الحب أساس الإيمان

و يأتى القرآن الكريم يتحدث عن رسول اللَّه فيقول : (قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(.

فرسول اللَّه يؤمن للمؤمنين.. وكيف هذا؟؟

لابد إذًا أن روح رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم  هى الروح العظمى.. المؤمنة الأولى… مشكاة الأنوار الإيمانية.. ومنها توزع النورانيات.. ولا ينقص ذلك منها شيئًا أرأيت لو أتيت بشمعة موقدة وأشعلت منها ألاف الشمعات أَينْقص ذلك من نورها شيئًا..

وهذا ما يؤكده قول رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم  “أنا أعلمكم باللَّه أنا أعرفكم باللَّه وأخوفكم منه”.. رواه البخارى عن عائشة.

أعرف الخلق باللَّه تعالى.. الإيمان الكامل التام.. بل كل الإيمان وكل النور… ومنه يُمَد الأنبياء… والأولياء.. والمؤمنين… وإلا فكيف يكون إمام الأنبياء جميعًا وسيدهم.

ولن نطيل فى هذا الباب وقد أفضنا فيه فى كتاب “محمد نبى الرحمة” فارجع إليه إن شئت و لكن وددت هنا أن أشير إلى نقاط هامة :

الأولى :- أنه لا سبيل إلى الإيمان أبدًا إلا بمحبة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم  المحبة الصادقة الخالصة.

الثانية :- على قدر هذا الحب يكون الإيمان فى قلبك من إمداد قلب رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم.

الحب و الاتباع :

الثالثة :- يجب أن نفرق بين الحب وبين الاتباع.. نعم الاتباع من دلائل المحبة…. ولاشك ولكن الحب شئ والقدرة على الاتباع شئ آخر.. وهذا له ثوابه وهذا له أجره فافهم!!

فالأعرابى يقول لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم  أنه ما أعد للساعة كثير صلاة ولا صيام ولا نُسُك ولكن أعدَّ لها حب اللَّه ورسوله فيجيبه صلى الله عليه وسلم  أنت مع من أحببت.. كما روى البخارى عن أنس بن مالك : “أن رجلاً سأل النبى صلى الله عليه وسلم  : متى الساعة يا رسول الله؟ قال: (ما أعددت لها). قال: ما أعددت لها من كثير صلاة و لا صوم و لا صدقة، و لكِنِّى أحب اللَّه ورسوله، قال: (أنت مع من أحببت)”.رواه البخارى

ومن يحبه الأعرابى كان كثير الصلاة والصيام والنُّسُك فافهم.. فإن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم  بَشَّر الأعرابى بالصحبة لحبه وما فى يقينه من إيمان و ليس بكثرة متابعته صلى الله عليه وسلم  أما الاستدلال بآية

(قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ).

فهذا توجيه لمن فرقوا بين محبة اللَّه و رسوله و زعموا محبتهم للَّه تعالى مع عدم التزامهم بتعاليم برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ..

فالآية تنبههم وتعلمهم بأن ادعاءهم كاذب وأن رسول اللَّه لا يدعو إلا إلى اللَّه.. وتعاليمه هى من اللَّه.. فلا معنى أن يحبوا اللَّه ويتركوا تعاليم اللَّه عند “محمد” فهذا ليس حبًا للَّه تعالى.

الرابعة :- حتى فى اتباع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم  فهناك فريقان : –

أ  قوم اتبعوه طلبًا للأجر والثواب.. أى يرجون تجارة مع اللَّه لن تبور.

ب – قوم اتبعوه محبة برضًا وائتناس بالسنة واقتفاء لأثر الرسول.

وفى الصنف الأول يقول القرآن فيه : (كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً).

وفى الصنف الثانى يزيدهم رسول اللَّه بشرى إليهم فيقول: “لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به”. جاء فى شرح الجامع الصغير للإمام المناوى : أخرجه الحسن بن سفيان وغيره قال ابن حجر: رجاله ثقات وصححه النووى فى الأربعين.

نعم فى كُلٍّ خير ولا شك.. ولكن هل الطامع الراجى فى الأجر و الثواب مثل من تحرقت كبده شوقًا ومحبة إلى رسول اللَّه فصار يفعل مثل ما فعل ابن عمر أعبد الأمة بعد رسول اللَّه حيث كان يسير فى طرقات المدينة المنورة ويسأل “دلونى على أثر مسير رسول اللَّه عسى أن تواطئ قدمى أثر قدمه”!!.

عجيب أمره!! وهل فى هذه المتابعة على أثر السير ثواب وأجر.. أم الأمر محبة و ود وشوق ولهفة!!.

ثم نقطة أخرى.. هل هذا الاتباع يكون فى الأوامر الظاهرة فقط أم لابد أن يكون فى الأمور الباطنية أيضًا.. فإن تمثلنا بالظاهر و صمنا و صلينا وأطلقنا اللحى وقصرنا الأثواب دون أن نكون متبعين فى الخشوع والرحمة والكرم وحسن الخلق والخشية ومراقبة اللَّه تعالى.. أيكون هذا هو الاتباع المطلوب!!.

أوليس هذا حال غالب المسلمين اليوم.. مظاهر اللَّه أعلم ببواطنها.. وإسلام بلا إيمان!!

وكيف حالنا اليوم بين الأمم!! ولماذا لم ينصرنا اللَّه عليهم ويعلى كلمته كما وعد!!

أسلمنا.. ولم نؤمن.. اتبعنا الظاهر دون الباطن.. و وعد اللَّه

(إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ). ننصر رسلنا والذين آمنوا.. أخبتوا إلى اللَّه بقلوبهم و أرواحهم و التزموا بمنهج رسوله فى يقينه وأحواله.. فتأمل و افهم فتح اللَّه عليك.

الخامسة :- الحب لا يأتى من فراغ ولا من جهل بمن تحب.. فلابد أن تعرف شيئا عمن تحب لكى ينبت هذا الحب.. فالمجهول بالكلية لا يحِبُّ.. بل قد يُكْرَهُ.. فالإنسان يخشى دائما من المجهول لديه.

ولكن إذا عرفت جانبًا عمن تحب وتعلقت به دفعك هذا إلى مزيد من المعرفة ومزيد من التعلق والحب وتدخل فى دائرة (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ).

أهتدوا أولا على قدرهم.. فزادهم اللَّه من فضله بجوده وكرمه وليس الأمر إدعاءًً، وتمنياتٍ، وغرورًا. أعاذنا اللَّه من هذا كله..

فيا أيها الأخ الكريم ماذا عرفت عن سيدنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم  ليكون بابًا لك إلى محبته!!.

أما عرفت إلا خُلُقهُ و صفاته!! ما أهون ما عرفت عنه صلى اللَّه عليه وسلم بجوار أنواره و روحانياته وما أفاض اللَّه عليه حتى قال له: (وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً) (2). ماذا عرفت من فضل اللَّه على رسوله حتى يكون العبد الأوحد الكامل ويصطف خلفه صفوة البشرية من الأنبياء والمرسلين.

وهل أحببت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم  الحب الواجب حتى يدخل الإيمان فى قلبك!! وهل عرفت كيف كان الصحابة رضوان اللَّه عليهم يُحِبُّون رسولهم و يهابونه و يجِلُّونه!! هلم هلم أيها الأخ المبارك وتدارك ما فاتك من عمرك.. وتعال معى لتحلق حول دائرة الأنوار المحمدية عسانا ننال منها.. ببركته صلى اللَّه عليه وسلم ما ينير قلوبنا فَيَدْخُلَّ الإيمانُ والإحسان إليها لنكون فى النهاية من عباد اللَّه الموحدين حقًا وصدقًا.. لأن فى النهاية (وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى) سبحانه جل شأنه العظيم..

منقول من موقع الشيخ صلاح الدين القوصي: http://www.alabd.com/

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *