الولاية وسر الشيخ وسر الطريق


وبتعبير آخر : أهلُ الولاية العامة هم المحِبُّون للَّه تعالى، وأهلُ الولاية الخاصة هم المحبوبون عند اللَّه جلَّ شأنه، أمَّا مَنْ يُحِبُّهم ويُحبُّونه فهم أهلُ الكمال.
ومن أهل الولاية الخاصة الأبرار والمقربون والشهداء والصدِّيقون… وغيرهم.
والولىُّ اسمٌ من أسماء اللَّه تعالى، يطلقه اللَّه على من يحبّ من عباده، ويزيده برقيقةِ اسم وصفةٍ من أسمائهِ وصفاتِه جلَّ شأنُه، تتشرَّبُ بها روحُ العبد ويمتلىءُ بها كل كيانه، فلا يتحرك إلا بها وبأنوارها، ولا يعيش إلا بنورها وسرِّها وتجلياتها، فهو مأخوذٌ عن نَفْسِه بنور صفة اللَّه التى تسرى فيه، فمنهم البصير، ومنهم السميع، و منهم العليم، ومنهم الودود، ومنهم الرحيم…. و هكذا.
ومنهم من يزيد كرمُ اللَّه عليه، فيُتحفه بأنوارِ أكثر من صفة، بل ومنهم من تجتمع فيه رقائقُ من صفات اللَّه كلها، ولكنْ – و للَّه المَثَلُ الأعلى – على قدر طاقته البشرية، تعالى اللَّه عن المثال والتشبيه والحلول والاتحاد، فترى العبد طوال يومه مستغرقاً فى أنوار صفات اللَّه تعالى المتباينة.
فصاحبُ الصِفَةِ الواحدةِ ثابت، وصاحبُ الصفتين متغير، وصاحب الأكثر يزدادُ تقلُّبُه، وهكذا إلى التسعة والتسعين صفة من صفات اللَّه، ما عدا صفته تعالى “الرحمن” فلها وضع خاص لايجوز الكلام فيه.
وَمَنْ أُكْرِمَ بكل هذه الأسماء والصفات-على قدر بشريَّته- فقد حاز المقام الأسمى فى العبودية للَّه، ولا يكون فى كل زمان إلا واحد فقط، ويكون على قدم مولانا وسيدنا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم، وهو وارث النور المحمدى، وبموته يتولى غيره من الأحياء، حتى قيام الساعة.
يقول صلى اللَّه عليه وسلم “إن للَّه تعالى مائة خُلُق وسبعة عشر خُلُقاً من أتاه بخُلُقٍ منها دخل الجنة” (حديث حسن رواه الترمذى عن عثمان بن عفان). ويروى الطبرانى فى الأوسط “إن للَّه ثلاثمائة خُلُق من تقَّرب إليه بواحد منها دخل الجنة، وأحبها إليه السخاء” وفى رواية “ثلاثمائة وبضع عشر”.

سرُّ الشيخ وسرُّ الطريق :
يخلط الناس بين سرِّ الطريق وسرّ الشيخ رغم أنهما منفصلان عن بعضهما.

سرِّ الطريق :
هو القوة الروحية الموجودة فى الأوراد والأذكار و منهج التربية و التوجيه فيه.
فمن المعروف أن لكل ذكر قوة روحية وملائكة تحفّه وتحفُّ الذاكر به، وكذلك له ملائكة من نورانية هذا الذكر تتنزَّل على قلب وروح الذاكر به، وهذا لكل ذكر ولكل اسم من أسماء اللَّه تعالى، وكذلك لكل صيغة من صيغ الصلوات على رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم.
فهذه القوى الروحية والأنوار الإلاهية المستمدة من مجموع أذكار وأوراد ومنهج التربية فى طريق، ما هى ما يُعبَّر عنها بسر ِّ الطريق.
ويُضاف إلى كلِّ ما سبق، لون من ألوان القوة الروحية وبعض الخصوصيات فى أهل سلسلة هذا الطريق المسلسلين إلى مولانا وسيدنا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم.
هذا كله هو ما يُسمى بسر ِّ الطريق.

سر ِّ الشيخ :
هو القوة الروحية والهمَّةُ النورانية الموجودة فى ذات الشيخ نفسه.
ذلك أن الشيخ المربِّى أو الولىّ الحق للَّه تعالى، يُمِدُّه اللَّه كما ذكرنا بمددٍ منه تعالى ونورانية خاصة له – فضلاً من اللَّه تعالى- فغير ما اكتسب من تلاوة أوراده، وغير ما اكتسب من تلاوة ورده وأذكاره خلال تربيته وسيره إلى اللَّه تعالى، هناك فضل من اللَّه تعالى عليه واكرام خاص له…. لذاته هو…
ذلك أن طاقة الولىّ الروحية قد تزيد عن طاقة وسرِّ الطريق الذى تربّى فيه، فينال- من فضل اللَّه تعالى عليه – سرَّ الطريق الذى سلكه، ثم زيادة خاصة له هو.
وكلما اتسعت طاقاته الروحية كلما تعددت لدى الولىّ المشارب المتنوعة، لذلك فقد تكون تربيته شاذلية أو خلوتية
أو أحمدية مثلا… ولكن بعد أن يشتد َّ عوده وتتسع طاقته الروحية، يُسقى من طرق أخرى غير ما تربَّى عليه، فيكون فى النهاية شاذليا أحمديا خلوتيا…الخ.
فإذا جمع كل المشارب – قدر طاقته – أُطلق عليه لقب “الجامع” فيقولون الولىُّ الجامعُ.
ومثل هذا الشيخ أو الولىّ لا يلتزم عادة بمنهج تربية واحد حتى لأولاده، فيسقى هذا الخلوتية، ويسقى ذاك الشاذلية مثلا.
فإذا انتقل هذا الولىّ أو المربّى الجامع إلى رحمة اللَّه، فميراث سرِّ الطريق يرثه بعده من سلك منهج تربيته وخُلِّف على طريقة تربيته.
أما ميراث سرِّ الشيخ نفسه فهذا لا دخل له بالتربية أو الطريق، ولكن يرثه من كان هو أهله، ومن هو قادر على تحمله كيفما كان منهج تربية وسلوك الوارث، والله أعلم.
وهذا الأمر من أدق الأسرار المخفية حتى عن عموم أهل الولاية، ولذلك نمسك عن الإفاضة فيه خوفا من الزلل.
ولكننا نُنَبِّه على أن السالك إلى اللَّه تعالى يختلف حاله وسلوكه وفتوحه إذا كان ارتباطه بذات الشيخ، عن أحواله إذا كان ارتباطه بالطريق ذاته.
وعلى العموم فان سرِّ الشيخ المربِّى يحوى سرَّ الطريق، ولكن سرّ الطريق لا يحوى سرّ الشيخ كله…. فافهم رحمك اللّه.

كتاب أصول الوصول للشيخ صلاح الدين القوصي رضي الله عنه

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *