شتان بين من يستدلّ به ويستدلّ عليه

ربما كانت الشجرة غائبة عنك، ولم يظهر أمامك إلا ثمارها، إذن فالثمرة التي هي الفرع تدلّ على الشجرة التي هي الأصل.

وربما كانت الثمرة غائبة عنك، وكانت الشجرة هي الماثلة أمامك، إذن فالشجرة التي هي الأصل تدل على الثمرة التي هي الفرع.

والاحتمالان في المخلوقات والمصنوعات وارد، ولكن هل يرد الاحتمالان في المخلوق مع الخالق، في موجد الكون مع الكائنات؟.

ولاحظ أننا عندما نقول: الخالق أو الموجد، نعني موجد كل شيء والخالق لكل شيء، ومن جملة الأشياء العقل الذي به تدرك والنور الذي به تبصر، ألا وإن هذا الخالق هو الله عز وجل.

إذن فهل يرد الاحتمالان هنا أيضاً على السواء، كما وردا في دلالة الأصل على الفرع والفرع على الأصل ضمن حدود المخلوقات؟.

إذا تأملت، ستعلم أن الاحتمالين هنا غير متساويين.

ذلك لأنك عندما تبعث ببصرك في المكونات والمخلوقات لتتعرف عليها، إنما تدركها وتتعرف عليها بنور من الهداية الربانية، فبه تدركها وبه تراها وبه تسبر غورها.

إذن فدليلك الهادي إلى وجود المخلوقات وحقيقتها هو الله، فكيف ينقلب الدليل، وهو الله، ليصبح مدلولاً عليه، وينقلب المدلول عليه وهو هذه المصنوعات، ليصبح دالاً؟.

دعني أضعك من هذه الحقيقة أمام مثال.

رجل أقبل في ظلام ليل دامس إلى مصباح، فحمله ودخل به داراً مظلمة، فرأى على ضوء المصباح أمتعة شتى، وأثاثاً، وأطعمة ونقوداً، …… يا ترى أيهما كان الهادي الدال، وأيهما كان المهدي إليه والمدلول عليه؟.

هل في العقلاء من يجهل أن المصباح المضيء هو الدليل الهادي، وأن كل ما كشفته أشعة المصباح هو المهدي إليه وهو المدلول عليه؟.

إنك بالله ترى الدنيا التي من حولك، وبالله تعقلها وتدرك ما تدرك من أسرارها، وهذا بعض من معنى قول الله عز وجل: (الله نور السموات والأرض) [النور:24/25]، إذن فالله هو دليلك على كل ما سواه.

وقد مرَّ بك شرح الحكمة التي يقول فيها ابن عطاء الله: (الكون كله ظلمة، وإنما أناره وجود الحقّ فيه).

فأما المقربون أصحاب الشهود، فقد رأوا المصباح أولاً … رأوا الله نور السموات والأرض أولاً، ثم إن رؤيتهم له بصّرتهم بالآثار، بصّرتهم بمخلوقاته ومصنوعاته، بصّرتهم بآثاره، وقد أيقنوا أنه لولا المؤثر لما وجدت الآثار…. لولا الصانع لما وجدت المصنوعات، لولا النور الهادي لما انكشف لك شيء من ظلمات المكونات.

ولا داعي لتكرار ما قد أوضحته لك من قبل، من أن الله لا يحجبه شيء، وإن غاب عنك بعض ما أطلت في بيانه آنذاك، فعد إليه بقراءة متدبرة ثانية، تنجلي لك كل خافية في هذا الموضوع.

أما الذين غرقوا بين سحب الآثار، وحجبوا أنفسهم بالصور عن المصور، فقد راحوا يبحثون عن المصباح بالأشياء التي كشفها لهم ضياء المصباح.

وإنه كما ترى لشيءٌ مضحك…. ولكن تلك هي حال أولئك الذين نسوا الله الذي هو صاحب الوجود المطلق، وأقول: نسوا الله، ولا أقول: حُجِبَ الله عنهم، إذ ليس في الكون كله ما يحجب الله تعالى.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *