عالم الغيب

الثانى: قوم دأبوا على تربية النفس بقتل شهواتها الأرضية، ورياضتها لإخراج هِمَّتِها الخفيَّة، وكلما ماتت شهوة أرضية انبثقت فيها قوة غيبية وارتبطوا ببعض عوالم الغيب.
ومِنْ هؤلاء بعض المسلمين، والكهَّان قبل الإسلام، وفلاسفة الأمم السابقة، والرهبانُ فى المسيحية، وحكماء اليوجا فى الهند والصين.
فبزهدهم فى الدنيا وقتل رغباتهم فيها، تنبثق فى النفس قوى أخرى مشتركة بينها وبين الروح، فيتصلون ببعض عوالم الغيب، ويكون لهم بعض المعرفة به، وربما تخاطبهم بعض الأرواح التى على شاكلتهم وبعض الجنِّ، ويكون لهم بعض خوارق العادات التى تحدُث بِهِمَّةِ النفس وقواها الباطنية.

الثالث: أهلُ اللَّه وخاصته : وهؤلاء ليس مقصودهم عالم الغيب نفسه، ولكنْ قصدهم هو اللَّه ورسوله صلى اللَّه عليه وسلم، فإذا تعلَّقوا بالله حقاً وتفتحت بصائرهم، ضعفت نفوسهم وقويت أرواحهم وصاروا ينظرون ويتكلمون ويعلمون بنور اللَّه تعالى، فتكون سيطرة أرواحهم وقوتها ونور بصائرهم سبباً فى الاتصال ببعض عوالم الغيب، لا بقصدٍ منهم ورغبةٍ ولكن بفضل اللَّه عليهم وقوة أرواحهم، وقد تحدث منهم بعض خوارق العادات، وقد يكون لهم شأن فى عالم الجنِّ أو الملائكة كما كان بعض الصحابة يرون الملائكة، وكان لهم كثير من خوارق العادات التى تُسمى بالكرامات.
والفرق بين الأنواع الثلاثة كبير، فالأول والثانى لايقصدون وجه اللَّه تعالى بل مشغولون بالأكوان والمخلوقات وهَمُّهُمْ السيطرة عليها، وهذه شهوة أنفسهم لا غير، أما القاصد وجه اللَّه تعالى فتأتيه هذه العوالم مُـثَـبِّتةً له إكراماً من اللَّه تعالى دون التفات منه إليها، فلا هو يُسَخِّر الجنِّ، ولا يرتاض لتحضير خادمِ إسمٍ من الملائكة أو غيرهم، كما يفعل أصحاب الرياضات، ولكن اللَّه تعالى قد يُسَخِّر له الجنَّ أو يؤنسه بالملائكة لحكمةٍ عند اللَّه…
فافهم الفرق بين الأنواع الثلاثة.
“إن الذين قالوا ربَّنا اللَّه ثم استقاموا تتـنزَّل عليهم الملائكة” صدق اللَّه العظيم

من كتاب أصول الوصول لعبد الله / صلاح الدين القوصي رضي الله عنه

حمله مجانا

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *