق إلى حقيقة الداء الباطنى، ولا سبل علاجه… وهى العقيدة الإسلامية الصحيحة…

و هل نحن ينقصنا هذا المظهر الإسلامى!! و هل ينقصنا الاختلاف فيه!!

أولسنا كلنا مسلمين و نقيم شعائر الدين وننشرها بأجهزة الإعلام تباريًا وفخرًا!! إذًا لماذا تأخرت الأمم الإسلامية إلى هذه الدرجة المزرية…..

يا سيدى لقد اهتموا بالمظاهر وتركوا الباطن العقائدى القلبى… ألا وهو الإيمان….. النية الصحيحة…. و التوحيد الحق.. تحقيق معنى شهادة لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه……..

إن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فى تعريفه للإسلام يقول "أن تشهد ألا إله إلا اللَّه"… أن تشهد معناها أنه لا يكفى أن تقول بلسانك… بل شهادة وشهود وتذوق ويقين وإيمان، سواء شهادة إبصار لقدرة اللَّه تعالى وعظمته بالعقل والاستدلال، أو شهود بالقلب والبصيرة، شهود حضور وانفعال وتذوق ومحبة وشكر…..

أنت أيها الإنسان منقسم فى ذاتك إلى ظاهر وباطن…. جسدك وأفعالك ظاهرة…. وأفكارك ونِيَّتك ويقينك الباطنى لا يَطَّلِعُ عليه إلا اللَّه….

لذلك كان الدين أيضا فيه ظاهر وباطن، واللَّه تعالى هو الباطن والظاهر… فلابد أن يكون للدين معك شأن فى ظاهرك، وكذلك شأن فى باطنك….

بل إنك فى الحقيقة مِلْك لباطنك وليس ظاهرك إلا نتيجة لما انعقد فى قلبك ونفسك من نية وعزم….. فالمحرك لك هو نفسك وروحك، ما بين إلهام من اللَّه… أو وسوسة من الشيطان… أو حديث للنفس…

ونحن نرى المظهر الإسلامى هو الغالب على الدول الإسلامية…. ورغم هذا نرى وضعنا وحيرتنا وشكوانا من كل شئ!! لماذا!! لأن الداء فى الداخل وليس فى المظهر…. فى العقيدة.. فى الإيمان الحق باللَّه تعالى…

لقد كان الإيمان عند الصحابة أسبق إلى القلوب من الإسلام ببركة وجود رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم… ثم يتعلمون منه رويدا رويدا تعاليم و أوامر ومناسك الإسلام…

أما الآن فيجب أن نبحث عن السبيل الذى يزرع الإيمان فى قلوبنا بعد أن سبق الإسلام إليها تقليدًا وتعلمًا..

يقول صلى الله عليه وسلم : "لن يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وأهله" رواه العدنى ورسته فى الإيمان عن عمر… وفى رواية : "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه، وأهلى أحب إليه من أهله، وعترتى أحب إليه من عترته، وذريتى أحب إليه من ذريته" رواه الطبرانى فى الكبير وابن وهب عن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن أبيه. وهذا باللَّه غريب… لأن المفروض أن الشريعة هى أوامر ونواهٍ ثم ثواب وعقاب…

فما دخل الحب إذًا!!!

لا يُفْهَمُ من الحديث إلا أن باب المحبة لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم منه يدخل الإيمان إلى قلب العبد، وهى إشارة إلى أن الإيمان كله والنور كله هو فى قلب رسول اللَّهصلى الله عليه وسلم… فإذا فتحت باب المحبة بين قلبك وقلبه سرى منه هذا الإيمان إليك على قدر طاقة قلبك وصدق محبتك.

معذرة إليك يا سيدى يا رسول اللَّه.. يا مشكاة النور و نور المشكاة..

لم أُرَتِّبْ كلامى.. ولم أنمقه وأزخرفه.. وجهدى قليل وعلمى أقل فإليك معذرتى فى تقصيرى وإقلالى.

وأعتذر إليك يا سيدى.. وجدى.. فإن اللَّه تعالى قد رفع لك ذكرك.. وعصمك من الناس.. (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) …… ومدحك بقوله تعالى : (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ).

صلى اللَّه عليك وسلم وبارك صلاة من نور ذاته إلى ذات نورك لا يقدرها ولا يعلمها إلا اللَّه تعالى تدخلنا بها إلى أسرار أنوارك وتكون لنا نورًا فى عيشنا و موتنا و حشرنا يغبطنا عليها الأولون والأخرون.

قَصَّرْنا فى حَقِّكَ يا سيدى.. ولم نعرف كيف نفهم قدركم العظيم عند اللَّه..

ولم نبحث ولم ندقق لنستخرج كنوز المعرفة بك وبأنوارك التى بها نصل إلى اللَّه تعالى فجهلنا قدرك ولم نتحدث عن عظمتك وإكرام اللَّه لك بالعبودية التامة الكاملة حتى تجرأ الجاهلون على مقامكم ولغوا وتفحشوا عندما رأونا صامتين مستكينين لا نعرف نحن قدركم العظيم عند اللَّه تعالى.

و حتى عندما حاولنا الرد عليهم عمدنا إلى سيرتك الشريفة و ظللنا نسرد عليهم أخلاقك الكريمة و صفاتك الجليلة و التى قيلت منذ ألف عام ونصف. يوم كان البشر لا يعرفون من الدنيا إلا الأرض و الماء و الهواء.. ونسينا أن نهز عقولهم و أفكارهم بما احتوت عليه آيات القرآن الكريم و أحاديثك الشريفة.. من معان و أنوار و أسرار لا يمكن أن يصوغها ولا أن يحتويها بيان…

وأبدأ كتابى بتساؤل بسيط ولكنه ذو مغزى..

ذلك أن اللَّه تعالى قد أنزل الرسالات السماوية و فيها الأمر والنهى.. و وعد الطائعين بالثواب، و هدد المخالفين بالعذاب.. منهج إلهى إفعل و لا تفعل و لك عندى على قدر ما تؤدى.. وانتهى الأمر.. هذا هو المنطق الطبيعى..

أما أن يقول رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم  "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده، و والده، والناس أجمعين" حديث صحيح رواه أحمد والبخارى ومسلم والنسائى وابن ماجة والبيهقى عن أنس.

ويقول اللَّه تعالى فى سورة التوبة : (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ).

فهذا أمر عجيب.. ما دخل الحب بالعمل.. لماذا يكون حب رسول اللَّه فرضًا لا يؤمن العبد إلا به، بل ويكون إيمانه على قدر حبه..

إن العامل الذى يعمل عندك ليس لك عنده إلا العمل أتقنه أو فرط فيه.. وعليه تحاسبه وتجازيه.. أما أن تشترط عليه أن يحبك.. فلابد أن يكون فى الأمر سر كبير..

بل أن يكون الإيمان مقرونًا بهذا الحب.. فلا إيمان بغير هذا الحب.. ومن البدهى أن يكون الإيمان على قدر الحب.. وهذا أمر يحتاج إلى تعليل..

ذلك أن المطلوب منا أن نؤمن ونسلم.. نؤمن بالقلب واليقين.. ونظهر الإسلام بالعمل بالجوارح.. وباختصار.. الباطن هو الإيمان… و الظاهر هو الإسلام… فى أبسط التعاريف.

ونحن نتعلم الإسلام و أحكامه ومظاهره بالتعليم.. فكيفية الصلاة معروفة ويتعلمها الطفل الصغير بالتقليد والمحاكاة.. وكذلك باقى العبادات..

ولكن الأمر يختلف فى الإيمان الباطن.. فهذا ليس كلامٌ يقال و لا أفعالٌ نقلدها.. هذا يقين ومشاعر و ذوق..

بمعنى آخر..أنا أستطيع أن أُعَلِّم ابنى الصلاة وحركاتها.. ولكن كيف أعلمه الخشوع فيها.. كيف أنقل إليه الإيمان.. كيف أربى إحساسه ويقينه الداخلى بحب اللَّه وخشيته ومراقبته وشكره إلخ…..

لا تقل لى أن هذه المشاعر يمكن أن تُنقَل بالتربية والتوجيه والكلام..

الأمور الظاهرية تنقل بالأسباب الظاهرة.. والأمور الباطنية تنقل بما يناسبها من الوسائل الباطنية أيضا.

للمزيد أنظر كتاب محمد مشكاة الأنوار لمولانا الشيخ صلاح الدين القوصي هنـــــــــــــــــــــــا

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *