لماذا تذهب إلى المدينة المنورة؟ للزيارة أم للثواب؟!-1

فالصلاة فى مَسْجِدِه صلى الله عليه وسلم على نصف أجرِ الصلاةِ بالمسجد الحرام….

أما بنية قصد زيارتهِ صلى الله عليه وسلم والتَشَرُّفِ بالسلامِ عليه.. فذاك أمرٌ آخر..

أهلا ً بِكَ ضَيْفا علينا… والضيفُ مُكْرَمٌ.. ونحن نُهَادِيكَ ونُهْدِيكَ مِنْ عِنْدِنا بِمَا لاتَعْرِفُ ولا تقَدِّرُ ولا تَحتَسِبُ…

وإنْ شِئْتَ الثَّوابَ والأجرَ المعدودَ المعلومَ.. فَبِجِوارِكَ مسجد قُباء، الصلاةُ فِيهِ بِعُمْرَةٍ…. فَمَا حرَمْنَاكَ مِنْ ثَوابِ عُمْرةِ البَيْت الحَرامِ… فإنْ قصدْتَهَا فَهِى عِنْدَنَا… بخلافِ ترحيبنا بك… وهدايانا لك…. ويترك رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم هذا الأمر.. لايوضِّحُهُ الوضوحَ الكافى.. ولكن يتركهُ لِمَنْ يُحِبُّهُ صلى الله عليه وسلم أن يستجليه.. ويشعر به بروحه وقلبه… ويُعَظِّمُ صلى الله عليه وسلم شعائر اللَّه تعالى المسجد الحرام وما فيه.. و مسجد قُباء…

أولا: مقدمة عن الموت والقبر ومعناهما المفقود

لتبسيط الأمر نقول إن كل إنسان يعلم بلا أدنى شك أنَّـهُ سوف يموت يوما ما، ولكنَّهُ فى زحمة حياته وانشغاله بأمور دنياه وشهوات نفسه ينسى هذه الحقيقة، ويزداد يقينه بها إذا اتبع جنازة أو حضر شخصا وهو يموت، فتراه لفترة قد تطول وقد تقصر قد عزف عن الدنيا وحدثه قلبه باحتمال موته القريب وما ينتظره بعده، فتتبدل صفاته مؤقتا، فإذا ضعف عنده هذا اليقين عاد إلى انشغاله بدنياه وشهواته ناسيا الموت مرة أخرى، مع علمه الكامل فى جميع أحواله بأن الموت حقيقة وأنَّه سيموت بلا جدال. فعلمه بالموت لم يزد ولم ينقص، ولكن يقينه به وهو ملامسة هذا العلم للقلب والانفعال به، هو محل الزيادة والنقص.

لذلك يقول صلى الله عليه وسلم: فيما رواه مسلم: ” كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنّها تذكركم بالآخرة “، وليس من مفرج لِهَمِّ المكروبين مثل زيارة القبور، نعم إذا ضاقت بكم الصدور من الدنيا وما فيها وأحوالك وأحوالها معك فاتركها واذهب إلى القبور حيث الموت والآخرة أمامك، فكل هؤلاء المقبورين كانوا مثلك وأكثر أو أقل غنى، وأشد أو أعظم فقرا، وأقل أو أكثر بلاء، والآن تساوى غنيهم مع فقيرهم، ومنعمهم مع مبتليهم، وكلهم تحت التراب وأين نعيمهم الدنيوى وأين أموالهم وأين مكانتهم فى الدنيا!!! هذه نهايتهم ونهايتك لا ينفعهم ولا ينفعك – وانت صائر اليهم لا محالة – غير عمل صالح ورضاء اللَّه تعالى عنهم وعنك، وصدق رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.. فإن زيارة القبور تزيد يقينك بالموت وتهون عليك الدنيا وما فيها.

وقد ورد أن السنة فى زيارة القبور هى أن تلقى السلام عليهم وتترحم عليهم فى دعائك. روى عن ابن أبى الدنيا وابن عبد البر عن السيدة عائشة رضى اللَّه عنها قالت: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم “ما من رجل يزور قبر أخيه ويجلس عنده إلا أستأنس به ورد عليه حتى يقوم “

ولولا أن الميت يشعر ويحس لما كان من السنة إلقاء السلام عليه، بلْ إن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول “إن الميت يعرف من يغسله ومن يحمله ومن يدليه فى قبره” رواه أحمد، لذلك يقول صلى الله عليه وسلم عندما سئل هل يسمع الموتى وذلـك عنـدمـا كان يخاطب قتلى المشركين فى غزوة بدر فقال: “إنهم لأسمع إلىَّ منكم” كما رواه مسلم عن عمر ابن الخطاب ويقول صلى الله عليه وسلم: “إن الميت ليسمع قرع نعال مشيعيه..”، كما ذكره ابن المبارك عن عبداللَّه بن عمر وقد ورد عن كثير من الصحابة ومنهم سيدنا عمرو بن العاص، وصاياهم بأنهم إذا دفنوا أن يجتمع أهلهم ومن يحبونهم ليستغفروا اللَّه لهم ساعة بعد الدفن على قدر نحر جزور وتفريق لحمه، حتى يأتنس بهم خلال سؤال الملكين، وقدوتهم فى هذا هو سيدنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حيث قال للمشيعين بعد الدفن “استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت فإنه الآن يُسأل..” كما رواه الحاكم وابو داود.

ويروى الترمذى عن أبى سعيد فى الحديث الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم “فإذا دفن العبد المؤمن قال له القبر مرحبا وأهلا أمّا إن كنت لأحب من يمشى على ظهرى إلى، فإذا وليتك اليوم وصرت إلى فسترى صنيعى بك، فيتسع له مد بصره ويفتح له باب إلى الجنة “.

فبعد السؤال، يوسع للميت فى قبره، ويفتح له فيه باب إلى الجنة إذا كان عمله صالحا، ويضيق عليه فى قبره، ويفتح له باب إلى النار إن كان غير ذلك والعياذ باللَّه، ويعرض عليه مقعده من الجنة أو النار غدواً وعشياً كما ورد فى الحديث.

وقد أوحى اللَّه إلى الأرض ألا تأكل أجساد الأنبياء، كما قال صلى الله عليه وسلم ورواه أحمد والحاكم وغيرهم.

وقيل أن الأرض لا تأكل جسد قارئ القرآن المحتسب، أمّا الروح فهى على قدر صلاحها ومعرفتها بربها جَلَّ شأنه، فعلى قدر علمها باللَّه وحبها له تكون منطلقة فى عالم البرزخ تزور وتزار وتروح وتجئ، أمّا إذا كانت غير ذلك فإنما تلعب بها الشياطين كما يلعب الصبيان بالكرة، وروى الإمام أحمد ومسلم عن أبى هريرة قول الرسول صلى الله عليه وسلم ” الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ” فكيف ترى أنت من انطلق من سجنه وانفك عن أسره!!! ذلك أن النفس النقية الصالحة كان الجسد يعوقها عن الانطلاق قبل الموت بحكم ماديته، امّا وقد تخلصت من القيود البشرية فلها حرية اكبر وطاقة أعظم.

والكلام فى هذا الأمر جد خطير وفيه من الأسرار الكثير، وخلاصة قولنا فيه، أنَّهُ من الضرورى الإيمان بعذاب القبر ونعيمه، والبعث منه يوم القيامة.

وليس المهم أن يكون الميت قد دفن فى قبر، فإن من أكلته الوحوش أو الأسماك أو مات محترقا وغير ذلك يحاسب أيضا فى قبره، ويكون قبره إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، وإن من خلقه وسواه وعدله قادر جَلَّ شأنه على أن يجمعه ويجمع ذرات جسده من كل مكان ويسوى بنانه ويسأله ويعذبه أو ينعمه، جَلَّ جلال اللَّه القادر، ألا ترى ان كل خلية فى جسدك فيها صفاتك الوراثية الخاصة بك كأنها مختومة بختم خاص، فذرات جسدك معروفة حتى ولو تفرقت فى كل اتجاه.

ولا تظن أن عذاب القبر أو نعيمه هو شئ مادى نستطيع رؤيته أو الإحساس به، فذلك محال لأنه من عوالم الملكوت، وعوالم الملكوت كما سبق القول لا تدرك إلا بالنفس وقواها الداخلية وليس بالحس المشترك ولا الأحاسيس البشرية، فشتان ما بين عالم الملك و عالم الملكوت وإذا أردت مثالا بسيطا للعذاب والعقاب فى القبر، فانظر إلى حالك أثناء النوم وكيف ترى مناما طيبا فتقوم هنئ النفس راضى البال مستريحا مطمئنا، وكيف ترى مناما مزعجا فى دقائق قصيرة فتقوم من نومك صارخا مجهدا مكروبا متألما، بلْ وتحمد اللَّه تعالى على يقظتك مما كان معك خلال نومك، فهذا مثل بسيط يضربه اللَّه تعالى لك لتوقن بالعذاب والنعيم بعد الموت.

لم تذهب للمدينة؟ للزيارة أم للثواب؟!

اذا كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قد ذكر فى أحاديثه الشريفة أن الصلاة فى المسجد الحرام تعدل مائة ألف صلاةٍ فى غيره، وأن الصلاة فى مسجده بالمدينة المنورةِ تعدل ألف صلاةٍ فى غيره… كما أن الصلاة فى المسجد الأقصى تعدل خمسمائة صلاة فى غيره، كما ذكره الرواة جميعا عن ” أبى هريرة ” وعن ” جابر ” وغيرهما…. وفى روايةٍ أنْ الصلاة َ فى المسجد النبوى بخمسينَ ألفِ صلاةٍ.

واذا كان صلى الله عليه وسلم يقول عن مسجد قباء ” الصَّلاةُ فِى مَسْجِدِ قُبَاءَ كَعُمْرَةٍ” وهو صحيح، رواه مسلم والنسائى وغيرهم، فَإن لِى هنا وقفة يجب أن يقِفَها مَعِىَ كُلُّ قارئٍ….

فظاهر الحديثين يدعو الناس إلى المسجد الحرام… وإلى مسجد قباء.!!!! ومَنْ مِنَ النَّاسِ يَسْتَبْدِلُ مائة ألفِ صلاةٍ فى المسجِدِ الحرامِ بألفِ صَلاةٍ فى المسجد النبوى!!! لاشك أن كل من يريد أن يستكثر من الثواب والدرجات، فعليهِ بالصلاةِ فى المسجد الحرامِ، إن كان مُخَيَّراً بين المسجد الحرام والمسجد النبوى الشريف المبارك… هذه واحدةٌ….

والثانيةُ مَنْ يكون فى المدينة المنورة… ويعلم فضل صلاة ركعتين فى مسجد قُباء.. هل يتركهما أو يتهاون فيهما…. أم يواظب عليها ويحرص كُلَّ الحِرصِ على أدائهما!!!

ويسكتُ رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم… أدباً مع اللَّه تعالى.. وتعظيما لشعائرِ اللَّه.!! ولم يقل صلى الله عليه وسلم ما هُوَ ثَوابُ منْ يصلى ركعتين فى مسجده الشريف الذِى ضم جسده الطاهر المُطَهَّرَ.. أحبُّ خَلْقِ اللَّه إِلى اللَّه وأكرمُهُمْ على اللَّه…

فإذا صلينا فى مسجد قُباء كان لنا أجرُ عمرةٍ… واذا صلينا فى مسجده الشريف!!! ماذا يكون لنا!!! وإذا ما كُنْتَ حاجا لِبَيْتِ اللَّه الحَرامِ والصلاة ُ فِيهِ والحسناتُ بمائة ألف… فَلِمَ أذهب إلى المدينة لأُصَلِّىَ فى المسجد النبوِىِّ وأجرِى فيه على النصف أو أقل من أجرِى بالمسجد الحرام!!!

لابُدَّ وأنَّ فى الأمرِ سِراً!!!

ولا أفهم منه إلاَّ أنَّ رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم بأدبه العظيم العالى.. وتواضعه الذى ليس بعده تواضعٌ.. يدعوك برقةٍ ورحمةٍ إلى زيارته هُوَ بالمدينة المنورة.. ولا يَكُنْ قصدُكَ زيارةَ مَسْجِدِهِ.. كما فَهِمَ الكثيرون….

فالصلاة فى مَسْجِدِه على نصف أجرِ الصلاةِ بالمسجد الحرام…. أما بنية قصد زيارتهِ صلى الله عليه وسلم والتَشَرُّفِ بالسلامِ عليه.. فذاك أمرٌ آخر.. أهلا ً بِكَ ضَيْفا علينا… والضيفُ مُكْرَمٌ.. ونحن نُهَادِيكَ ونُهْدِيكَ مِنْ عِنْدِنا بِمَا لاتَعْرِفُ ولا تقَدِّرُ ولا تَحتَسِبُ…

وإنْ شِئْتَ الثَّوابَ والأجرَ المعدودَ المعلومَ.. فَبِجِوارِكَ مسجد قُباء، الصلاةُ فِيهِ بِعُمْرَةٍ…. فَمَا حرَمْنَاكَ مِنْ ثَوابِ عُمْرةِ البَيْت الحَرامِ… فإنْ قصدْتَهَا فَهِى عِنْدَنَا… بخلافِ ترحيبنا بك… وهدايانا لك….

ويترك رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم هذا الأمر.. لايوضِّحُهُ الوضوحَ الكافى.. ولكن يتركهُ لِمَنْ يُحِبُّهُ صلى الله عليه وسلم أن يستجليه.. ويشعر به بروحه وقلبه… ويُعَظِّمُ صلى الله عليه وسلم شعائر اللَّه تعالى.. المسجد الحرام وما فيه.. و مسجد قُباء…

ومِنْ أَخْذِ الحديثِ على ظَاهِرِهِ… منَعَ الناس من زيارةِ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بدعوى أنَّ الصلاةَ فى المسجدِ الحرامِ لا تعدِلُهَا صلاةٌ فى مسجدٍ آخرَ… بلْ وجعلوا زيارةَ المدينةِ المنورةِ، إنما هى بنيةِ الصلاةِ فى مسجده الشريف فقط!! وليست بنية زيارته صلى الله عليه وسلم… بلْ مِنْهُم من تمادى فى جَهْلِهِ فمنع النساءَ من زيارةِ الروضة الشريفة بدعوى أن الرسول صلى الله عليه وسلم لعنَ زائراتِ القُبور!!! أعاذنا اللَّه تعالى منهم ومن شرِّهِم وجهلهم…

لفتةٌ بسيطةٌ أردنا أن نعرضها لك.. لتعيد النظر فى أحاديث رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وما تحتويه من دقائق ومعانٍ قد تخفى على الكثيرين.. يقول رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: ” مَنْ زَارَنِى بِالمَدِينَةِ مُحْتَسِبًا كُنْتُ لَهُ شَهِيدًا وشَفِيعًا يَومَ القِيَامَةِ “، وهو حديث حسن، رواه البيهقى عن ” أنس ” رَضِىَ اللَّه عنه.

والعجيب أن قول رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: ” مَنْ زارَ قَبْرِى وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِى ” والذى رواه ابن عدى فى الكامل وكذلك البيهقى فى شعب الايمان عن ” أنس ” رَضِىَ اللَّه عنه، قد عدَّهُ العلماء فى الأحاديث الضعيفة…

الصحابة والتابعين وكيف كان حبهم لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم

وانظر إلى ما ذكره المؤرخون وأصحاب السِيَرِ عن الصحابة والتابعين، وكيف كان حبهم لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ومنها على سبيل المثال لا الحصر:

يقول ” السمهودى ” فى وَفَا الوَفَا ” لَمَّا قَدِم ” بلال ” رضى اللَّه عنه، من الشام، لزيارة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أتى القبر الشريف، فجعل يبكى عنده ويمرغ وجهه عليه “…

ويذكر “ابن عساكر” فى تحفته ” قال على إبن أبى طالب: لمَّا رُمِسَ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم جاءت فاطمة رضى اللَّه عنها فوقفت على قبره صلى الله عليه وسلم وأخذت قبضة من تراب القبر، ووضعت على عينها وبكت”…

ويذكر الحافظ ” الزبيدى ” فى شرح الإحياء (الجزء العاشر)، أنَّ السيدة عائشة رضى اللَّه تعالى عنها، عندما حضرتها الوفاة، دعت بخرقة من قميص رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وقالت ” ضعوا هذه على صدرى، وادفنوها معى، لعلى أنجو بها من عذاب القبر”….

وذُكِر فى كتاب كشف الأستار عن زوائد البزَّار (الجزء الأول) أن ” أنس بن مالك ” رضى اللَّه عنه، كانت عنده عُصَيَّةٌ لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فلما مات، دفنت عصاه بين جيبه وقميصه….

وذكر الحافظ الزبيدى فى ” الإتحاف ” (الجزء العاشر) بأنَّ ” معاوية بن أبى سفيان ” كان يختفظ فى خزانته بقميص لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وقُرَاضَةٍ من شعره وأظفاره، فأمر عند وفاته بأن يجعلوا كُلَّ هذا فى كفنه، وعلى جسده مباشرة….

ويذكر “ابن كثير” فى البداية والنهاية (الجزء العاشر) أن الإمام “أحمد بن حنبل” كان يحتفظ بشعيرات لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم مصرورة فى ثوبه…

ويذكر الذهبىّ فى كتاب السير (الجزء الحادى عشر). قول “عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل”: رأيت أبى يأخذ شعرة من شعر النبى صلى الله عليه وسلم فيضعها على فِيهِ ويُقَبِّلُهَا، ويضعها على عينيه، ويغمسها فى الماء ويشربه ويستشفى به…

وقد قال ” ابن تيمية ” فى كتابه ” اقتضاء الصراط المستقيم ” ما نَصُّهُ: فقد رَخَّصَ أحمد بن حنبل، وغيره فى التمَسُّحِ بالمنبر، والرمانة التى هى موضع مقعد النبى صلى الله عليه وسلم ويده.

وراجع مؤلفات الحافظ المعاصر “الغُمَارى المَغْرِبِى”، وكذلك أمهات الكتب والمراجع التى صدرت فى القرون الهجرية الأوائل بعد القرن الثالث….

وذكَرَ “ ابن كثير ” فى موسوعته البداية والنهاية -الجزء السابع- ما رواه البيهقى بإسنادٍ صحيح قال: “أصاب الناس قحطٌ فى زمان عمر بن الخطّابِ، فجاء رجلٌ إلى قبر رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول اللَّه استسق لأُمَّتِكَ فإِنَّهُم قد هلكوا “، فرأى الرجلُ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فى المنام وقال له “أقرئ عمر السلام وأخبره أنَّهم يسقون، وقل له عليك الكَيْس الكَيْس” فأتى الرجُلُ “عمر” فأخبره فبكى “عمر” وقال: “ياربّ ما ءالوا إلا ما عَجَزْتُ”

وهذا الصحابى هو “بلال بن الحارث المزنى”

وقد ذكر مثله فى “فتح البارى – الجزء الثانى” وقد رواه “ابن أبى شيبة” عن “أبى صالح السمَّان” عن “مالك البزار” خازن “عمر بن الخطّاب”.

وقد ذكَر القِصَّة ” سيف بن عمر ” عن ” سهل بن يوسف السلمى ” عن ” عبد الرحمن بن كعب بن مالك “، وزاد عليها أن ذلك كان عام الرمادة، فى أواخر عام 17 ه، وبداية عام 18 ه، وأنَّ “بلال بن الحارث المزنى ” قال لعمر بن الخطاب” أنا رسولُ رسولِ اللهِ إليكَ، يقول لك رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ” لقد عهدتك كيِّسا، وما زلت على ذلك، فما شأنُك “

فدعا عمر إلى صلاة الاستسقاء… واستغاث بالأمصار للعون بالمؤونة…

وذكر ” الحافظ بن الجوزى” فى كتاب” الوفا بأحوالِ المصطفى “.. عن ” أبى بكر المِنَقِّرى ” الرواية التالية، وكذلك ذكرها الحافظ “الضياء المقدِسى”:

قال المِنَقّرى: كنت أنا والطبرانىّ وأبو الشيخ فى حرمِ رسول ا للَّهِ صلى الله عليه وسلم، وكنّا على حالةٍ، فأثَّر فينا الجوع، وواصلنا فما أكلنا، فلما كان وقت العشاءِ حضرتُ قبر النبىِّ صلى الله عليه وسلم فقلتُ: يا رسول اللهِ.. الجوع.. الجوع.. وانصرفت.. والطبرانىّ جالسٌ ينظُرُ فى شيئ.. فحضرَ عَلَوِىٌّ، ومعه غلامان، ومع كُلِّ غُلامٍ زنبيلٌ فيه طعام.. فجلس وأكلنا.. وترك ما تبقى منّا…

فلمَّا فرغنا قال العَلَوِىُّ ” ياقوم أشكوتم إلى رسول ا للَّهِ صلى الله عليه وسلم؟؟ فإنى رأيت رسول ا للَّهِ صلى الله عليه وسلم فى المنامِ، فأمرنى أن أَحمِلَ بشئٍ إليكُم “..

فهل تدلُّ كل هذه الروايات وأمثالها إلا َّعلى شِدَّةِ الحُبِّ لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وشِدَّةِ الحُبِّ للَّه تعالى!!!

فكل هذه الوقائع وغيرها صدرت منهم من باب الحُبِّ والمحبَّةِ.. وليست من باب الأمر والنهى.. ولامن باب العبادة وانتظار الجزاء…

و بعد كل هذا…… يقول صلى الله عليه وسلم: “ما بين قبرى و منبرى روضة من رياض الجنة ” رواه أحمد، و أبو يعلى، و سعيد ابن منصور – عن أبى سعيد والبيهقى فى الشعب و الخطيب و ابن عساكر – عن جابر بن عبد اللَّه.

عجيب أمر هذا الحديث!!

ما بين القبر الذى دفن فيه جسد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.. و منبره الذى كان يخطب عليه.. أى المسعى والممشى بين المقامين الذى كان يتشرف بمسير رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم جعله اللَّه روضًا من رياض الجنة.. تكريمًا من اللَّه تعالى لأثر فعل الجسد فى حياته.. بين بيته أو قبره – لا فرق – و منبره..

نسأل سؤالاً.. إذا كان اللَّه قد أكرم هذه البقعة من الأرض التى تجاور قبر رسول اللَّه حيث و ورِىَ جسده الشريف المبارك فجعلها روضة من رياض الجنة تكريمًا لهذا الجسد وتعظيما لشأنه.. فما نالت هذه البقعة هذا الشرف إلا لأنها مجاورة لجسد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.. فما بالك بتكريم اللَّه تعالى لهذا الجسد نفسه وبمكان حوى هذا الجسد!!.

الروضة فى الجوار فصارت من رياض الجنة.. لأنها جوار المحبوب صلى اللَّه عليه و سلم فكيف بمكان ضم جسد المحبوب ذاته.. و ما بالك بالجسد الشريف عينه!!.

من مجموعة كتب للمجدد الشيخ عبد الله:/ صلاح الدين القوصي. للتصفح أو التحميل

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *